الكويت.. حين تغادر الأوطانُ المكانَ وتسكن الوجدان - تواصل نيوز

رياضة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الكويت.. حين تغادر الأوطانُ المكانَ وتسكن الوجدان - تواصل نيوز, اليوم السبت 10 أكتوبر 2026 05:39 مساءً

ثمة بلدان نزورها فتبقى في ذاكرتنا صورٌ من شوارعها ومعالمها، وثمة بلدان أخرى تتجاوز حدود الجغرافيا لتستقر في القلب.

والكويت، بالنسبة إليّ، من هذه الأوطان التي لا تنتهي حكايتنا معها عند لحظة المغادرة، بل تبدأ بعدها حكاية أخرى عنوانها المحبة والامتنان.

لم تكن إقامتي في الكويت مجرد زيارة لبلد عربي، بل كانت فرصة لاكتشاف وطن من الداخل، والاقتراب من شعب يجمع بين عزة الانتماء وطيبة المعشر، وبين الوفاء لجذوره والانفتاح على الآخرين.

عدت منها بانطباعات جميلة، وبقناعة أعمق بأن عظمة الأوطان لا تُقاس بما تملكه من إمكانات فحسب، بل بما يسكن نفوس أهلها من قيم، وبما يتركونه في قلوب ضيوفهم من أثر لا تمحوه المسافات.

في الكويت، يلفت انتباهك ذلك الاعتزاز الصادق بالوطن، وبالتاريخ الذي صاغ شخصيته، وبالهوية التي تناقلتها الأجيال باعتبارها جزءًا من الكرامة والذاكرة والوجدان. إنه انتماء لا يحتاج إلى كثير من الكلام، لأنك تلمسه في تفاصيل الحياة اليومية، وفي علاقة الناس بأرضهم، وفي حرصهم على صون مكتسباتهم الوطنية والمحافظة على خصوصية مجتمعهم.

ولعل أجمل ما في هذا الاعتزاز أنه لا يتناقض مع حب الحياة، ولا يتحول إلى انغلاق عن العالم.

فالكويت التي تتمسك بأصالتها تعرف أيضًا قيمة الثقافة والكلمة الجميلة والشعر، وتمنح الذاكرة الأدبية مكانة خاصة في وجدانها.

وفي حضور الشعر، تتجلى ملامح روح عربية لا تزال ترى في القصيدة مساحة للحب والتعبير، وفي الكلمة جسرًا يصل الإنسان بوطنه وبالآخرين.

فالشعر هنا ليس ترفا ثقافيا، بل جزء من ذاكرة المجتمع ووسيلة للاحتفاء بالجمال والهوية والحياة.

أما الضيافة الكويتية، فكانت من أصدق ما حملته معي من هذه التجربة.

هناك كرم لا يُختزل في الموائد، وترحيب لا تقاس قيمته بالمظاهر، بل بما يحمله من عفوية وصدق ومودة.

أن يشعر الزائر بأنه بين اخوته و بين أهله، وأن يجد في الوجوه والكلمات والتصرفات ما يبدد عنه غربة المكان، فذلك هو الكرم في معناه الإنساني النبيل.

وقد اكتشفت أن بعض المواقف الصغيرة قادرة على ترك أثر أكبر من كثير من الكلمات، لأنها تصل إلى القلب من دون استئذان.

وفي هذا كله، تتجلى قيمة الاستقرار بوصفه أكثر من مجرد مفهوم سياسي أو اقتصادي، إنه طمأنينة يعيشها الإنسان، وثقة يحتاج إليها المجتمع، وأرضية تتيح للناس أن يواصلوا حياتهم ويتمسكوا بتطلعاتهم إلى المستقبل. فالأوطان التي تحافظ على استقرارها وتصون هويتها وتعتز بمكتسباتها تمنح أبناءها شعورًا بالانتماء، وتمنح زائريها فرصة لاكتشاف مجتمع يعرف ما يريد أن يحافظ عليه وما يتطلع إلى تحقيقه.

لقد جعلتني هذه التجربة أقف على الدبلوماسية الثقافية من زاوية أكثر قربًا إلى الإنسان.

فهي لا تُصنع في قاعات المؤتمرات وحدها، ولا تختصرها الاتفاقيات واللقاءات الرسمية، بل تبدأ من ابتسامة صادقة، ومن موقف كريم، ومن ثقافة شعب يحسن استقبال الآخرين ويعرّفهم ببلده من خلال سلوكه وقيمه.

وقد تكون ضيافة صادقة أبلغ من خطاب طويل، وقد تكون تجربة إنسانية جميلة أقدر على بناء جسور الثقة من صفحات كثيرة تُكتب عن العلاقات بين الدول.

فالزائر حين يعود إلى وطنه، لا يحمل معه صور الأماكن وحدها، بل يحمل أيضًا انطباعًا عن الناس، وعن طريقة عيشهم، وعن القيم التي تحكم علاقتهم بالآخر.

وهنا تتحول الزيارة إلى رسالة محبة، ويتحول الإنسان نفسه إلى سفير لصورة جميلة اكتشفها وعاش تفاصيلها، من دون أن يكون ذلك جزءًا من مهمة رسمية أو برنامج معدّ سلفًا.

وبوصفي تونسية أعتز بانتمائي العربي، شعرت في الكويت بأن ما يجمعنا أعمق من المسافات التي تفصل بيننا.

فبين تونس والكويت خيط من الذاكرة المشتركة، ومن اللغة والقيم والعادات، ومن ذلك الشعور بأننا ننتمي إلى فضاء عربي تتعدد تجاربه وخصوصياته، لكن الإنسان يظل فيه قادرًا على التعرف إلى أخيه من خلال المحبة والاحترام والكرم. لكل بلد شخصيته ومساره، غير أن الروابط الإنسانية الصادقة تجعل المسافات أقصر، وتمنح اللقاءات معنى يتجاوز حدود الزيارة العابرة.

غادرت الكويت، لكنني لم أغادرها بكل ما فيها.

تركت خلفي أيامًا جميلة، وحملت معي مشاعر التقدير لشعب يعرف قيمة وطنه، ويعتز بقيادته وهويته، ويحب الحياة والثقافة، ويفتح قلبه لضيوفه.

وحملت امتنانًا لكل من جعل إقامتي تجربة إنسانية دافئة، ولكل موقف أعاد التأكيد أن جمال الأوطان لا يكمن في معالمها وحدها، بل في الأرواح التي تمنحها معناها.

الكويت، بالنسبة إليّ، ليست مجرد بلد زرته ثم عدت منه، بل حكاية محبة ستظل حاضرة في الذاكرة.

وهي دليل على أن الأوطان قد تستقبلنا بأرضها، لكنها لا تسكننا حقًا إلا بأهلها، وأن أجمل ما يمكن أن تمنحه لنا رحلة هو أن نعود منها بقلوب أكثر قربًا من الآخرين، وبإيمان أعمق بأن الثقافة والكرم والاحترام قادرة على بناء جسور لا تهدمها المسافات.

هكذا تحولت زيارتي إلى الكويت من أيام عشتها في بلد عربي شقيق إلى محبة أحملها معي أينما ذهبت.

وهكذا فهمت أن الدبلوماسية الثقافية في أرقى معانيها لا تبدأ حين نصل إلى الأوطان، بل حين تفتح لنا قلوب أهلها أبوابها، ولا تكتمل حين نغادرها، بل حين نكتشف أننا تركنا فيها بعض الذكريات، وأخذنا منها محبة لا تعرف طريق العودة.

للمزيد تابع

خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك

قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى هذا المقال : الكويت.. حين تغادر الأوطانُ المكانَ وتسكن الوجدان - تواصل نيوز, اليوم السبت 10 أكتوبر 2026 05:39 مساءً

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق