التوافق الجنسي وقلق الأداء: ما هو تأثير "كوليدج" ولماذا تتراجع الإثارة؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التوافق الجنسي وقلق الأداء: ما هو تأثير "كوليدج" ولماذا تتراجع الإثارة؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026 07:46 مساءً

كريستابيل نجم

 

 

لا يُمكن قراءة الارتفاع الهائل في نسب الطلاق أو تفشّي الخيانة بعزلها عن المنظومة التربوية والاجتماعية التي نشأنا عليها. 

 

لقد اعتاد المجتمع التعامل مع الجنس كمحرّمات مطلقة، لكنَّه مارس ازدواجية مقيتة، فحلّله للشبان وجرّمه على الفتيات.

 

هذا التناقض ترك الشريكين بلا لغة واضحة لبناء توافق واضح، فكبر جيل مرتبك أمام الجنس ومنشغل بالأداء أكثر من المتعة والتواصل.

 

وبين اختزال المرأة في جسد يُثير الرغبة والخوف من أن تكون قد عرفت مع غيره متعة أكبر، ضاعت مساحة أساسية من العلاقة: الأمان والثقة.

 

لكن المفارقة تظهر أيضاً لدى اختصاصيي معالجة العلاقات أنفسهم، فمعظمهم يتحاشى الخوض علناً في التفاصيل الجنسية، ما يكشف فجوة بين الجرأة على معالجة هذه المسائل داخل الغرف المغلقة والتردّد بطرحها أمام المجتمع بوضوح وشفافية.

 

 

طلب الدعم ضرورة (Pexels)

طلب الدعم ضرورة (Pexels)

 

 

ديناميكية الانجذاب وبناء الانسجام الجسدي 

 

غالباً ما يُلتقَط الانجذاب الجسدي بلمح البصر، إذ تكفي أحياناً الخمس ثوانٍ الأولى من نظرةٍ خاطفة لنُدرك وجود تلك الشرارة من عدمه. ورغم جلاء هذا الجانب فوراً، إلّا أنَّه ليس سوى عتبة تتلوها المقوّمات الحقيقية التي تُقرّر ما إذا كان سيتبلور إلى علاقة عميقة أم سيقف عندها.

 

وعلى رغم إمكان التوافق الجسدي الخاطف بين بعض الرجال والنساء، تُؤكّد الاختصاصية  النفسية جاين نصر أنَّ “الانجذاب الجسدي المجرّد لا يكفي لدى معظم الناس لبناء علاقة جنسية أو جسدية متكاملة، بل يتطلّب الأمر أبعاداً إضافية يقع على رأسها الافتتان”. 

 

يكتسب هذا البعد أهميّته من حاجة الفرد إلى الشعور بالخواء والأمان الوجداني، أن يكون على طبيعيته من دون خوف من أفكار مسبقة أو أحكام نقدية ضمن مساحة من التواصل المريح الذي تشتد حاجته مع الخوض في المساحات الحميمية.

 

توضح أنَّ "هذا الشعور بالتوافق الجنسي يُعدّ المحرّك الأساسي لتعزيز الانجذاب وتغذية الرغبة في حين يُؤدّي غيابه إلى فُتورُهما. فإذا التجأ أحد الطرفين إلى الإكراه أو ساد الجفاف والتواصل المسيء الذي يطال الأحاسيس، يتردّد أثر ذلك انخفاضاً حادّاً في الميل ورغبة في الابتعاد.

 

أمّا عن مفهوم "الشرارة"، فيُمكن أن تكون مؤشّراً صحياً وطبيعياً ينشأ بعفوية لتُختبر استدامته مع الوقت.

 غير أنَّ  نصر تُحذّر من أنّها “قد تكون مضلّلة وغير صحية، لا سيّما لدى من يحملون ترسّبات صدمات نفسية أو اضطرابات في علاقاتهم الأولى مع الرعاة الأساسيين كالوالدين”.

 

في هذه الحالات، قد لا تكون الفراشات المتراقصة أو "الكيمياء الفائقة" إلّا قناعاً لما يُعرف برابطة الصدمة" “Trauma bond”، إذ التعلّق ليس وليد علاقة صحية بل نتيجة إعادة استحضار أسلوب تعامل مألوف نفسياً.

 

فالإنسان ينزع لاشعورياً نحو كلّ ما هو مألوف ضمن "منطقة الراحة" الخاصة به حتى وإن كان مؤذياً، ما يجعل الشعور بالألفة لا يعني بالضرورة الطمأنينة ولا يُشكّل كلّ لهيب دليلاً على صحة العلاقة. وهذا ما يُفسّر استمرار البعض في حبّ من يُؤذيهم كاستعادة غير واعية لأنماط قديمة.

 

على صعيد العلاقة الجسدية والجنسية، تُنبّه نصر إلى أنَّها "لا تأتي كاملة أو مثالية من اللّحظة الأولى حتى مع وجود الإقبال، إذ تُبنى جودتها بالتجربة، التراكم والخبرة المشتركة بين الشريكين تحديداً". 

 

لا تعني الخبرات الجنسية السابقة لأحد الطرفين نجاحاً تلقائياً في العلاقة الجديدة، نظراً إلى اختلاف ديناميكية الجنس من شخص لآخر وما يُرافقها من تفضيلات، محفّزات ونُفور. 

 

تشرح نصر أنَّ “الخبرة الحقيقية تتشكّل عبر التواصل الصريح والشفاف حول الرغبات، المخاوف وما يُريح الطرفين أو يُزعجهما، ما يُكسب العلاقة الجنسية نضجاً وتوافقاً يتزايد مع كلّ تجربة ويسير جنباً إلى جنب مع الانجذاب الحميمي".

 

 

قلق الأداء وتأثير "كوليدج"

 

 

يقع الكثيرون في الخلط بين الإثارة والتناغم الناجمين عن التوتر والخوف وبين  الانشدادالحقيقي. 

 

ويُؤدّي ارتفاع مستويات الأدرينالين، سرعة ضربات القلب وحالة الاستثارة الجسدية إلى تفسير خاطئ للتوتر على أنَّه انجذاب شديد، بينما تستلزم الحقيقة فصل الحسّ الجسدي غير الملموس عن معناه النفسي العميق.

 

 

 

مساحة آمنة (Pexels)

مساحة آمنة (Pexels)

 

 

 

في العودة إلى أسباب الاستمالة، تعزو نصر جزءاً منه إلى “النزوع اللّاحسي نحو الأنماط المألوفة، صحية كانت أو غير صحية، إلى جانب عوامل مرتبطة بالتطوّر البشري والبيولوجي". 

 

فمنظور التغيير يُفسّر تفضيل بعض النساء للرجل الطويل أو الضخم بالحاجة إلى حماية، بينما قد ينجذب بعض الرجال لاشعورياً إلى المرأة القَصيرة أو ناعمة البنية كمؤشّرات بيولوجية غير واعية ترتبط بالخصوبة والإنجاب.

 

كما تلعب الشفرة الجينية دوراً بارزاً إذ يزداد الميل اللّاحسّي كلّما اتّسعت الفجوة الجينية بين الطرفين وهو ما يخدم التنوّع البيولوجي.

 

وتدحض الفكرة الشائعة بأنَّ التناغم الجنسي يجب أن يكون تلقائياً وسلساً منذ البداية"، مع التأكيد على “ضرورة وجود حدّ أدنى من القابليّة للاكتفاء.

 

في بدء العلاقة بنفور كامل وعدم تقبّل الطرف الآخر يجعل الإجبار على الاستمرار رهاناً خاسراً، إذ لا يُمكن لحُسن التعامل وحده أن يخلق انجذاباً من العدم. 

 

غير أنَّ الإنصاف يقتضي عدم التسرّع في الحكم من اللّقاء الأوّل، إذ قد يُؤثّر التوتر في السلوك والملامح، لذلك تستحق العلاقة فرصة ثانية إذا وُجد فضول لاستكشاف الشريك. 

 

في إطار العلاقات طويلة الأجل، تُشدّد نصر على أنَّ "السلوكيات اليومية والتفاصيل الصغيرة تُشكّل التفاعل الكيميائي أو تهدمه". 

 

تستشهد بحالة الأزواج الذين يُحبّون الإكثار من الكلام الحميمي أثناء العلاقة، في حين يشعر  الآخر بالانزعاج.

الطباع الأساسية للأفراد لا تتغيّر بسحر الزواج، ما يستلزم وعياً سابقاً للاختيار، مع الإشارة إلى أنَّ التقبّل يختلف من حالة لأخرى بحسب رصيد الحبّ المتبادل.

 

وصول الشريكين إلى النشوة في اللّحظة ذاتها هو استثناءٌ بيولوجي يُحقّقه التفاهم والتواصل، فبطء الاستجابة لدى المرأة مقارنةً بالرجل يجعل هذا التزامن إنجازاً نفسياً وتواصلياً ناتجاً من معايرة حسية والتخلّي عن الأنانية.

 

وتوضح نصر: “هناك فئة من الناس لا يُمكنها استشعار التآلف الجنسي إلّا عبر بوابة الحبّ والعاطفة أوّلًا”،فيما يُواجه آخرون كوابح جنسية رغم وجود التفاهم نتيجة الخوف من أحكام الشريك، نقص الخبرة والشعور بالارتباك تجاه أجسادهم. 

 

تتداخل في هذا السياق عوامل الرضا عن الجسد، استقرار تقدير الذات ومستوى الثقة بالنفس أو الخجل، إذ إنَّ عدم ارتياح الفرد لجذوره وجسده يخلق حاجزاً صلباً أمام مشاركته بمرونة مع الغير.

 

يبرز في هذا الصدد قلق الأداء “Performance anxiety” كعائق كبير، لا سيّما لدى الرجال، حيث يتحوّل الجنس من مساحة للمتعة، القرب والاستسلام النفسي إلى اختبار قياسي وتقييم ذاتي مستمرّ يصل في النهاية إلى شلل الرغبة.

 

تختتم نصر بالتأكيد أنَّ “تنوّع الوضعيات والممارسات الجنسية يخضع لشرط جوهري لا يقبل المساومة وهو الموافقة الحرّة والواعية من الطرفين”.

 

علميّاً، تراجع الإثارة مع الوقت لا يعني موت الحبّ بل يرجع لِتأثير كوليدج "Coolidge Effect"، حيث يتحوّل الدماغ هرمونياً من ضخّ "الدوبامين" أيّ هرمون الإثارة والمجهول إلى "الأوكسيتوسين" وهو هرمون الترابط العاطفي، فالخطأ الأكبر تفسيره على أنَّه نهاية الألفة. 

 

ليست المتعة الذاتية أو الأدوات الحميمة خطأً متى أُحيطت بالوعي، بل هي ملاذٌ يدفع النساء لتفضيل المتعة الفردية والتظاهر بالنشوة مراعاةً لإيغو الرجل أو إنهاءً للحظة تفتقر للانسجام. 

 

تظلّ العلاقة الجنسية تجربة إنسانية راقية، فالتعبير الجسدي والتناغم الكيميائي الناجم عن الإثارة المتبادلة يُشكّلان شعوراً رائعاً. غير أنَّ هذه اللّذة تستوجب مسؤولية وحذراً في اختيار الشريك والسلامة عند استخدام الأدوات الجنسية تجنّباً للأمراض المنقولة جنسياً.

 

وبات كسر الصمت حيال هذه القضايا خصوصاً من جانب المعالجين والاختصاصيين ملحّاً لترسيخ وعي جنسي ونفسي أكثر صحة. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق