نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مهرجان جاز الرباط: ثلاثة عقود من الموسيقى والتاريخ في ذاكرة العاصمة المغربية - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026 01:37 مساءً
سارة الرايس
بدأت حكاية مهرجان الجاز في الرباط عام 1996 بين أسوار قصبة الأوداية، حين اجتمع موسيقيون من أوروبا والمغرب على مسرح واحد، ليجعلوا من الموسيقى لغةً للحوار. وعلى مدى ثلاثة عقود، انتقلت مسيرة المهرجان بين ثلاثة أمكنة، ليصبح جزءاً من ذاكرة الرباط، عاصمة المغرب.
هذه هي حكاية مهرجان الجاز في الرباط، من الأوداية إلى شالة، وصولاً إلى فضاء جديد.
البداية: من قصبة الأوداية
في مكان يعود تاريخه إلى قرون، بدأ في 1996 حدث قائم على الجاز واللقاء بين الثقافات، وسيصبح لاحقاً، مع مرور السنوات، أحد مواعيد الجاز البارزة في الرباط.
من قلب قصبة الأوداية، أحد أبرز المعالم التاريخية في الرباط، وُلد «Jazz aux Oudayas» (الجاز بالأوداية)، ليجمع بين موسيقيي الجاز الأوروبيين والمغاربة، في تجربة أرادت أن تجعل من الموسيقى مساحة للحوار بين الثقافات. جاء إطلاق المهرجان عام 1996 بمبادرة من وفد المفوضية الأوروبية بالمغرب، بشراكة مع وزارة الثقافة وولاية الرباط. ، أما جذور فكرته فتعود إلى إعلان برشلونة (1995) الذي أراد أن يكون للتعاون بين ضفتي المتوسط بعد اجتماعي وثقافي، يقوم على تبادل ثقافي عبر الأنشطة الفنية. وكان سفير الوفد آنذاك، وهو صديق للموسيقي مجيد بقاس (واحد من أشهر معلمي موسيقى كناوة في المغرب والعالم وروّاد المزج بين كناوة والجاز منذ ثمانينيات القرن الماضي) يرغب في أن يعكس الجاز شكلاً من الحوار بين المغرب وفرنسا.
ولّى بقاس الجانب الفني منذ بداياته. وكانت الانطلاقة من قاعة في متحف الأوداية، داخل القصبة القريبة من المدينة العتيقة، قبل أن يتوسع المهرجان تدريجياً مع نمو جمهوره إلى باحة المتحف، ثم إلى ساحة الأوداية، وظل هناك حتى عام 2005.
مجيد بقاس، موسيقي والمدير الفني للمهرجان منذ بداياته
ولم تكن الأوداية مجرد موقع لاستضافة الحفلات. فالقصبة، التي تشكل إحدى النوى التاريخية للرباط، تحمل طبقات متعاقبة من تاريخ المدينة، من الحقبة الموحدية إلى استقرار المهاجرين الأندلسيين فيها خلال القرن السابع عشر. وفي القرن التاسع عشر نُقلت قبيلة الأوداية من فاس واستقر جزء منها في القصبة، وهي قبيلة عربية من قبائل الكيش (الجيش)، فارتبط اسمها بالمكان وصار يُعرف بقصبة الأوداية.
وهي اليوم قصبة محصنة تطل على مصب أبي رقراق والمحيط الأطلسي، وفي الوقت نفسه حي سكني تحتفظ بيوته بطابعها العربي الأندلسي بألوانها البيضاء والزرقاء وأزقتها الضيقة، وأحد أشهر المواقع السياحية في الرباط. ولا تحمل القصبة تصنيفاً مستقلاً لدى اليونسكو، بل تدخل ضمن ملف "الرباط، عاصمة حديثة ومدينة تاريخية: تراث مشترك" المدرج على لائحة التراث العالمي عام 2012، وهو الملف الذي يضم أيضاً موقع شالة الأثري.
قصبة الأوداية بالعاصمة الرباط
شالة: الموسيقى في رحاب التاريخ
في 2005، في دورته العاشرة، انتقل المهرجان إلى موقع شالة التاريخي، في دورة من الطراز الرفيع، شهدت نقلة نوعية في تنظيم هذا الحدث الذي يحتفي بالحوار والتمازج الثقافي بين ضفتي المتوسط.
من إحدى نسخ الجاز في شالة
تقع شالة في الرباط، على الضفة اليسرى لنهر أبي رقراق، وتختصر طبقات متعاقبة من تاريخ المنطقة، فقد احتضن الموقع مدينة رومانية قديمة، التي كانت تُعرف في الأصل باسم "سالا كولونيا"، والتي تَحَوّل جزء منها إلى مقبرة ملكية في العصر المريني. كلها مراحل لا تزال آثارها حاضرة إلى اليوم.
سور شالة
لم يكن الانتقال إلى شالة مخططاً له؛ لكن الحاجة إلى فضاء أوسع كانت قائمة، فمتحف الأوداية كان يتسع لنحو 400 شخص، بينما أتاحت شالة استقبال نحو 1600. وبعد نجاح التجربة، استقر المهرجان في الموقع التاريخي لسنوات.
" title="YouTube video" class="c17" frameborder="0">
ومع اتساع المكان، اتسع جمهور المهرجان بدوره. ففي بدايات "الجاز بالأوداية" عام 1996، كان نحو 80% من الحضور من أفراد السلك الدبلوماسي، بحسب المدير الفني مجيد بقاس. ومع انتقال المهرجان إلى شالة، بدأ يستقطب جمهوراً من العاصمة الرباط ومدن مغربية أخرى، ينتقل خصيصاً لحضور حفلات الجاز بشالة.

ولم يتغير الجمهور فحسب، بل تطورت أيضاً اللقاءات بين موسيقيي الجاز الأوروبيين والفنانين المغاربة، لتثمر مشاريع موسيقية مشتركة وجولات وألبومات، وأصبحت التحضيرات لهذه اللقاءات أكثر عمقاً، من خلال تبادل النوتات والتسجيلات وإجراء البروفات قبل الصعود إلى المسرح.
" title="YouTube video" class="c17" frameborder="0">
في شالة، لم تعد الموسيقى تُقدَّم أمام التاريخ فحسب، بل أصبحت جزءاً من تجربة المكان نفسه؛ حيث التقت أصوات الجاز بآثار مدينة تعاقبت عليها حضارات وثقافات مختلفة، وتحولت شالة تدريجياً من مجرد موقع لاستضافة المهرجان إلى جزء من هويته وذاكرته.

2025: اسم جديد ومكان جديد
بعد نحو عقدين من ارتباطه بشالة، دخل المهرجان في مرحلة جديدة، مع دورته السابعة والعشرين، التي غادر فيها موقع شالة ليستقر في مسرح منتزه الحسن الثاني وسط العاصمة، بالتزامن مع تغيير اسمه من «Jazz au Chellah» إلى «Jazz à Rabat». وجاء الانتقال بعدما أصبحت طاقة استيعاب شالة غير كافية أمام تنامي الإقبال على المهرجان.
جاز بالرباط 2025
افتُتح منتزه الحسن الثاني الذي يقع قبالة موقع شالة التاريخي، في الرباط عام 2018، كفضاء حديث يجمع بين المساحات الخضراء والمرافق الرياضية والثقافية، من بينها مدرج في الهواء الطلق يتسع لنحو 1000 شخص.
ولم يمرّ الابتعاد عن شالة من دون ردود فعل من جمهور الرباط؛ فقد عكست تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، عقب الإعلان عن تغيير المكان، حسرة بعض المتابعين على مغادرة موقع شالة الذي ارتبط في ذاكرتهم بالمهرجان على مدى سنوات. وفي المقابل، قدّم المنظمون الخطوة باعتبارها إعادة ابتكار للمهرجان، مع الحفاظ على روحه القائمة على الحوار الموسيقي بين المغرب وأوروبا.
مسرح منتزه الحسن الثاني
وعلى مستوى البرنامج، حملت دورة 2025 بدورها ملامح هذا التغيير، فإلى جانب الحفلات التي قامت على لقاءات جديدة بين موسيقيين مغاربة وأوروبيين، امتد المهرجان إلى فضاءات المدينة من خلال عروض موسيقية في الشارع، كما أضيفت ورشات تفاعلية مفتوحة للجمهور. أما اللقاءات الموسيقية، فجاءت ثمرة إقامات فنية جمعت الموسيقيين من الجانبين، وقدمت توليفات جديدة تجمع الجاز بألوان موسيقية مغربية ومتوسطية.
هكذا، لم يكن 2025 مجرد تغيير في العنوان والموقع، بل محطة أعاد فيها المهرجان تعريف نفسه كـ«Jazz à Rabat»، من دون التخلي عن جوهره القائم على اللقاء والتجريب والحوار بين الموسيقى المغربية والأوروبية.
" title="YouTube video" class="c17" frameborder="0">
2026: المهرجان يواصل التجريب
في دورته الـ28، التي تقام من 24 إلى 26 سبتمبر 2026 في مسرح منتزه الحسن الثاني، يواصل «Jazz à Rabat» البناء على فكرته الأساسية: جعل الموسيقى مساحة للقاء بين الفنانين الأوروبيين والمغاربة.
تجمع هذه الدورة 6 فرق أوروبية و6 فنانين مغاربة، في لقاءات موسيقية صُممت خصيصاً للمهرجان، وتمزج بين الجاز والفادو والفلامنكو والموسيقى البلقانية والفانك والهيب هوب، إلى جانب ألوان من التراث الموسيقي المغربي.
ولا تقتصر الدورة على تقديم عروض منفصلة، إذ تتبع الحفلات لقاءات موسيقية تجمع الفنانين من الجانبين في مشاريع جديدة، تترك مساحة للارتجال والتفاعل على المسرح. ومن بين هذه اللقاءات، تعاون فرقة Amara Quartet البرتغالية مع عازف الإيقاع المغربي خالد كوهن، وAntonio Lizana Quintet الإسبانية مع Abir El Abed Sextet، إلى جانب مشاريع أخرى تجمع موسيقيين من المغرب وأوروبا.
ويمتد البرنامج أيضاً خارج خشبة الحفلات، من خلال ماستر كلاس حول الجاز والارتجال، وأخرى حول العلاقة بين الجاز والموسيقى المغربية، بما يضيف إلى المهرجان جانباً من التعلّم وتبادل الخبرات إلى جانب العرض الموسيقي.
بعد نحو ثلاثة عقود من انطلاقه، يبدو أن المهرجان يواصل تطوير الصيغة التي تأسس عليها: لقاء موسيقي لا يكتفي بعرض أنماط مختلفة، بل يضع الفنانين في مساحة مشتركة لخلق شيء جديد.










0 تعليق