نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إنسان من كوكب آخر! - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 10:15 صباحاً
حين التقيته بين دفتي كتاب
لم ألتقِه وجهًا لوجه، لكنني التقيته لقاءً لا يقل أثرًا عن مصافحة امتدت دقائق، أو مجلس دام ساعات. كان لقائي الأول به بين دفتي كتاب، حيث اكتشفت أن بعض الكتّاب لا يكتفون بكتابة الكلمات، بل يتركون في أرواح قرائهم أثرًا يشبه أثر المعلمين الكبار. هناك أدركت أن الكتاب قد يكون بابًا إلى إنسان، وأن الإنسان قد يتحول إلى مدرسة كاملة، لا تنتهي دروسها بانتهاء القراءة!
كنت في مرحلة أبحث فيها عن صوتي الأدبي، وأتلمس الطريق بين القراءة والكتابة، وبين الفكرة وصياغتها، وبين الحلم والقدرة على التعبير عنه. قرأت لكثير من الكتّاب، لكن قليلين منهم استطاعوا أن يوقظوا في داخلي رغبة السؤال، وأن يجعلوني أعيد النظر في طريقة تفكيري قبل طريقة كتابتي. وكان غازي القصيبي واحدًا من أولئك القلائل الذين تركوا في نفسي أثرًا لا تمحوه السنوات.
لم يجذبني إليه منصبه، ولا شهرته، ولا كثرة ما كُتب عنه، وإنما شدّني ذلك التوازن النادر بين الأديب والمفكر والإداري والإنسان. رأيت فيه نموذجًا يثبت أن الثقافة ليست عزلة عن الحياة، وأن الأدب لا يتعارض مع الإنجاز، وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تسير جنبًا إلى جنب مع المسؤولية العامة.
كلما أغلقت أحد كتبه، شعرت أنني لم أنتهِ من قراءته، بل بدأت أقرأ نفسي من جديد. فقد كان يكتب بلغة تصل إلى العقل دون تكلف، وتمس القلب دون استجداء للعاطفة، وتدفع القارئ إلى التفكير بدلًا من أن تملي عليه ما يفكر فيه. وتلك، في نظري، من أصعب مراتب الكتابة وأرفعها؛ أن تمنح القارئ مساحة للتأمل، وتترك له حرية الوصول إلى المعنى!
لقد تعلمت منه، قبل أن أتعلم صناعة العبارة، احترام الفكرة. فالكلمات الجميلة قد تدهش القارئ لحظة، أما الفكرة العميقة فتبقى معه سنوات. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أؤمن بأن الكاتب الحقيقي لا يُقاس بزخرفة لغته وحدها، وإنما بما يتركه في قارئه من أثر بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة.
ولم يكن تأثيره فيّ أدبيًا فحسب، بل كان إنسانيًا أيضًا. فقد وجدت في سيرته مثالًا للإنسان الذي لم يحصر نفسه في مجال واحد، بل آمن بأن العمر أوسع من أن يُنفق في تخصص ضيق، وأن العقل إذا اعتاد التعلم ظل شابًا مهما تقدم به العمر. كان شاعرًا وروائيًا ومفكرًا وإداريًا ودبلوماسيًا، وفي كل ميدان ترك بصمة تدل على أن الاجتهاد قادر على تجاوز الحدود التي يرسمها الناس لأنفسهم.
ولعل أكثر ما أثار إعجابي فيه أنه لم يكن يكتب من برج عاجي، بل من قلب الحياة. كان يلتقط تفاصيل الناس، ويتأمل أحوالهم، ويحوّل تجاربهم إلى أفكار، ثم يعيدها إلى القارئ أكثر وضوحًا ونضجًا. ولذلك شعرت أن كتبه لا تتحدث عن شخصه وحده، بل عن الإنسان في ضعفه وقوته، وفي نجاحه وإخفاقه، وفي أحلامه التي كثيرًا ما تتجاوز حدود الواقع.
ومع مرور السنوات، أدركت أن بعض الشخصيات لا تؤثر فينا لأنها تشبهنا، بل لأنها تكشف لنا ما يمكن أن نصبح عليه إذا واصلنا التعلم، وأخلصنا لما نؤمن به. وكان غازي القصيبي واحدًا من تلك الشخصيات التي منحتني إيمانًا أعمق بأن الأدب ليس ترفًا ثقافيًا، بل رسالة، وأن الكاتب لا يعيش ليملأ الصفحات، وإنما ليترك في النفوس ما يستحق البقاء.
ولهذا، كلما سألني أحدهم عن الشخصيات التي أسهمت في صقل تجربتي الأدبية، حضرت صورته في ذاكرتي قبل كثير من الأسماء. ليس لأنه علّمني كيف أكتب فحسب، بل لأنه جعلني أتأمل لماذا أكتب، وأفهم أن الكاتب الذي يمنحك دافعًا حقيقيًا للكتابة يهبك ما هو أثمن من قواعدها وأدواتها!
لم أكن أقرأ كتب غازي القصيبي لأزداد معرفةً بسيرته فحسب، بل كنت أقرؤها لأتعرّف إلى نفسي. فما أكثر الكتب التي تمنح القارئ معلومة، وما أقلّ الكتب التي تمنحه طريقة جديدة في النظر إلى الحياة. وكانت مؤلفاته من ذلك الصنف النادر الذي لا يكتفي بملء العقل بالمعرفة، بل يوقظ فيه الأسئلة، ويحثه على مراجعة ما اعتاده من أفكار.
وكان أول ما استوقفني في تجربته أنه لم يكتب من موقع الواعظ الذي يملي على الناس ما ينبغي عليهم فعله، ولا من برج الأستاذ الذي يوزع الأحكام، وإنما كتب بصدق الإنسان الذي جرّب الحياة، وربح فيها وخسر، ونجح وأخفق، ثم عاد يروي تجربته بقدر كبير من الشفافية. ولهذا شعرت أن كلماته لا تُقرأ بعين القارئ وحدها، بل بعين الإنسان الذي يخوض تجاربه، ويبحث عن معنى أعمق للحياة.
ومن بين كتبه، بقي كتاب «حياة في الإدارة» الأقرب إلى ذاكرتي. لم أقرأه بوصفه كتابًا في الإدارة فحسب، وإنما قرأته بوصفه درسًا في الانضباط، واحترام الوقت، وتحمل المسؤولية، والإيمان بأن النجاح لا تصنعه الأمنيات، بل يصنعه العمل المتقن. لقد جعلني ذلك الكتاب أنظر إلى الإدارة على أنها أخلاق قبل أن تكون لوائح، وثقافة قبل أن تكون منصبًا، ورسالة قبل أن تكون سلطة.
أما رواية «شقة الحرية»، فقد كشفت لي وجهًا آخر من شخصية الكاتب؛ وجه الروائي الذي يعرف كيف يحوّل الأسئلة الفكرية إلى حكاية نابضة بالحياة. لم تكن الرواية بالنسبة إليّ مجرد أحداث وشخصيات، بل كانت رحلة في عقول الشباب، وفي صراع الأفكار، وفي التحولات التي تصنع الإنسان حين يخرج من بيئته ليواجه العالم بعيون جديدة. وهناك أدركت أن الرواية تستطيع أن تناقش قضايا المجتمع بعمق، دون أن تفقد جمالها الفني أو قدرتها على التشويق.
أما «العصفورية»، فقد كانت تجربة مختلفة تمامًا. كلما تقدمت في صفحاتها، ازددت اقتناعًا بأن الجنون الذي يتناوله الأدب ليس بالضرورة فقدانًا للعقل، بل قد يتحول في بعض الأعمال إلى وسيلة لكشف واقع فقد كثيرًا من حكمته. لقد جعلني هذا العمل أتأمل قدرة الكاتب على إعادة تشكيل الواقع أدبيًا، لا ليصف ظواهره فحسب، بل ليكشف ما يختبئ خلفها، ويجعل القارئ يرى ما اعتاد المرور به كل يوم دون أن ينتبه إليه!
وفي «أبو شلاخ البرمائي»، رأيت وجهًا آخر من وجوه الإبداع؛ السخرية الذكية التي لا تهدف إلى الإضحاك وحده، بل إلى فضح الزيف، وكشف التناقضات، ووضع القارئ أمام مرآة يرى فيها بعض عيوب المجتمع وهو يبتسم. ومن أصعب أنواع الكتابة أن تجعل القارئ يضحك، ثم يكتشف بعد لحظات أن تلك الضحكة كانت تخفي وراءها سؤالًا مؤلمًا.
ومع تنقلي بين كتبه، بدأت أفهم أن الأدب لا يعيش في قالب واحد؛ فهو تارة يروي حكاية، وتارة يحاور فكرة، وتارة يسخر من واقع، وتارة يدوّن تجربة. أما القاسم المشترك بينها جميعًا، فهو احترام عقل القارئ، والثقة بقدرته على التفكير دون وصاية، والإيمان بأن النص الجيد لا يحتاج إلى أن يفرض معناه على قارئه، بل يكفيه أن يفتح أمامه أبوابًا جديدة للفهم والتأمل.
وقد تركت هذه القراءة أثرًا واضحًا في تجربتي الأدبية. أصبحت أؤمن بأن الكاتب ليس مطالبًا بإبهار الناس بالعبارات المزخرفة بقدر ما هو مطالب بأن يكتب ما يبقى في الذاكرة بعد أن تُنسى الزخارف. فاللغة وسيلة، والفكرة جوهر، وإذا اجتمعت قوة الفكرة مع جمال اللغة وصدق التجربة، وُلد النص الذي يستحق أن يعيش.
