التنويريون هاجموه والوفد أنصفه، كيف قرأت نخب القرن العشرين تجربة عرابي بعد عودته من المنفى؟ - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التنويريون هاجموه والوفد أنصفه، كيف قرأت نخب القرن العشرين تجربة عرابي بعد عودته من المنفى؟ - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026 02:29 مساءً

تشكل شخصية الزعيم الوطني والقائد العسكري أحمد عرابي واحدة من أكثر الإشكاليات جدلًا في التاريخ السياسي والفكر المصري الحديث؛ فما إن عاد من منفاه في سيلان عام 1901 وحتى وفاته، في مثل هذا اليوم من عام  1911، حتى وجدت نخب القرن الماضي نفسها أمام إرث معقد تتجاذبه رؤيتان متناقضتان.

الأولى تراه وطنيًا ورائدًا للحركة القومية الصاعدة، والثانية تحمله المسؤولية المباشرة عن وقوع البلاد تحت وطأة الاحتلال البريطاني لثلاثة وسبعين عامًا، والسؤال: كيف تعاملت النخب السياسية والفكرية والأحزاب المصرية التي شكلت مشهد ما بعد عام 1900 مع أحمد عرابي وتجربته بعد عودته من المنفى؟

أحمد عرابي، الفلاح الذي هزَّ عرش أسرة محمد علي 

ولد أحمد عرابي في مايو 1841 بقرية هرية رزنة بمحافظة الشرقية لأب من أعيان القرية. التحق بالكُتاب ثم الأزهر، قبل أن يتجه للسلك العسكري في عهد سعيد باشا الذي أصدر قرارات بترقية أبناء البلاد والمصريين في رتب الجيش، وهنا ترقى عرابي حتى وصل لرتبة أميرالاي "عميد"، وشكل مع زملائه الضباط الوطنيين نواة للرفض والتصدي للتمييز والتسلط الذي كان يمارسه المماليك والشركس ضد الضباط المصريين.

وقاد عرابي ثورة شعبية وعسكرية شملت حراكًا اجتماعيًا وسياسيًا واسعًا، بلغت ذروتها في مواجهة قصر عابدين في 9 سبتمبر 1881، حين فرض على الخديوي توفيق تشكيل حكومة وطنية وزيادة عدد الجيش وإجراء انتخابات نيابية. غير أن تداعيات المواجهة والصدام مع العرش والدول الأجنبية أدت إلى العدوان الإنجليزي، وصولًا إلى هزيمة التل الكبير عام 1882، ثم محاكمته ونفيه إلى سيلان نحو عشرين عامًا.

مصطفى كامل في مواجهة، محاكمة الهزيمة

مع مطلع القرن العشرين وظهور الحركة الوطنية الجديدة بقيادة مصطفى كامل وحزبه الوطني، اتسم موقف هذه النخبة بالحدة والجفاء الشديد تجاه أحمد عرابي وخاصة عقب عودته من المنفى، حيث نظر مصطفى كامل والحزب الوطني إلى عرابي باعتباره القائد الذي أورد البلاد موارد الهلكة بسبب سوء التقدير العسكري والسياسي. ورأت هذه النخبة الشابة أن اندفاع عرابي وصراعه المباشر مع الخديوي منحا بريطانيا الذريعة والغطاء للتدخل العسكري واحتلال مصر.

وعبر جريدة "اللواء"، وجه الحزب الوطني انتقادات حادة لعرابي لعودته بعفو خديوي ومرتب تدفعه الحكومة المحتلة، واعتبروا أن قبوله بهذه المزايا يمثل انكسارًا للرمز. 

ووصل الأمر بالبعض إلى اتهامه بـ الديكتاتورية العسكرية، والتسرع الذي أجهض التجربة النيابية الوليدة عام 1881.

التنويريون في مواجهة نموذج أحمد عرابي 

مثَّل حزب الأمة والمحيطون به أمثال أحمد لطفى السيد ومحمد حسين هيكل التيار الليبرالي العقلاني في تلك الفترة، وجاء موقفهم مغايرا لمصطفى كامل، حيث رفض هؤلاء أي نموذج للحكم العسكري.

 وانتقد مفكرو هذا التيار إقحام الجيش في السياسة، ورأوا أن تدخل الضباط في الشأن النيابي والحكومي أضر بالمسار الدستوري المدني، وأوجد حالة من الاستقطاب والاضطراب الاجتماعي.

في نفس الوقت، أنصَفَ هذا التيار جوهر مشروع أحمد عرابي، واعتبروا مطالبه في عابدين بإنشاء مجلس نواب، وإلغاء التمييز مطالب مشروعة، وتكشف عن وعي مبكر بحقوق المواطنة والسيادة الشعبية، لكن الإشكالية كانت في الأسلوب والطريقة. 

حزب الوفد، إعادة الاعتبار للرمز الشعبي

مع اندلاع ثورة 1919، وتأسيس حزب الوفد برئاسة سعد زغلول، أحد المشاركين الشباب في الثورة العرابية منذ بدايتها، حدث تحول جذري في التعاطي مع اسم أحمد عرابي، حيث تجاوز الوفد والقوى الليبرالية الشعبية خطابات التخوين والنقد الذاتي، وأعادوا قراءة تجربة عرابي باعتباره أول فلاح مصري ينادي بالحرية والاستقلال.

وحوّل الوفد صورة عرابي من متسبب في الهزيمة إلى ضحية للخيانات والتحالف الاستعماري الخديوي، وهنا انقلبت الصورة تماما، وأصبحت صيحة عرابي في عابدين ملهمًا للخطاب الوطني الوفدي، وصورته على حصانه أمام الخديوي رمزًا لكسر حاجز الخوف أمام العرش والاحتلال.

القوى الاجتماعية والفلاحون، البطل الأسطوري

بعيدًا عن النخب الثقافية بالقاهرة، عاش أحمد عرابي في ذاكرة الريف والفلاحين باعتباره البطل الأسطوري والمخلص الاجتماعي، وابن البلد ورجل العدالة، حيث رأى الفلاحون والطبقات الوسطى في عرابي رجلًا منهم صعد لقمة المؤسسة العسكرية ودفع ثمن دفاعه عن حقوقهم ضد ظلم السخرة وإجحاف الضرائب والتمييز الشركسي، للتحول قصة عرابي وسيرته ونفيه إلى سيلان إلى مواويل وأغاني شعبية تجسد الجسارة في مواجهة الاستعمار والقصر، مما حماه من محاولات التشويه من وقتها وحتى الآن. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق