نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ترامب وشي وثوقيديدس: تجنُّب الفخ وإن إلى حين - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026 07:37 مساءً
حسن منيمنة - واشنطن
فخ ثوقيديدس هو مفهوم معتمد في العلوم السياسية في الولايات المتحدة ينطلق من ملاحظة للمؤرخ اليوناني القديم ثوقيديدس والذي كان قد أشار إلى حتمية الحرب بين أثينا وإسبارطا في زمانه، لكون الأولى قوة صاعدة يكتنفها الغرور ولكون الأخيرة القوة المهيمنة التي تعتريها الخشية على موقعها.
والفخ هنا هو ذو أوجه نفسية مرتبطة بسلوك القادة قبل أن يكون مواجهة موضوعية قائمة على المصالح. وفي العام ٢٠١٢ أحصى الباحث السياسي غراهام أليسون ست عشرة حالة من المواجهات التاريخية بين قوى صاعدة وأخرى مهيمنة ليبين أن معظم هذه الحالات انتهت بالحروب. من أعاد التذكير بهذا المفهوم أخيراً هو الرئيس الصيني شي جين بينغ نفسه، والذي أشار خلال الزيارة التي أجراها دونالد ترامب للصين في أيار/مايو الماضي إلى رغبته بألا يقع البلدان بهذا الفخ.
واقع الأمر أنه في الحالة الأميركية الصينية ثمة كابح بالفعل لانحدار المنافسة بين الدولتين إلى حالة الحرب الفورية، على غرار ما حدث مثلاً من المواجهات بين بريطانيا وفرنسا في مطلع القرن التاسع عشر، أو بين بريطانيا وألمانيا في الحرب العالمية الأولى. وهذا الكابح هو الترابط والتكامل بين الدولتين بشكل كان غائباً في الحالات السابقة، فالولايات المتحدة تشكل البنية التأطيرية للاقتصاد العالمي انطلاقاً من نظامها الرأسمالي المالي، فيما الصين تقدم المادة الإنتاجية لهذا الاقتصاد بناءً على نظامها الرأسمالي الصناعي. هذا التزاوج هو ما دفع الشركات الأميركية إلى نقل الجوانب التصنيعية من مصالحها إلى الصين، وهو ما جعل الجزء الكبير من الثروة الصينية قائماً على الأصول الأميركية.
حقيقة صعبة
على أن القلق بدأ يتسرب إلى الوسط السياسي الأميركي منذ فترة غير وجيزة حول الصعود الظاهر للصين، لجهة أن يُصرف قوة عسكرية ونفوذاً سياسياً، وإن بدا علناً على أنه وحسب امتداد اقتصادي عبر مبادرة الطريق والحزام وغيرها من المشاريع البنيوية الصينية في أرجاء العالم . فالقراءة الأميركية كانت أن الصين سائرة بالفعل إلى التكافؤ الاقتصادي مع الولايات المتحدة، وعلى واشنطن بالتالي أن تعمل على التقييد والتطويق بما يضمن أن الصعود الصيني يبقى صعوداً هادئاً ولا يؤسس لنفوذ يتحدى القوة والهيبة والمصالح الأميركية.
ترامب يطلع شي على الأرشيف الأميركي الوطني. (أ ف ب)
الحقيقة الصعبة التي استفاقت عليها الولايات المتحدة في العقد الماضي هي أن الصين لم تكتفِ بالتفويض الضمني الأميركي لأن تكون المصنع، بل عمدت إلى تطوير قدراتها لتصبح مركز التصميم والأبحاث والتطوير بما نقل دفة رسم معالم التقنيات المستقبلية في مختلف المجالات من الولايات المتحدة إلى الصين نفسها. بل الصين اليوم متفوقة في معظم هذه المجالات، وإن لم يكن إلى الآن في أهمها وأخطرها، أي الذكاء الاصطناعي. ولكن حتى هنا، فإن التفوق الأميركي المستمر أمسى هامشياً ببضع نقاط مئوية، فيما الإنفاق للمحافظة على هذا التفوق هو عشرات الأضعاف لما تنفقه الصين، هل المسألة بالتالي مسألة وقت وحسب؟
بدائل تبحث عنها بكين تقلق واشنطن
ما ضاعف القلق الأميركي هو جنوح صيني وإن متقطع إلى إيجاد البدائل عن النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، وإن كان بحد ذاته عائداً إلى خشية صينية مبنية على متابعة المطالبات السياسية في الولايات المتحدة من أن واشنطن تسعى من خلال هذا النظام، بأدواته من الرسوم والعقوبات والقيود، إلى إضعاف الاقتصاد وضرب الصعود الصيني بل حتى تفتيت الصين.
دونالد ترامب ليس من ابتكر فكرة استعمال هذه الأدوات بوجه الصين ولا هو من لاحظ أن التزاوج المالي الصناعي بين الولايات المتحدة والصين، في ظل الصعود المرتقب للصين، لا ينبئ بالخير لوهم أن أميركا هي الأقوى والأعظم أبداً ودائماً، ولكنه بالتأكيد وظّف هذه الأفكار في خطابه الشعبوي التسطيحي وفي مغامراته الاستعراضية التعسفية. الصين تحملت هذا التوجه، ولكنها سارت باتجاه مضاعفة مساعيها لفك الارتباط مع النظام العالمي المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، في توالٍ دائري قد يؤدي بالفعل إلى تباعد بين الدولتين يتجاوز الخطابيات، بل ربما يدفع بهما إلى الوقوع في فخ ثوقيديدس.
الحفاوة المتبادلة بين الرئيسين الصيني والأميركي ليست ذات أهمية بحد ذاتها، سوى أنها إن وُظّفت للتأسيس لعلاقة أكثر ودية من شأنها أن تساهم وإن عرضياً في الحد من التأزم البنيوي الذي يطال علاقة التداخل بين الطرفين، والذي يسير بهذه العلاقة إلى التآكل. فاندثار هذا الترابط يضع الدولتين والعالم معهما أمام إمكانية حقيقية للوقوع في فخ ثوقيديدس وشهود حرب مدمرة تكون المآسي في أوكرانيا وغزة وإيران مجرد إرهاصات لها.
ليس أن الإطراء الذي يمعن فيه الجانبان هو السبيل إلى الخروج من المأزق، ولكنه ربما يقدم المهلة التي يحتاجها النظامان السياسيان في واشنطن وبكين لاستشفاف سبل تجنب الكارثة. الحالات السابقة التي تجاوز فيها العالم فخ الحرب غالباً ما ارتبطت بإذعان أحد الطرفين لغلبة الآخر. الولايات المتحدة والصين ليستا اليوم بهذا الوارد، فالمتوفر اليوم هو تأجيل الصدام، ولو إلى حين، ولو بالإطراء والثناء، بما يطيب لدونالد ترامب وبما قد يبرع به.
- كاتب ومحلل سياسي













0 تعليق