ومن غازي القصيبي تعلمت أيضًا ألا أخشى تنوّع الكتابة. فالكاتب الذي يحبس نفسه في لون واحد قد يحرم قلمه من اكتشاف آفاق جديدة. أما القصيبي، فقد تنقّل بين الشعر والرواية والمقالة والسيرة والعمل الإداري والدبلوماسي، وترك في هذه الميادين آثارًا متعددة تكشف سعة اهتماماته وثراء تجربته. ومن خلال ذلك، أدركت أن الإبداع لا تحدّه القوالب بقدر ما تحدّه حدود الخيال والاجتهاد، وأن الكاتب يستطيع أن يظل وفيًا لصوته الخاص، حتى وهو ينتقل من فن إلى آخر.
ولعل أجمل ما خرجت به من قراءتي له أن الأدب ليس مهنة تؤدّى فحسب، بل موقف من الحياة. إنه طريقة في رؤية الإنسان، وفهم المجتمع، والتأمل في تناقضاته، والإيمان بأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعيش طويلًا، حتى بعد أن يغيب صاحبها. ولهذا، كلما أمسكت قلمي لأكتب، تذكرت أن قيمة الكاتب لا تُقاس بعدد ما ينشر، وإنما بمقدار ما يتركه من أثر في قلوب قرائه وعقولهم.
كلما قرأت لغازي القصيبي، شعرت أنني أمام إنسان لا تحدّه وظيفة، ولا يختصره لقب، ولا تحتويه سيرة ذاتية مهما اتسعت صفحاتها. كان يبدو لي وكأنه يسير بخطواته في زمننا، بينما يطل بعقله على زمن آخر؛ يجمع بين واقعية الإنسان الذي يعرف تفاصيل الحياة، وخيال الأديب الذي يرى فيها ما قد يغيب عن الآخرين.
لم يكن هذا الشعور نابعًا من اعتقادي أنه إنسان خارج حدود البشر، بل من دهشتي أمام قدرته على الجمع بين عوالم متعددة، ومن اتساع تجربته، وتنوع اهتماماته، وجرأته في طرح الأسئلة، وحرصه على أن يترك في كل مجال أثرًا يستحق التأمل. وكأن حياته كانت تذكيرًا دائمًا بأن الإنسان أوسع من الصورة التي يرسمها الآخرون له، وأن الطاقات الكامنة فيه قد تتجاوز كثيرًا ما يتوقعه من نفسه.
وهنا تكمن دلالة العنوان الذي اخترته لهذا الفصل: «إنسان من كوكب آخر». إنه وصف مجازي لحالة الدهشة التي انتابتني وأنا أكتشف ذلك التنوع النادر في شخصية غازي القصيبي، وللأثر الذي تركته كتبه في وعيي وتكويني الأدبي. فبعض الشخصيات لا تعبر حياتنا مرورًا عابرًا، بل تترك فينا أسئلة تظل مفتوحة، وأفكارًا تنضج مع مرور الزمن، ورغبة متجددة في أن نكون أفضل مما كنا عليه.
لم تكن كتب غازي القصيبي بالنسبة إليّ صفحات أقرأها ثم أعيدها إلى الرفوف، بل كانت محطات في رحلة طويلة، تعلمت عند كل محطة منها أن الأدب الحقيقي لا يصنع كاتبًا فحسب، بل يسهم في صناعة إنسان أكثر وعيًا، وأكثر رحابة، وأكثر قدرة على فهم نفسه والآخرين.
وهكذا، ظل غازي القصيبي حاضرًا في ذاكرتي، لا بوصفه اسمًا كبيرًا في الأدب السعودي فحسب، بل بوصفه تجربة إنسانية وفكرية ألهمتني أن أبحث عن صوتي الخاص، وأن أكتب بصدق، وأن أؤمن بأن الكلمة، حين تخرج من قلب صادق وعقل متأمل، تستطيع أن تعبر الزمن، وتجد طريقها إلى قلوب الآخرين.
ولعل هذا هو الأثر الأجمل الذي يتركه الكاتب في قارئه؛ أن يغيب صاحب الكتاب، وتبقى روحه حاضرة بين السطور، وأن تنتهي القراءة، بينما تبدأ في داخل القارئ رحلة أخرى لا يعرف إلى أين ستقوده، لكنه يدرك أن شيئًا فيه قد تغيّر إلى الأبد!
ملاحظة :
شذرات من كتاب (يوميات خارج المألوف) جارا اصداره قريبا.








0 تعليق