المشهد يتغيّر! - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المشهد يتغيّر! - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 04:06 صباحاً

شخصياً، أرى أن ما يحدث في الشرق الأوسط كان متوقعاً. وصلت إلى هذا التقدير من متابعة مسار التوسع الإيراني وكلفته، وقد كتبت عنه مراراً. فالدولة التي تنفق مواردها على إنشاء جماعات مسلحة في جوارها، ثم تحملها أعباء مشروع أكبر من مجتمعاتها، تهيئ أسباب تعثرها. وكل نجاح موقت يغري أصحاب القرار بخطوة إضافية، إلى أن تصبح المسافات والالتزامات أوسع من قدرتهم على التحمل، ولكنها تستمر حتى السقوط.

أنفقت طهران بلايين الدولارات في سوريا ولبنان والعراق واليمن. في غيرها من الدول، اشترت السلاح والولاءات، وأنشأت شبكات تمويل وتجنيد، وتوغلت في مؤسسات واقتصادات محلية. وأعتقد متخذ القرار فيها أنه في طريقه لاستعادة مكانة الإمبراطورية الفارسية. اختلاط المشروع بتأويلٍ ديني، يمنح السلطة تفويضاً يتجاوز حدودها ويمنع مساءلتها. وفي خطاب التعبئة العقائدية حضرت فكرة التمهيد لظهور الإمام الغائب. هكذا اكتسبت قرارات سياسية قابلة للخطأ حصانةً دينية، وصار الاعتراض عليها يُفسر عداءً للمقدسات.

في سوريا ظهرت كلفة هذا التصور بوضوح. سنوات من الإنفاق والتغلغل انتهت بسقوط الحليف الذي عُلقت عليه الاستثمارات السياسية والعسكرية. وكان التبرير المتكرر أن الحكومة السورية طلبت المساعدة. كأن موافقة الحاكم تمنحه حق رهن بلاده، أو تمنح القادم تفويضاً مفتوحاً للتحكم بمستقبلها. وفي كتاب "صبح الشام" لحسين أمير عبد اللهيان تحضر حماية المقامات (مقام زينب) من ضمن رواية تبرير التدخل. ويستحق القارئ أن يسأل كيف اتسعت مهمة الحماية من مرقد لتشمل شؤون دولة كاملة ومصائر سكانها!

خسارة سوريا أصابت طريق الإمداد إلى "حزب الله"، وقد أقرّ أمينه العام بشحّ التمويل. وكانت قياداته الأساسية قد تعرضت لضربات قاسية في حرب 2024، ثم جاءت الحرب التالية لتضيف استنزافاً جديداً. هذا الترتيب مهم لفهم تراكم الخسائر. فقد تراجعت قدرة الحزب على تعويض السلاح والكوادر، وتعاظمت أعباء الإعمار ورعاية العائلات التي خسرت بيوتها وأرزاقها.

اتخذت الدولة البنانية لأول مرة منذ زمن، موقفاً صريحاً من حصرية السلاح، وحظرت النشاط العسكري للحزب. التنفيذ يواجه عقبات كبيرة، والحزب ما زال يحتفظ بالسلاح والتنظيم والمؤيدين. غير أن السؤال عن كلفة خياراته بات أشد إلحاحاً. من نزح مرتين، وفقد منزله أو عمله، يحق له أن يسأل عمّن قرّر الحرب، وعمّن سيتولى إخراجه من المأساة. هذه الأسئلة تصل إلى بيئته أيضاً، مهما حاول الخطاب الحزبي احتواءها.

في اليمن نرى وجهاً آخر للمشكلة. أغرى التقدم الحوثي على الساحل أصحابه بتوسيع السيطرة حول باب المندب، ورفع قدرتهم على تهديد الملاحة والجوار. ثم أعلنت الحكومة اليمنية حملة لاستعادة المناطق الخاضعة للجماعة. وأفادت تقارير ميدانية، نقلاً عن مسؤولين وشهود، باستعادة مواقع قرب المضيق. المعركة مستمرة. ما يستحق الانتباه هو إمكان اجتماع قوى يمنية متباينة حول استعادة الدولة، بعد سنوات استفاد فيها الحوثي من خلافاتها.

وفي العراق يتقدم مطلب حصر السلاح بيد الدولة، وتقاومه فصائل مرتبطة بطهران. إعلان الرغبة في تنفيذ هذا المطلب خطوة سياسية لها وزنها، وتحويلها إلى واقع يحتاج إلى قدرة وإرادة وتسوية داخلية. وأرى أن إصرار الفصائل على امتلاك قرار مستقل يكشف جوهر الخلاف: من يقرر الحرب والسلم، ومن يحاسب على استخدام القوة؟ بناء الدولة الوطنية سيضيق بالضرورة مساحة النفوذ الذي يتحرك خارج مؤسساتها.

 

تختلف سرعة التحولات بين هذه الساحات، وتجمعها كلفة متصاعدة للمشروع الإيراني. فالمال المطلوب لإدامة النفوذ ينفد، والخسائر بدأت تتضخم، والمجتمعات التي تحملت الحروب تطالب بحياة عادية. ولإيران نفسها شعب له احتياجاته وتطلعاته، وقد تحمل نصيباً ثقيلاً من فاتورة هذا الانتشار.

 

أعتقد أن الإفراط في التوسع يفسر جانباً مهماً من الانحسار الذي نتابعه. يقول المثل الشامي: "ما بتصغر إلا لما تكبر". وفي الخليج نقول: "إذا أراد الله زوال النملة أنبت لها جناحين". إيران لها أكثر من جناحين! تختصر الأمثال خبرة الناس بفساد غرور القوة. يظن صاحب المشروع أن اتساع حضوره دليل على سلامة حساباته، فيضاعف المغامرة، ويستهين بما يتراكم حوله من رفض. وبعد الخسارة يجد نفسه مضطراً إلى الدفاع عن مواقع كان يتحدث قبل فترة عن انتصارات فيها. والمقلق أن الاعتراف بهذا التحول يصعب على من صنعوه. ففي النظام الذي يربط شرعيته برسالة تاريخية ومهمة مقدسة، تصبح المراجعة اتهاماً للقيادة ولروايتها عن نفسها. لذلك يجري تأجيل الحساب، وتفسير كل خسارة باعتبارها مؤامرة عابرة. ويستمر استهلاك الموارد بحثاً عن استعادة وضع تغيرت شروطه.

وتقع على الحكومات العربية مسؤولية استثمار هذه الفرصة. الناس يحتاجون إلى أمن وقضاء وتعليم وفرص عمل، وإلى ضمانات بأن المواطنة تشمل الجميع. نجاح الدولة في هذه الوظائف يسحب من الجماعات المسلحة أسباب التجنيد والنفوذ. وفي لبنان وسوريا والعراق واليمن مجتمعات أنهكتها الحروب، وتحتاج إلى شراكة تحترم كرامتها. وأي تعامل معها بروح الانتقام يهيئ دورة من الخصومات، ويمنح التدخل الخارجي فرصة أخرى للعودة بأسماء وشعارات مختلفة.

 

المشهد يتغير، وفرصة المنطقة في بناء دول قادرة على حماية مواطنيها تستحق عملاً جاداً. وعلى متخذ القرار الإيراني أن يقرأ ما يجري، وأن يحسب مصلحة بلاده وشعبه في علاقة طبيعية بجيرانه.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق