نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
عقدة الخواجة - تواصل نيوز, اليوم السبت 10 أكتوبر 2026 12:15 مساءً
لا أعرف لماذا نُصرّ في كثير من الأحيان على قياس نجاحنا بمعايير الآخرين، ولماذا نبحث عن اعتراف الغرب بقيمة ما نملكه من مواهب وإمكانات، وكأن الإبداع لا يكتسب شرعيته إلا إذا ارتبط باسم أجنبي أو تشابه مع تجربة عالمية.
والأغرب من ذلك أننا نملك تاريخًا طويلًا من الإنجازات الحضارية والفنية والعلمية التى تفوقت على الجميع، ومع ذلك لا نتوقف عن منح أنفسنا ألقابًا مستمدة من أسماء الآخرين، بدلًا من أن نصنع ألقابنا الخاصة التي تعبر عن هويتنا وتاريخنا.
في مجال الفن، على سبيل المثال، اعتدنا أن نصف أحد الفنانين بأنه «أنطوني كوين الشرق»، وأن نطلق على أحد المسارح لقب «برودواي الشرق»، أو نصف القاهرة بأنها «هوليوود الشرق».
وقد تبدو هذه الألقاب، في ظاهرها، محاولة لتكريم الفنان أو المؤسسة أو المدينة، لكنها تطرح سؤالًا مهمًا: لماذا نحتاج إلى استعارة هوية الآخرين حتى نعبر عن تميزنا؟ ولماذا لا يكون الفنان صاحب تجربة مستقلة تستحق التقدير باسمها، بدلًا من أن يظل في نظر الجمهور نسخة شرقية من فنان غربي؟.
فما لا يعرفه كثيرون أن الفنان العالمي أنطوني كوين نفسه وقف يومًا أمام أحد الفنانين المصريين العظماء ليتعلم منه، وهي حقيقة لا تنتقص من مكانة كوين أو قيمته الفنية، بقدر ما تكشف عن حجم ما يمتلكه فنانونا من خبرات ومواهب تستحق التقدير.
لكننا، للأسف، ما زلنا نعاني من «عقدة الخواجة» التي تدفعنا إلى النظر للغرب باعتباره المعيار الأول للتميز، حتى عندما نمتلك من الإبداع ما يجعل الآخرين يتعلمون منا.
والحقيقة أن فنانينا ليسوا مجرد نظراء لفناني العالم، بل إن كثيرًا منهم يمتلكون من القدرات والخصوصية الفنية ما يضعهم في مصاف كبار المبدعين عالميًا، دون الحاجة إلى مقارنتهم بأحد أو منحهم ألقابًا مستعارة.
إن المشكلة ليست في تقدير التجارب العالمية أو الاعتراف بقيمة المبدعين المصريين والعرب في مختلف أنحاء العالم، فالفن لغة إنسانية مشتركة، والإبداع لا وطن له.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإعجاب إلى تبعية، وعندما يصبح التشابه مع الآخر معيارًا للتفوق، وكأننا لا نستطيع تقديم أنفسنا إلا من خلال المقارنة به.
والأمر لا يقتصر على الفن والثقافة، بل يمتد إلى العلوم والمعرفة، فكثيرًا ما نصف عالمًا بأنه «أينشتاين العرب»، وكأننا لا نستطيع تقديم عالمنا إلى الجمهور إلا من خلال ربطه باسم عالم أجنبي شهير.
والحقيقة أن العالم المتميز لا يحتاج إلى استعارة اسم غيره حتى تثبت قيمته، فله إنجازه، وفكره، واكتشافاته التي ينبغي أن تُعرَف وتُقدَّر في حد ذاتها.
وإذا عدنا إلى تاريخنا الحضاري، فسنجد أن العلماء العرب والمسلمين وضعوا اساسيات علوم الرياضيات والطب والفلك والجغرافيا وغيرها من مجالات المعرفة، وأن أعمالهم سرقتها أوروبا ونسبتها الى نفسها، وهو ما يجعل من الضروري أن نعيد قراءة تاريخنا بوعي، وأن نميز بين الحقائق الموثقة والمبالغات التي لا تخدم قضيتنا.
إن استعادة الثقة بالذات لا تعني التقليل من شأن الآخرين، ولا الادعاء بأننا الأفضل في كل المجالات دون دليل، وإنما تعني أن نتعامل مع إنجازاتنا بموضوعية، وأن نمنح مبدعينا وعلماءنا حقهم في التقدير، وأن نكف عن اختزالهم في مقارنات جاهزة مع شخصيات عالمية.
نحن بحاجة إلى تغيير طريقة تقديم أنفسنا، بداية من الإعلام والمؤسسات الثقافية والتعليمية، وصولًا إلى الخطاب اليومي الذي نستخدمه في وصف إنجازاتنا. فبدلًا من أن نقول إن لدينا نسخة من هذا الفنان أو ذاك العالم، علينا أن نقدم الفنان باسمه وتجربته، والعالم بأبحاثه واكتشافاته، والمسرح بتاريخه وإنتاجه، والمدينة بخصوصيتها الحضارية والثقافية.
إن الأمم الواثقة من هويتها لا تحتاج إلى استعارة أسماء الآخرين لتثبت وجودها، بل تقدم إنجازاتها للعالم، وتترك للتاريخ مهمة الحكم عليها.
فمتى نتوقف عن البحث عن ألقابنا في ذاكرة الآخرين، ونبدأ في صناعة أسماء تستحق أن يتذكرها العالم؟
اقرأ أيضاً
أحمد زايد: الهوية المصرية متماسكة.. ومواقع التواصل أبرز تحديات العصرنبيلة مكرم: الهوية الوطنية أمانة مشتركة.. والذاكرة والتنوع والوعي والقيم ركائز بناء الأجيال


















0 تعليق