نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
واسيني الأعرج وجلال برجس في معرض بيروت للكتاب: ماذا تصنع الجوائز بالأدب؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026 07:26 مساءً
ليس أصعب على الكاتب من أن ينتظر الاعتراف، سوى أن يأتيه الاعتراف محمّلاً بما لم ينتظره. تتّسع دائرة القرّاء، ويغادر الكتاب عزلته، لكنّ ضوء الجائزة يدخل أيضاً إلى غرفة الكتابة: هل يمنح صاحبها حرية أكبر، أم يجعله يراقب يده وهي تكتب؟
من هذه المسافة بين الفرح والقلق، انطلقت ندوة "ماذا تصنع الجوائز بالأدب؟"، التي جمعت الروائيين واسيني الأعرج وجلال برجس، وأدارها أستاذ كرسي الشيخ زايد للدراسات العربيّة والإسلاميّة في الجامعة الأميركيّة في بيروت بلال أورفه لي، ضمن معرض بيروت العربي الدولي للكتاب. حوار تجاوز المفاضلة بين تأييد الجوائز ورفضها، إلى مساءلة ما تغيّره في حياة النص وكاتبه وقارئه، وما تعجز عن تغييره مهما اتّسعت سلطتها.
الاعتراف… حين يصبح الضوء مسؤولية
وضع أورفه لي النقاش أمام تحوّل أساسي: صارت الجائزة جزءاً من دورة حياة الكتاب، تتدخّل في ظهوره وانتشاره، وتفتح له أبواباً قد تبقى مغلقة أمام سواه. ومن هنا، يصبح السؤال عن الجهة التي تمنح الاعتراف سؤالاً عن تشكيل الذائقة أيضاً.
في مقاربته، أعاد واسيني الأعرج الكتابة إلى زمنها الأول، حين كان الدافع إليها حبّها، قبل أن يصبح انتظار الجوائز جزءاً من المشهد. فالفوز يمنح راحة داخلية، وإحساساً بأن النص بلغ قارئاً مختصاً وقدّره، لكنه لا يقدّم مقياساً مطلقاً للأدب. تتغيّر اللجان والقراءات، ويظلّ احتمال الاختلاف قائماً.
جانب من الندورة في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب
لهذا، تبقى الجائزة لحظة مضيئة في مسار أطول، فيما الرهان على تطوير الأدوات والاستمرار. وهي إذ تجلب قرّاء جدداً، تزيد مسؤولية الكاتب تجاه نصه. فالكتاب سيُفتح ويُقرأ، ولن تستطيع مكانته الاحتفالية أن تجيب عن الأسئلة التي تثيرها صفحاته.
الرواية الفائزة وظلّها الطويل
اقترب جلال برجس من الجائزة بوصفها شكلاً من أشكال الاعتراف الذي يبحث عنه الإنسان. غير أنّ هذا الاعتراف يوقظ قلقاً آخر: أن تختصر رواية واحدة صاحبها، وتصبح العمل الذي يُعرَف به، مهما كتب قبلها وبعدها.
الأشدّ حساسية أن تتحوّل الرواية الفائزة إلى مرجع خفيّ للكتابة المقبلة. عندئذ، قد يجد الكاتب نفسه يستعيد العناصر التي صنعت نجاحه، ويضيّق، من حيث لا يشعر، احتمالات المغامرة.
استحضر برجس منبته القروي ليضيء تلك المنطقة الخاصة التي يأتي منها الأدب: ذاكرة الأصوات والتفاصيل والأحلام الأولى. والخشية أن تتسلّل متطلبات النجومية إلى هذه المنطقة، فتغيّر علاقة الكاتب بما يكتب. هكذا يغدو الحفاظ على حرية النص عملاً داخلياً متواصلاً، حتى في أكثر لحظات النجاح بهجة.
القارئ شريك في الحكم
في المقابل، أظهر النقاش ما صنعته الجوائز من حركة حول الكتب. فالقوائم الطويلة والقصيرة تمنح أعمالاً متعدّدة فرصة الظهور، وتغذّي نقاشات نوادي القراءة والمراجعات والمنصّات الرقمية، وتدفع القرّاء إلى المقارنة وتكوين اختياراتهم.
وتوقّف برجس عند قارئ يناقش التفاصيل ويقدّم قراءة يتعلّم منها الكاتب نفسه. هنا تتجاوز العلاقة صورة تذكارية مع اسم مشهور، لتصبح لقاءً بين تجربتين في فهم النص.
لكن اتّساع الحضور يظلّ محتاجاً إلى نقد يرافقه. فقرار لجنة التحكيم قراءة ضمن قراءات، وقد تبقى خارج التتويج أعمال تستحقّ الاهتمام. وتلك مسؤولية تتقاسمها الصحافة الثقافية والنقد والناشرون: إبقاء المجال مفتوحاً أمام الكتب التي لم تصلها الأضواء، ومنحها حياة تتجاوز موسم النتائج.
التاريخ والترجمة: أيّ حياة للنص؟
فتح الحديث عن الرواية التاريخية سؤالاً عن المسافة بين الوثيقة والتخييل. وفي استعادته تجربة "كتاب الأمير"، أوضح الأعرج كيف يصنع الروائي شخصيته داخل معرفة تاريخية، ثم يمنحها حياتها الأدبية. فالبحث يؤسّس العالم، والتخييل يجعل سكانه يتنفّسون؛ وتبدأ حساسية التجربة حين تصطدم الشخصية الروائية بصورة يريد الآخرون تثبيتها.
وعند الترجمة، برز سؤال الوصول الفعلي إلى القارئ الأجنبي. طُرحت مخاوف من انتقاء نصوص تستجيب لصور جاهزة عن العالم العربي، ومن ترجمة لا تتبعها قراءة أو متابعة.
وقدّمت رئيسة دار الآداب رنا إدريس زاوية أخرى، بالإشارة إلى اهتمام دور نشر أجنبية بأعمال عربية خارج دائرة الجوائز والانتشار الواسع. وكشفت أيضاً أنّ واسيني الأعرج يتبرّع بحقوقه المالية المستحقّة لدى الدار لمركز سرطان الأطفال، في لفتة تمنح صلة الأدب بالحياة بُعداً إنسانياً ملموساً. وبين مداخلات الندوة، ظهرت الحاجة إلى مشروع يصل الترجمة بالنشر والتوزيع، ويمنح تنوّع الأدب العربي فرصته في العبور.
من سؤال الجوائز إلى اقتراحها
امتدّ الحوار إلى الشعر وموقعه في سوق تميل إلى السرد، وإلى ضرورة التمييز بين انحسار حضوره التجاري واستمرار كتابته. وفي ختام الندوة، طُرحت أفكار لجوائز للشعر والترجمة، وجائزة تحمل اسم بيروت.
كأن السؤال عاد إلى المدينة نفسها: كيف تمنح الأدب أسباباً إضافية للحياة؟ فالجائزة تستطيع أن تفتح باباً، وأن تردّ إلى الكاتب بعض الاعتراف الذي حُرم منه. أمّا ما يعبر ذلك الباب، وما يبقى في ذاكرة القارئ، فتصنعه الكتابة، صفحة بعد صفحة، حين يعود صاحبها من الاحتفال ويجلس أمام نصّ لم يُكتب بعد.













0 تعليق