نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نور في زمن الظلام: لبنان ينتظر قداسة البابا لاوون الرابع عشر - تواصل نيوز, اليوم السبت 29 نوفمبر 2025 11:47 صباحاً
فاروق غانم خداج – كاتب وباحث لبناني في الأدب والفكر الإنساني
في الثلاثين من تشرين الثاني 2025، يصل البابا لاوون الرابع عشر إلى بيروت في زيارة رسولية رسمية أعلنتها الفاتيكان، لتكون أولى رحلاته الخارجية بعد انتخابه في أيار من العام نفسه. هذه الزيارة ليست حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة تاريخية تحمل رمزية عميقة، إذ يجد اللبنانيون في حضور رأس الكنيسة الكاثوليكية شعاع ضوء ثابت، يتسلّل إلى وطن منهك من سنوات من الأزمات المتراكمة.
لبنان اليوم ليس كما كان؛ فهو يرزح تحت وطأة انهيار اقتصادي، مؤسسات متداعية، مدارس شبه مغلقة ومستشفيات تكافح من أجل البقاء. وفي هذا المناخ المظلم، يشكل وصول البابا لحظة فريدة، لحظة يرى فيها اللبنانيون فرصة لاستعادة معنى الرجاء. لا يأتي البابا كضيف فحسب، بل كشاهد على الجراح المفتوحة، وعلى شعب نجح في الصمود رغم صعوبة الظروف.
الرمزية هنا واضحة: البابا الذي اختار أن تكون رحلته الأولى نحو الشرق، يرسل رسالة للعالم مفادها أنّ لبنان لم يُنسَ، وأن ما يحدث في قلبه يستحق الاهتمام. هذه الفكرة ليست مجرد خطاب دبلوماسي، بل حقيقة متجذرة في تاريخ لبنان الذي حمل هوية ثقافية وروحية تجاوزت حدوده، وكان دائمًا مساحة للالتقاء والتلاقي بين الطوائف والخلفيات المختلفة.
اللبنانيون بدورهم يستقبلون الزيارة بمزيج من الفرحة والحذر. هناك معلم يقف فوق طاولته المتهالكة في مدرسة شبه منهارة، يسمع أن البابا قادم، فيبتسم رغم شعوره بأن راتبه لم يعد يكفيه قوت يومه. وهناك طبيب يغلق عيادته لأنه لم يعد يستطيع العمل بلا كهرباء أو معدات، ويقرأ خبر الزيارة كأنّ أحدًا أعاد إليه شعورًا قديمًا بأن لبنان يستحق الحياة. وهناك عائلة تتشارك ما تبقى من مواردها، لتمنح أطفالها شعورًا بالكرامة، فتتعلق بأي خبر يحمل كلمة "نور". هذه الصور اليومية تشكل "النص الخفي" للزيارة، فهي لم تقتصر على البروتوكول بل تتعلق بالإنسان قبل كل شيء.
الزيارة تشمل محطات رسمية وموثوقة، أبرزها:
استقبال رسمي في مطار بيروت، يلتقي فيه كبار المسؤولين اللبنانيين وممثلي المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي.
زيارة والصلاة عند ضريح القديس شربل مخلوف في دير عنّايا.
لقاء مع الأساقفة والكهنة والرهبان في مزار سيدة لبنان – حريصا.
لقاء مسكوني/بين‑أدياني في ساحة الشهداء في بيروت.
لقاء مع الشباب في مقر البطريركية المارونية في بكركي.
قداس عام في واجهة بيروت البحرية (Beirut Waterfront).
زيارة رمزية لمستشفى Croix‑de‑Béton، للتأكيد على الجانب الإنساني والرحمة.
في هذا السياق، يظهر الضوء كعنصر مركزي في الإنجيل، بل كحقيقة تتجاوز الظلام كليًا. في إنجيل يوحنا (1:5): «والنور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه». هذا الاقتباس ليس فقط معنى دينيًا، بل واقعًا يعيشه اللبنانيون حرفيًا: ظلام الانهيار، ضياء الصمود؛ ظلام الفقد، شعاع الرجاء؛ ظلام السياسة، إشراق الإنسان اليومي. هكذا يصبح النور رمزًا للتحدي، وللقدرة على العبور فوق الألم.
الزيارة البابوية تحمل أيضًا بعدًا عالميًا، فالبابا لاوون الرابع عشر هو أول بابا من القارة الأميركية في تاريخ الكنيسة. حضوره في لبنان يرسل إشارة واضحة إلى المجتمع الدولي: معاناة هذا الوطن ليست منعزلة، والاهتمام العالمي به مستمر، وأن قيمة لبنان تتجاوز حجمه الجغرافي والسياسي.
برنامج الزيارة الرسمي يركّز على لقاءات متعددة تمثل فلسفة الرحمة والتضامن الإنساني، وتجعل من حضور البابا دعوة لإعادة النظر في قيمة الإنسان وصموده. كل لقاء يحمل رمزية: صمود الإنسان أمام التحديات اليومية، والقدرة على تحويل الألم إلى أمل، والخسارة إلى إرادة حياة.
وبينما يراقب العالم لبنان عن بعد، تعيد هذه الزيارة التأكيد على ما بقي من روح وطنية وجمال إنساني. لبنان، رغم كل شيء، يظل مثالًا للتنوع الروحي والتعايش، بلدًا يُسقط الانقسامات أمام الإنسانية المشتركة، ويدفع القلوب إلى الانفتاح على الآخر، رغم ما شهدته السنوات من توترات ومصاعب.
في نهاية المطاف، لا تأتي زيارة البابا لاوون الرابع عشر لتقدّم حلولًا اقتصادية أو سياسية، لكنها تصلح شيئًا أعمق في القلوب. تقول للبنانيين إن ضوء الرجاء لم ينطفئ، وأن الأمل ممكن، وأن الرسالة الإنسانية تبقى أقوى من الظلام. وفي وطن أنهكته الأزمات، قد يكون هذا الإشعاع البسيط من الضوء هو الأكثر واقعية، لأنه يذكر الإنسان بما هو عليه: قادر على الصمود، قادر على العطاء، قادر على الحب.
مع قدوم البابا، يدخل لبنان يومًا مختلفًا، يومًا يبدو فيه الضوء أقرب، ولو قليلاً، ويعود معه شعور بأن المستقبل ممكن، وأن الروح اللبنانية، مهما عانت، ما زالت حية، وأن الرسالة التي يحملها لبنان للعالم لا تزال سارية: رسالة الحياة، والسلام، والكرامة الإنسانية.












0 تعليق