نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
السّودان بين سرديّة الحرب وانهيار الدّولة - تواصل نيوز, اليوم السبت 29 نوفمبر 2025 07:54 صباحاً
وبينما تسعى القيادة العسكرية إلى تسويق روايتها في الخارج بوصف الحرب معركةً لـ”استعادة الدولة”، تتكشّف في الداخل سردية أخرى يرى السودانيون فصولها يومياً: بلد يتشظّى، ومدن تُدمَّر، ونظام سياسي يبتعد أكثر فأكثر عن أي أفق للاستقرار.
تقول السلطة في بورتسودان إن الحرب كانت خطوة ضرورية لمنع تفكك الدولة وصدّ تهديد مسلّح يسعى إلى السيطرة على العاصمة. ويُقدَّم الجيش، في هذه الرواية، بوصفه حامي وحدة البلاد، والقوة التي تعمل لإعادة السودان إلى مسار الانتقال السياسي بعد سنوات من الاضطراب كان الجيش فاعلاً رئيسياً فيها. ويستند هذا الخطاب إلى رسائل سياسية موجّهة للخارج، تتضمن وعوداً بإحياء العملية السياسية والانفتاح على المجتمع الدولي.
لكن هذه الرواية، برغم بريقها الديبلوماسي، تُهمِل كثيراً من تعقيدات المشهد السوداني، وتتجاهل حجم الخراب الإنساني والمؤسسي الذي تخلّفه الحرب يوماً بعد يوم.
ما يجري في السودان حالياً لا يشي بعملية لاستعادة الدولة، بل بانهيار متسارع لوظائفها الأساسية. فقد امتدت المعارك إلى مناطق واسعة، وتحوّلت مدن بأكملها إلى ساحات قتال مفتوحة. ووفق تقديرات الأمم المتحدة، يعيش السودان إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث، مع استمرار تدمير البنى التحتية ونزوح ملايين المدنيين.
وتُظهر الوقائع أيضاً أن الدولة لم تعد اللاعب الوحيد في إدارة العنف. فقد نشأت خلال الحرب تحالفات تضم مجموعات عقائدية وميليشيات محلية وبقايا تيارات سياسية لم يكن لها وجود فاعل قبل الصراع. وهذه التشكيلات لا يجمعها مشروع وطني واضح، ما يجعل استمرار القتال شرطاً لبقاء هذا البناء الهش، ويجعل انتهاء الحرب تهديداً مباشراً لتماسكه.
يتّهم الجيش خصمه بالدعم الخارجي. وفي الوقت ذاته، يتلقى هو نفسه دعماً مماثلاً، ويسعى حثيثاً إلى الحصول على دعم سياسي ومالي من دول أخرى تُتَّهم بتأجيج الحرب. هذا التناقض يعكس غياب رؤية واضحة لإدارة العلاقات الخارجية، ويفتح الباب أمام تحوّل البلاد إلى ساحة نفوذ لقوى إقليمية ودولية، بدل أن تكون فاعلاً قادراً على صياغة مساره السياسي بقرار وطني مستقل.
منذ سقوط نظام عمر البشير في عام 2019، كان السودانيون يأملون تأسيس مسار ديموقراطي متدرّج يضع البلاد على سكة جديدة. إلا أنّ تجربة الشراكة المدنية–العسكرية لم تصمد طويلاً، ليأتي انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021 بواسطة الأطراف المتحاربة الآن - الجيش وحلفاؤه الإسلاميون من جهة، وقوات الدعم السريع من الجهة الأخرى - ويفتح الباب أمام مسار انحداري انتهى بالحرب الحالية.
فالحرب الحالية ليست حدثاً فجائياً معزولاً بدأ بتمرّد ميليشيا ضد جيش نظامي، كما تحاول السلطة العسكرية الترويج لهذه السردية، بل هي امتداد لأزمة بنيوية عميقة في طبيعة الحكم وفي بنية المؤسسة العسكرية نفسها، وفي تداخلها مع مراكز نفوذ سياسية وأيديولوجية عملت لسنوات على إجهاض أي انتقال ديموقراطي حقيقي.
وبرغم تعقيد المشهد، تظلّ القوى المدنية الديموقراطية التي دفعت ثمناً باهظاً منذ اندلاع الثورة، هي الطرف الأكثر وضوحاً في رؤيتها السياسية والمعبّر عن تطلعات غالبية السودانيين. فهذه القوى، على اختلاف تياراتها، تطرح مشروعاً يقوم على إعادة بناء دولة المؤسسات، وتفكيك نفوذ الميليشيات، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والالتزام بانتقال مدني ديموقراطي لا تتحكم فيه مراكز القوة القديمة أو الجماعات المسلحة ذات الارتباطات الأيديولوجية.
إن انحياز الرأي العام السوداني، بما في ذلك قطاعات واسعة من النساء والشباب والمهنيين، يظل واضحاً: لا مستقبل للسودان من دون مركز مدني ديموقراطي يقود عملية السلام، ويعيد تعريف دور الجيش، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد.
لم يعد السؤال المطروح الآن: أي سردية تنتصر؟ بل: كيف يمكن وقف الانهيار قبل أن يصبح السودان دولة عاجزة بالكامل؟ ويمكن تلخيص الطريق بثلاثة مسارات رئيسية:
أولاً: القبول بمبادرة الرباعية (الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، ومصر)، ووقف إطلاق نار شامل وفوري كهدنة إنسانية تتيح معالجة الكارثة الإنسانية وتعيد فتح الطرق أمام المساعدات.
ثانياً: إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية بتشكيل جيش وطني موحّد يضمن احتكار الدولة للسلاح ويمنع تداخل الأجندات السياسية والعقائدية داخله.
ثالثاً: إطلاق عملية سياسية وطنية تقودها القوى المدنية الديموقراطية، تستثني القوى الإسلامية المسلحة التي أشعلت الحرب وواجهاتها، مع ضمان إشراك قوى مجتمعية واسعة في رسم مستقبل السودان وتحمي الدولة من التفكك.
بين خطاب السلطة وواقع الميدان، تبرز حقيقة جليّة: الحرب لا تبني دولة. والسودان، بتنوّعه الواسع وتركيبته الهشّة، يحتاج إلى مشروع سياسي جديد تقوده قوى مدنية ديموقراطية قادرة على تجاوز منطق السلاح. فالدولة التي تبحث عن شرعيتها في الخارج لن تجدها إلا في الداخل، حين يتوقف القتال وتُفتح الطريق أمام عملية سياسية تعيد للبلاد مكانتها واستقرارها.










0 تعليق