ما لم تَقُلْه الدبابيس - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ما لم تَقُلْه الدبابيس - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026 10:06 صباحاً

قيس نمر

كان أبي يمسك القماشَ كما يمسك الحكيمُ سؤالًا لا جواب له، يُدير المتر حول الجسد كأنه يقيس المسافة بين الإنسان وقَدَره، ثم يبتسم، لأنه وحده يعرف أن كل ثوبٍ كذبةٌ صغيرة نرتديها لنبدو أكمل مما نحن.
يداه لم تكونا يدين، كانتا جسراً بين الخيط المشتّت وفكرةِ النظام، بين القطعة الممزقة وحلمها القديم بأن تكون كاملة من جديد، وأنا الآن أفهم متأخراً أن الرَّتق ليس إصلاحاً، بل اعترافٌ بأن كل شيء قد تمزّق أصلاً.
كنتُ أنام صغيراً على صوت الماكينة، ذلك الصرير المنتظم الذي كان، بلا أن أدري، صلاةً يومية، كان يخيط ثياباً للغرباء ويترك لي، بلا قصد، إيقاعاً صار قلبي يقلّده كلما اضطرب.
كانت في المحل مرآة قديمة تعرف كل من وقف أمامها ناقصاً، وكان أبي يقف خلف الزبون، بالدبابيس بين شفتيه كأنها كلمات مؤجَّلة، يشدّ هنا، يُرخي هناك، كأنه يقول للجسد: لا بأس، سنُصلح ما لا تستطيع أن تُصلحه بنفسك.
كانت أصابعه مليئة بندوبٍ صغيرة، آثار إبرٍ نسيت أن تكون رقيقة، وكنتُ أظن، في طفولتي، أن هذا ثمن الحرفة، والآن أعرف أنه كان ثمن الحب أيضاً، فكل من يمنحك شيئاً كاملاً لا بد أنه خبأ عنك وخزاته الصغيرة.
كان يحتفظ ببقايا الأقمشة في صندوق خشبي، كأنها ذكريات لا يريد التخلص منها، قصاصة من ثوب عرسٍ، أخرى من قميص عيدٍ، وأخرى لا يتذكر لمن كانت، وكنتُ أظن أنه يوفّر القماش، والآن أظن أنه كان يخبئ الزمن، قطعةً قطعة، خوفاً من أن يُقاس يوماً فيُوجد ناقصاً.
كان يجلس خلف الماكينة كما يجلس نبيٌّ صغير خلف معجزته اليومية، والخيط يخرج من الإبرة كأنه الزمن نفسه، رفيعاً، صامتاً، لا يُرى إلا حين يُشدّ فجأة فينقطع.
لم أكن أعرف يومها أن هناك خيّاطاً أكبر يجلس فوق كل الخيّاطين، يقيس أعمارنا بمترٍ لا نراه، ثم يأخذ مقصّه، بلا استئذان، بلا رحمة الحرفي، ويقصّ.
وفي آخر يوم، ترك على الماكينة ثوباً لم يكتمل، كمّه الأيسر معلّق كجملةٍ لم تُنهَ، وفكرتُ: هكذا نرحل جميعاً، منتصف غرزة، منتصف وعد، منتصف حياة كان القدَر يخيطها بيدٍ مستعجلة.
وحين جاء من يقيس له آخر ثوبٍ في حياته، لم يكن هناك متر، ولا دبابيس، ولا مرآة يقف أمامها ناقصاً، كانت قطعة قماش بيضاء بلا قياس، بلا موعد تسليم، فأدركتُ أن الخيّاط الذي أتقن كل الثياب لم يستطع أن يخيط لنفسه ثوبا يبقى فيه.
الآن، في المكان الذي كان يجلس فيه، لا يوجد قماش، ولا إبرة، ولا صوت لماكينة يشبه قلباً يعمل بصبر، فقط، ضوءٌ يسقط على كرسيٍّ فارغ كأن الغياب أيضاً يحتاج إلى قياسٍ دقيق.
غاب أبي.
كان أبي يتقن كل شيء... حتى الغياب.
أدركتُ متأخراً أنه لم يكن يُصلح الثياب، كان يُعلّمني، بصمت، أن الحياة كلها خياطة نُمزَّق، ثم نُخاط، ثم نُمزَّق من جديد، والفرق الوحيد بيننا وبين القماش أننا لا نشعر بالإبرة إلا حين تُغادرنا اليد التي كانت تُمسكها بحب.
والآن، حين أرى خيطًا مبعثراً على الأرض، أنحني لألتقطه، ليس لأني سأخيط شيئاً، بل لأن يديه علّمتاني أن الحب، في جوهره، مجرد محاولةٍ دائمة بألاّ ندع الأشياء تسقط.
وربما هذا، في النهاية، أورثني إياه من دون أن يقول كلمة أن أحمل دوماً إبرة صغيرة في داخلي، لا لأخيط بها الأقمشة، بل لأخيط بها، كلما استطعت، كل ما تُمزّقه الأيام حولي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق