نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"هانو"، علامة عمرها أكثر من قرن تبحث عن زبون جديد "صور" - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026 07:36 مساءً
من «كان فيه كل شيء» إلى فرع يشتكي العاملون فيه من غياب الزبائن والبضائع.. أرباح الشركة المالكة تهبط بنحو 74% في أربع سنوات.. والدولة تعلن خطة لإحياء العلامة التاريخية
في قلب المنشية بالإسكندرية، يقف مبنى «هانو» وسط مدينة تغيرت ملامحها التجارية أكثر من مرة.
الاسم ما زال موجودًا، والمبنى ما زال قائمًا، وبعض اللافتات القديمة لم تختفِ. لكن المكان الذي ارتبط في ذاكرة الإسكندريين بفكرة المتجر الكبير الذي «كان فيه كل شيء» لم يعد يستقبل الزبائن بالصورة التي تتذكرها أجيال عملت واشترت منه.
داخل المبنى، تكشف التفاصيل الصغيرة أكثر مما تكشفه الواجهة: أسماء أقسام قديمة، مساحات أقل حركة، وموظفون يحملون ذاكرة تمتد لعقود.
هنا لا تحكي قصة هانو فقط بل تظهر قصة أوسع عن مصير العلامات التجارية التاريخية التي بقيت تحت ملكية الدولة، بينما تغير السوق وتغير المستهلك وتغيرت معه قواعد المنافسة.





«شافت عصور الزهوة» 35 عامًا داخل هانو
«سعاد» اسم مستعار تبلغ 59 عامًا، وأمضت 35 عامًا من عمرها في هانو، ولم يتبقَ لها سوى ستة أشهر على المعاش.
هي واحدة من الأشخاص القلائل الذين يستطيعون رواية التحول من الداخل، لا من الصور القديمة.
تقول:
«59 سنة، و35 سنة شغل فى هانو، وفاضل لها 6 شهور على المعاش. قضت حياتها كلها هناك، بتحب المكان، وشافت عصور الزهوة، والزبائن الأثرياء، وكان المكان بيجهز مكاتب الوزارات وبيوت السفراء، والباشوات كانوا بيشتروا منه، وكان فيه نجف وكريستال بملايين، وتحف وفضيات مش موجودة فى حتة تانية، وهانو كان أشهر مول/مكان للتسوق.»
«كان فيه كل شيء»
ذاكرة الزبائن لا تختلف كثيرًا عن ذاكرة العاملين. إحدى السيدات، بعد أن شاهدت صور هانو الحالية، قالت:
«المكان جميل فى الصور وفكرنى بزمان لما المكان دا كان من اهم الماركات الموجودة وكان فيه كل شئ»
العبارة تبدو بسيطة، لكنها تلخص قيمة هانو في ذاكرة جيل كامل: لم يكن مجرد متجر متخصص، وإنما وجهة للتسوق ارتبطت بتنوع السلع واتساع الأقسام.




من متجر إلى علامة
تعود جذور اسم هانو إلى تجارة التجزئة في أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن يصبح أحد أسماء المتاجر الكبرى التي عرفتها القاهرة والإسكندرية.
لكن الأهم في قصة هانو ليس تاريخ البداية وحده، وإنما التحول الذي حدث له مع الزمن.
فالمتجر الذي كان يعتمد على اتساع الأقسام وتنوع البضائع لم يعد يعمل اليوم في السوق نفسها.
اختفت أو تغيرت مواقع كثيرة ارتبطت بالعلامة في الإسكندرية، بينما بقي فرع المنشية هو الذاكرة الأوضح لوجودها في المدينة.
وهنا تصبح صورة هانو القديمة مهمة ليس لأنها «جميلة»، وإنما لأنها تكشف حجم المسافة بين نموذج تجارة الأمس ونموذج تجارة اليوم.
من شبكة في المدينة إلى مبنى واحد
في 1945، لم يكن الزبون مضطرًا إلى الذهاب إلى وسط الإسكندرية للحصول على خدمات هانو فهمناك فروع اخرى في سبورتنج وكامب سيزار، إلى جانب المتجر الرئيسي في المنشية.
اليوم، لا نرى هذه الشبكة بالصورة نفسها.
وهذا التغير مهم لأن اختفاء فروع أو منافذ البيع لا يعني فقط اختفاء عناوين، وإنما يعني تغير خريطة التسوق نفسها.
الإسكندرية التي كانت تعرف المتاجر الكبرى باعتبارها جزءًا من الحياة اليومية، أصبحت تعمل وفق خريطة تجارية مختلفة تمامًا: مراكز تجارية، علامات دولية ومحلية، متاجر متخصصة، ومنصات بيع إلكترونية.
وسط هذه المنافسة، يصبح السؤال: ماذا يستطيع اسم تاريخي مثل هانو أن يقدم للزبون الحالي؟






هانو لم يبدأ مع شركة بيوت الأزياء الراقية
واحدة من أكثر النقاط التي تحتاج إلى تصحيح في تناول تاريخ هانو هي الخلط بين العلامة القديمة وشركة بيوت الأزياء الراقية. هانو أقدم من الشركة بعقود.
أما شركة بيوت الأزياء الراقية فتأسست بقرار جمهوري رقم 1198 لسنة 1968، وتعمل حاليًا كشركة مساهمة مصرية تابعة للشركة القابضة للسياحة والفنادق وفق قانون شركات قطاع الأعمال العام. وتضم محفظتها عددًا من العلامات التاريخية، بينها هانو وشيكوريل وبونتريمولي وبنزايون وغيرها. كما اندمجت شركة «بنزايون» في بيوت الأزياء الراقية اعتبارًا من 13 مايو 2018.
وتعلن الشركة حاليًا امتلاكها 121 فرعًا و16 مخزنًا على مستوى الجمهورية، إلى جانب 1373 عاملًا وفق بيانات 30 يونيو 2024.
الأرقام.. ما وراء انطباع «مفيش زباين»
البيانات المالية للشركة خلال السنوات الأربع محل الدراسة تقدم صورة أكثر اتساعًا.
بلغت إيرادات النشاط الجاري 285.574 مليون جنيه في 2020/2021، ثم تراجعت إلى 265.972 مليون جنيه في 2023/2024، بانخفاض يقارب 6.9%.
لكن التراجع الأكبر ظهر في صافي الأرباح.
فقد انخفض صافي الربح من 32.715 مليون جنيه في 2020/2021 إلى 8.515 مليون جنيه في 2023/2024، أي انخفاض يقارب 74%.
وفي الفترة نفسها، انخفض عدد العاملين من 1721 إلى 1373 عاملًا، بتراجع يتجاوز 20%.
وفي المقابل، ارتفعت الأجور من 85.485 مليون جنيه إلى 103.733 مليون جنيه.
الأرقام تخص الشركة ككل، وليس هانو وحده
«دى أسوأ فترة عدت علينا»
داخل الفرع، تقول «ليلى» اسم مستعار لاحدى العاملات بالفرع
«مبقاش فى ولا زباين ولا بضاعة متوقف على الادارة بيغيروا الادارة كل فترة دى اسوء فترة عدت علينا بقالنا 3 سنين»
فالمشكلة، كما تصفها، ليست فقط في عدد الزبائن، وإنما في البضاعة وطريقة الإدارة واستمرارية الاهتمام بالمكان.
وتقول «نهى» اسم مستعار لعامله اخرى «نفسنا المكان يرجعوا يهتموا بيه تاني»
هذه الجملة تختصر مطلب العاملين في أبسط صورة ليس إغلاق المكان أو التخلص منه، وإنما عودته إلى الحياة.






«فضيات».. حين تصبح اللافتة وثيقة
في داخل هانو، توجد تفاصيل صغيرة يمكن أن تبدو عادية للزائر، لكنها تصبح ذات قيمة تاريخية بمجرد وضعها في سياقها.
من بينها لافتات قديمة تشير إلى أقسام مثل: «فضيات» و«بيضات» و«احذية نسائية»
هذه الكلمات لا تقدم تاريخًا كاملًا للمحل، لكنها تكشف شكل المتجر من الداخل وطبيعة الأقسام التي كانت موجودة فيه.
وفي متجر عمره عقود، تتحول اللافتة من مجرد وسيلة إرشاد إلى وثيقة.
الدولة تتحدث عن «إحياء هانو».. لكن كيف؟
المفارقة أن الدولة لا تتعامل مع هانو باعتباره صفحة انتهت ففي اجتماع لقيادات الشركة القابضة للسياحة والفنادق، نوقشت خطط تطوير فروع التجارة الداخلية وإحياء العلامات التجارية التاريخية، وذُكر «هانو–بنزايون» بالاسم ضمن هذه العلامات.
كما تعرض شركة بيوت الأزياء الراقية نماذج فعلية لتطوير علامات تاريخية أخرى فمعرض بونتريمولي في شارع طلعت حرب أعيد افتتاحه بعد تطوير شامل في ديسمبر 2024، مع تطوير الواجهة والمساحات الداخلية ونظم العرض والبيع، ثم أعلنت الشركة تجهيز فرع جديد له في الإسكندرية
القضية ليست «ترميم مبنى»
إنقاذ هانو لا يمكن اختزاله في طلاء الواجهة أو تجديد الإضاءة. لأن المشكلة، كما تكشفها المادة، ليست في المبنى وحده. المبنى موجود. والاسم موجود. والتاريخ موجود.
لكن النموذج التجاري الذي صنع شهرة الاسم هو الذي تغير.
وإذا كانت الدولة تريد بالفعل إحياء العلامة، فإن التجربة تطرح أسئلة عملية:
ما البضاعة التي سيقدمها هانو للزبون الحالي؟
من هو هذا الزبون؟
كيف سيواجه المتاجر الحديثة والمنصات الإلكترونية؟
هل سيُستثمر تاريخه كميزة تنافسية أم سيُكتفى بالحفاظ على الاسم؟
وهل يمكن تطوير المكان من دون محو التفاصيل التي تجعل منه «هانو» أصلًا؟
هذه ليست أسئلة تجميلية.
لأن العلامة التجارية التي تعيش من تاريخها فقط تتحول مع الوقت إلى لافتة.
أما العلامة التي تنجح في تحويل تاريخها إلى تجربة حية، فيمكن أن تبدأ دورة جديدة.


















0 تعليق