نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الأردن يكبح الزواج المبكر والعقود غير الموثقة تحدٍ آخر - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026 06:56 صباحاً
"جحيم استباح حياتي وسلّم مستقبلي للمجهول". بهذه الكلمات تختزل الشابة إيناس (اسم مستعار) تجربة مريرة عاشتها حين أجبرت على الزواج عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها، لتتحول سريعاً من مقاعد الدراسة إلى قفص الخلافات والتعنيف، ومن ثم إلى دائرة الطلاق المفرغة.
قصة إيناس ليست حالة معزولة، بل تختصر قصص العديد من نظيراتها، وتعد تجسيداً حياً لما يحذر منه الخبراء الحقوقيون في الأردن حول خطورة لجوء الأسر محدودة الدخل إلى الزواج المبكر كطوق نجاة وهمي من الأعباء الاقتصادية.
ورغم التطور التشريعي والأتمتة الإلكترونية التي قادتها دائرة قاضي القضاة وساهمت في خفض نسب الزواج المبكر، إلا أن الظاهرة قد تتغذى على العقود غير الموثقة.
الصدمة
استطاع الأردن أن يحقق قفزة نوعية في ملف الزواج المبكر الذي شهد تراجعاً ملحوظاً بعد ما وصلت نسبته، وفق أحدث الأرقام الرسمية (2026)، إلى 8%، مقارنة بـ13% خلال سنوات سابقة، أبرزها في مرحلة جائحة كورونا، وكذلك مرحلة ذروة اللجوء السوري، وشهدت حينها تلك المخيمات بروزاً للزواج المبكر.
إيناس البالغة 27 عاماً، تروي لـ"النهار" معاناتها من زواجها المبكر عندما كان عمرها 16 عاماً، والذي استمر عامين فقط وأفضى إلى إنجاب طفلة، قائلة: "في نهايات عام 2015 كنت لا أزال طالبة في المدرسة وأحلم كغيري من الطالبات بإكمال دراستي الجامعية".
إلا أن ذلك الأمر، كما تؤكد، بقي حلماً لا يمكنها تحقيقه، مشيرة إلى أن والدها في ذلك العام أجبرها على الزواج من شخص مقتدر مالياً ويفوقها سناً بنحو 17 عاماً للتخلص من عبء مصاريفها والحصول في الوقت ذاته على المال من "العريس"، ما أدخلها في حالة من الصدمة، في حين باءت كل محاولاتها ووالدتها بإقناع الأب لتغيير موقفه بالفشل.
وأضافت أن ظروف أسرتها المعيشية كانت صعبة للغاية كون والدها لا يملك عملاً مستقراً ويعيل بالإضافة إلى والدتها 5 أبناء هي أكبرهم، ما دفعه إلى الاعتقاد أن تزويجها سيشكل "طوق نجاة" للأسرة، "لكن ما حدث هو العكس وأصبحت وطفلتي عبئاً على الأسرة بعد الطلاق".
وبشأن سبب الطلاق، قالت إيناس إن الزواج كان خطأ من البداية لرفضي له وصغر سني ولفارق السن بيني وبينه، فلم يكن هناك أي انسجام في العلاقة ولا تقارب في التفكير والاهتمامات، ما أنتج بالتالي خلافات وصلت إلى حد ضربه المتكرر لي بشكل ازداد عنفاً، ما دفعني في إحدى المرات إلى الهرب إلى منزل خالتي خشية الذهاب إلى منزل أسرتي ومواجهة رد فعل والدي.
بعد ذلك، تقول إن الأمر وصل إلى الطلاق مع إصرارها على عدم العودة مجدداً إلى بيت الزوجية، فبدأت فصول رحلة عناء جديدة في منزل الأسرة، خصوصاً أن والدها لم يكن يسمح بالبحث عن عمل أو حتى الخروج من المنزل إلا في حالات اضطرارية.
لكنها الآن باتت تعمل في مجال الخياطة بأجرٍ زهيد من داخل منزل أسرتها الذي تحول على حد وصفها إلى "سجن" وسط ظروف نفسية صعبة، مشيرة إلى أن كل ما يهمها هو مستقبل طفلتها التي تحرص على انتظامها في التعليم، مع تأكيدها أيضاً أن ترفض الزواج مجدداً بسبب سوء التجربة التي عاشتها سابقاً.
(تصميم النهار)
تعليمات قضائية صارمة
بحسب ما تؤكد لـ"النهار" الخبيرة المناصرة لحقوق الطفل نادين النمري، فإن الأردن حقق انخفاضاً ملموساً في نسب زواج القاصرين (دون سن 18 عاماً)، بحيث تراجعت النسبة إلى 8% بعدما كانت تسجل 13% في سنوات سابقة، لافتة في الوقت ذاته إلى أن الغالبية العظمى من هذه الحالات تتركز بين الإناث، مع رصد حالات محدودة جداً بين الذكور.
وأرجعت هذا التراجع الإيجابي إلى التعليمات الصارمة التي أصدرتها دائرة قاضي القضاة والخاصة بتنظيم تزويج الفئات العمرية دون الثامنة عشرة، مشيرة إلى أن "التحول الحاسم تمثل في أتمتة هذه التعليمات والربط الإلكتروني للمدارس والمحاكم الشرعية، فبعدما كان القرار خاضعاً للمساحة التقديرية للقاضي الشرعي، بات النظام الإلكتروني اليوم يرفض المعاملات تلقائياً في حال عدم استيفاء الشروط المحددة".
وتتضمن هذه الشروط قيوداً صارمة، أبرزها عدم تأثير الزواج على تعليم الفتاة، وتحقق المصلحة الفضلى، وعدم تجاوز فارق سن بينهما 15 عاماً، ومنع أن تكون الفتاة زوجة ثانية، وكذلك حضور دورة تدريبية توعوية مخصصة للمقبلين على الزواج تنظمها دائرة قاضي القضاة واجتيازها.
وحذرت من خطورة اللجوء إلى زواج القاصرات كأحد سبل التكيف السلبية التي يتبعها بعض الأسر لمواجهة الضغوط والظروف المعيشية الصعبة، ظناً منها أن تزويج الابنة يخفف من الأعباء المالية.
ووصفَت هذا الافتراض بأنه "وهم غير صحيح"، في حين أكدت أن "النتيجة في كثير من الحالات تنتهي بالطلاق، لتعود الفتاة إلى أسرتها مثقلة بالتبعات النفسية وربما برفقة أطفالها".
وأضافت أن الحرمان من التعليم والاقصاء عن سوق العمل يشكلان تكلفة اقتصادية باهظة تبقي الأسر تدور في حلقة الفقر المفرغة، فضلاً عن تسببها بزيادة ظاهرة عمالة الأطفال.
"خط الدفاع الأول"
وفي رؤيتها للحلول، شددت النمري على أن برامج التوعية عنصر مهم جداً في المجتمعات التي ترى في الزواج المبكر ثقافة اجتماعية، مستدركة أن "التوعية وحدها لا تكفي"، بينما دعت إلى توفير حلول جذرية تشمل التمكين الاقتصادي والتشغيل.
وشددت على أن "المدرسة هي خط الدفاع الأول" لحماية الفتيات، ولا سيما منهن اللواتي لا يملكن رغبة في استكمال التعليم، إذ إن جلوسهن في المنازل يفتح الباب واسعاً أمام تزويجهن مبكراً.
لذلك، طالبت بتفعيل أنظمة التنبؤ والتدخل المبكر لتحديد الفتيات المعرضات لخطر الزواج المبكر، وضمان بقائهن على مقاعد الدراسة، بما يكفل تأخير سن الزواج حتى يبلغن مرحلة النضج التي تمكنهن من اتخاذ قراراتهن المصيرية بوعي واستقلالية.
زواج خارج أروقة المحاكم الشرعية
ومن وجهة نظر المختصة بحقوق الإنسان وشؤون الأسرة والطفل الدكتورة دانا الشلول، فإن الأسباب والظروف المسببة للزواج المبكر في الأردن متداخلة، وفي مقدمها الضغوط الاقتصادية ولجوء الأسر المحدودة الدخل للتزويج كآلية لتخفيف الأعباء أو مهرب نفسي من البيئات الضاغطة والظروف القاسية، فضلاً عن ظروف اللجوء والنزوح التي تدفع برغبة توفير حماية اجتماعية افتراضية للفتيات، خصوصاً أن المملكة في مقدم الدول المستضيفة للاجئين.
وتؤكد الشلول لـ"النهار" أن الفتاة في سن مبكرة تنقصها الجاهزية العاطفية والنضج الكافي لتحديد مواصفات شريك الحياة أو اتخاذ قرار بصير ببدء حياة أسرية مستقرة مع شخص مناسب، بحيث يُمارَس هذا الزواج في كثير من الأحيان "وسيلة هروب".
وعندما تكبر الفتاة وتدرك واقعها وتبدأ فرص النضج بالتفتح لديها، تشعر بالفجوة الكبيرة، مما يدفعها في كثير من الحالات إلى "التمرد" على هذه الحياة التي أُكرهت عليها بشكل مباشر أو غير مباشر، فنكون بذلك قد صنعنا بيدينا بيئةً خصبة للطلاق المبكر أو المؤجل وتفكك الأسرة مستقبلاً.
كما تلفت إلى خطورة العقود غير الموثقة، معتبرة إياها من أخطر الظواهر المؤرقة التي تقع خارج دائرة الأرقام الرسمية، بحيث يلجأ بعض الأسر إلى تزويج القاصرات خارج أروقة المحاكم الشرعية بعقود غير موثقة لتفادي المساءلة والشروط المشددة التي تفرضها دائرة قاضي القضاة، ثم تأجيل التوثيق إلى حين بلوغ سن الـ18، أو عند حدوث حمل للفتاة، أو عند حاجة الطفل للرعاية الصحيّة والتعليميّة، وهو التفاف تشريعي خطير يضع الفتاة وأطفالها في وضع حقوقي هش ويحرمهم حقوقهم المدنية والمالية والإثباتية الأساسية، ناهيك عن التبعات الصحية الخطيرة والحرمان التمكيني الناجم عن التسرب المدرسي.
ورغم أن الأصل في القانون الأردني يحدد الحد الأدنى من عمر الزواج 18 عاماً، إلا أن هناك مادة استثنائية تتيحه للفئة (15- 18 عاماً) بضوابط تتمثل بالتحقق من المصلحة وفارق السن والقدرة المالية وعدم الانقطاع عن التعليم. و"يظل موقفنا الحقوقي والأكاديمي ثابتاً بضرورة إلغاء هذا الاستثناء كلياً وتغليظ العقوبات على العقود غير الموثقة، بالتوازي مع تبني استراتيجية إعلامية وتوعوية تعزز مفاهيم التربية الإعلامية والنضج لدى الأسرة، وتضع استكمال التعليم كشرط أساسي لبناء أسر متماسكة ومجتمعات قوية".









0 تعليق