أوجاع بلا تفسير... هل يروي الجسد قصّتنا؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أوجاع بلا تفسير... هل يروي الجسد قصّتنا؟ - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026 07:36 مساءً

يؤلمك ظهرك. تنام ساعات وتستيقظ متعباً. تتشنج رقبتك من دون سبب واضح، أو تبدأ معدتك بالاحتجاج كلما أصبحت الحياة أثقل قليلاً. تذهب إلى الطبيب، تجري الفحوص، ثم يأتي الجواب الذي يُفترض أن يكون مطمئناً: كل شيء طبيعي.

لكن الألم لم يختفِ. فماذا لو لم يكن السؤال فقط: "أين يؤلمني؟"، بل أيضاً: ماذا يحاول جسدي أن يقول؟ 

هذا السؤال كان في قلب حلقة جديدة من Dr2Dr مع د. رنا حداد، دكتورة في علم النفس العيادي ومعالجة نفسية منذ أكثر من 17 عاماً وأستاذة جامعية، في حوار عن المنطقة التي يصعب أحياناً رسم حدودها: أين ينتهي الجسد وأين تبدأ النفس؟

 

" title="لا تعاني من شيء فلماذا تتألّم؟" frameborder="0"> 

 

من البداية، ترفض حداد الفصل الحاد بين الاثنين. فالإنسان، كما تقول، "شقفة واحدة"، وكل شيء فيه مرتبط بعضه ببعض. لذلك، عندما يظهر الألم، يجب أولاً إجراء الفحوص الطبية واستبعاد الأسباب العضوية. لكن عندما تكون النتائج طبيعية، يمكن البحث في العامل النفسي. وحتى عند وجود مشكلة طبية، قد يزيد الضغط النفسي الألم أو يطيل مدته.

 

وقد يكون الجسد، أحياناً، أكثر بلاغة من صاحبه. هناك من يقول: «أنا خائف»، وهناك من يقول: «أنا غاضب»، وهناك من لا يقول شيئاً، لكن ظهره يؤلمه، وكتفاه تتشنجان، ومعدته تضطرب، أو ينام ساعات طويلة ويستيقظ وكأنه لم ينم.

ChatGPTImageSep23202602_51_31PM_145146.p

إنذار لا يتوقف

تستخدم حداد صورة بسيطة لشرح تأثير الضغوط: جهاز إنذار. عندما يظهر خطر، يعمل الجهاز لحمايتنا. لكن ماذا لو لم يتوقف؟

 

عندما يعيش الإنسان تحت ضغط طويل، يبقى الجسم في حالة تأهب، وكأن الخطر لا يزال موجوداً. يبدأ الاستنزاف، ويصبح التعب رفيقاً يومياً، حتى إن البعض يعتاد عليه ويبدأ باعتباره جزءاً من حياته وهويته.

 

حتى الكورتيزول، الذي نعرفه بـ«هرمون التوتر»، ليس عدواً للجسم، كما توضح حداد، بل يرتفع لحمايته في مواجهة الخطر. المشكلة تبدأ عندما يعيش الإنسان باستمرار وكأن هذا الخطر لم ينتهِ.

 

متعب... لكنه لا ينام"  "لماذا لا تنام؟"، تسأل"ماذا يحدث إذا نمت؟" فخلف الأرق قد يكون هناك خوف أو قلق أو شعور بعدم الأمان، أو صعوبة في التخلي عن السيطرة. فالنوم لا يحتاج إلى جسد متعب فقط، بل إلى دماغ مستعد للراحة أيضاً.

 

وتوضح أن بعض الحالات قد تحتاج إلى الدواء عندما يصبح القلق شديداً ويؤثر في الحياة اليومية، لكن العلاج لا يقتصر على إسكات العارض، بل يتطلب محاولة فهم ما يقف خلفه.

"شايل الدنيا على كتافي"

حتى لغتنا اليومية قد تقول الكثير.

"شايل الدنيا على كتافي".
"ظهري ما بقى يحمل".

 

تتوقف حداد عند الأشخاص الذين يحملون مسؤوليات كثيرة، ولا يستطيعون قول «لا»، ويضعون احتياجات الجميع قبل احتياجاتهم. بعضهم يشعر حتى بالذنب إذا خصّص وقتاً لنفسه أو لعلاجه.

 

وفي مكان ما، يبقى الجسد مشدوداً.

وتستخدم صورة مشابهة عند الحديث عن مشكلات الهضم، فتسأل عمّا قد يكون الإنسان غير قادر على «هضمه» في حياته، مع تأكيد ضرورة عدم إهمال التقييم الطبّي.

 

"وجعك حقيقي"

يصبح النقاش أكثر حساسية عند الحديث عن الفيبروميالجيا.

وتوجّه حداد إلى المصابين بها رسالة واضحة: "معاناتك حقيقية ووجعك حقيقي".

فالعلاج النفسي لا يعني إخبار المريض بأن الألم «في رأسه»، بل مساعدته على فهم علاقته به وكيفية التعامل معه من دون أن يسيطر المرض على حياته وهويته.

ثمة فرق كبير بين أن يقول الإنسان: "أنا شخص عندي هذا المرض" وبين أن يصبح المرض تعريفه الكامل لنفسه.

أما عن العلاقة بين التوتر والسرطان، فترفض حداد اختزالها بمعادلة مباشرة. لا يمكن القول لشخص إنه أصيب بالسرطان لأنه كان متوتراً، ولا تحميله مسؤولية مرضه. فالوضع النفسي قد يكون عاملاً ضمن عوامل متعددة، لكنه ليس تفسيراً وحيداً للمرض.

 

ChatGPTImageSep23202602_53_36PM_145350.p

ربما ليس "كسولاً"

ثم هناك كلمة نستخدمها بسهولة: كسول.

شخص لا يريد الخروج أو ممارسة الرياضة، فقد حماسته للعمل ولا يملك الطاقة لفعل شيء.

لكن حداد تقترح البحث أبعد من ذلك. فالكسل قد يكون مجرد «القشرة» التي نراها. ماذا يوجد خلفها؟ ولماذا فقد الشخص الدافع والرغبة؟

والمشكلة أن الكلمات قد تلتصق بنا. يسمع الإنسان «أنت كسول» مرات كثيرة، ثم يبدأ هو نفسه بالقول: «أنا كسول»، وتتحول الصفة تدريجاً إلى هوية.

الأمر نفسه مع فقدان الشغف. ليس مطلوباً أن يكون الإنسان متحمساً طوال الوقت، لكن عندما يطول غياب الرغبة ويختفي الفرح وتبدأ الحالة بالتأثير في الحياة اليومية، تصبح المساعدة المتخصصة ضرورية.

 

إلى من نذهب؟ Life Coach؟ Psychologist؟ Psychiatrist؟

تقول حداد إن للـLife Coach دوراً في المهارات والتقنيات العملية، لكن عندما نتحدث عن أعراض أو مشكلات نفسية، يأتي دور المعالج النفسي والطبيب النفسي.

المعالج يساعد الشخص على فهم قصته وما يقف خلف الأعراض، فيما يشخّص الطبيب النفسي المرض ويصف الدواء عند الحاجة. أما السوشال ميديا، فتشدد حداد على أنها قد تكون مساحة للتوعية، لكنها ليست عيادة ولا جلسة علاج نفسي.

في النهاية، ربما لا يكون السؤال: "هل أنا متعب نفسياً أم جسدياً؟".

فالنفس والجسد، كما تقول حداد، ليسا عالمين منفصلين. وهذا لا يعني أن كل ألم سببه نفسي، كما لا يعني أن الألم الذي يتداخل معه العامل النفسي أقلّ حقيقة.

وربما تكون البداية بالتوقف عن قول: شد حالك... كلها براسك.

لأن ما لا يجد طريقه دائماً إلى الكلمات، قد يجد طريقاً آخر ليُسمع.

Dr2Dr مساحة حوارية صحية تستضيف أطباء ومتخصصين لمناقشة القضايا التي تمسّ صحّة الناس وحياتهم اليومية، وتقديم المعلومة بلغة مبسطة وقريبة، انطلاقاً من خبرة أصحاب الاختصاص.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق