نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
رثاءُ ما لم أكنه - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026 02:06 مساءً
فرانسيسكا موسى
كم من حياةٍ واريتُها في داخلي،
ثمّ مضيتُ في جنازتها،
كأنّني لم أكن القاتلَ والقتيل.
أرثي امرأةً لم تولد،
لكنّني أشعر أنّني خذلتُها.
امرأةً كانت تنتظرني
في جهةٍ أخرى من العمر،
حيث لم أخف،
ولم أتنازل عن نفسي
كي لا أخسر الآخرين.
ربّما كانت تشبهني في ملامحها،
لكنّها كانت أكثر حرّيّة.
ربّما كانت تحبّ دون أن ترتجف،
وتحلم دون أن تعتذر،
وتقول "لا" دون أن تقضي ليلتها
تسأل نفسها إن كانت قد أصبحت شخصاً سيّئاً.
لا أعرف أين انتهت،
ولا في أيّ لحظةٍ
توقّفتُ عن أن أكونها.
كلّ ما أعرفه
أنّني كلّما اخترتُ طريقاً،
أغلقتُ خلفي طرقًا أخرى،
ومضيتُ دون أن ألتفت.
كنتُ أظنّ أنّ الحياة
تمنحنا ما نختاره،
ولم أفهم أنّها، مع كلّ اختيار،
تأخذ منّا أيضاً
ما لن نكونه أبدًا.
والآن،
لا أبكي ما حدث،
بل ما لم يحدث:
الرسائل التي لم أرسلها،
والأبواب التي لم أطرقها،
والنسخة منّي
التي ربّما كانت ستعرف
كيف تكون سعيدة
دون أن تشعر بالذنب.
ما أقسى أن ينجو الإنسان
من كلّ ما كاد أن يكسره،
ثمّ يكتشف أنّ النجاة نفسها
قد غيّرته إلى الأبد.
أن يصل إلى المكان الذي أراده،
لكنّه لا يعود الشخص
الذي حلم بالوصول.
أن ينظر إلى المرآة،
فيعرف وجهه،
ولا يتعرّف إلى كلّ ما اضطرّ
إلى أن يصير إليه كي يبقى.
وأتساءل أحياناً:
هل نحن حقًّا من نختار حياتنا،
أم أنّنا نختار
من بين خساراتٍ لا نعرف أسماءها؟
وهل يمكن للمرء
أن يشتاق إلى حياةٍ لم يعشها،
وإلى شخصٍ لم يصبحه،
وإلى نفسه
قبل أن تعلّمها الحياة
كيف تتخلّى عمّا تحبّ
وتسمّي ذلك نضجاً؟
لعلّ أكثر ما يُفجع في العمر
أنّنا لا ندفن أحلامنا دفعةً واحدة،
بل نفقدها بالتقسيط:
في تنازلٍ صغير،
وفي خوفٍ عابر،
وفي مرّةٍ نقنع فيها أنفسنا
بأنّ ما نريده ليس ضرورياً.
حتّى يأتي يومٌ
لا نتذكّر فيه متى بدأنا نفقد أنفسنا،
ولا كيف صار الغريب في المرآة
هو الشخص الذي ينادينا الجميع باسمه.
ومع ذلك،
لا أريد أن أكره المرأة التي أصبحتُها،
ولا أن ألوم تلك التي لم أستطع أن أكونها.
فلعلّ كلتيهما كانت تحاول النجاة،
ولعلّ أيًّا منهما لم تكن تعرف
أنّ بعض الأبواب لا تُغلق خلفنا،
بل تبقى مفتوحةً في أرواحنا،
فنقضي العمر نتساءل
عمّا كان ينتظرنا وراءها.
لذلك،
لا أحزن لأنّني لم أعش ألف حياة،
بل لأنّني سأموت يوماً
دون أن أعرف
أيُّ امرأةٍ منّي
كانت تستحقّ أن تعيش.










0 تعليق