أسباب ارتفاع المديونية في الأردن وتأثيرها على الاقتصاد الوطني

أسباب ارتفاع المديونية في الأردن وتأثيرها على الاقتصاد الوطني

ما زالت المديونية الأردنية تتصاعد رغم تعاقب الحكومات وبرامج الإصلاح، حيث لم ينجح تحسن بعض المؤشرات المالية في تقليل الحاجة إلى الاقتراض بشكل مستمر. يتطلب فهم هذه الظاهرة فحص تفاعل الصدمات الخارجية مع بنية الموازنة والاقتصاد، إلى جانب تأثير قرارات إدارة الموارد. فارتفاع تكلفة الطاقة أو تراجع السياحة، رغم بدايتهما خارجيًا، يُعتمد تأثيرهما وحجمهما على قدرة الاقتصاد في التكيف وخيارات الحكومة في توزيع الكلفة.

الصدمات الخارجية ودورها في تراكم الدين العام

تنشأ أزمة تراكم الدين من فجوة سنوية بين الإيرادات والنفقات، فكلما تجاوز الإنفاق الموارد، تحتاج الحكومة إلى اقتراض لتغطية الفارق، مع تحمل فوائد تزيد من نفقات السنوات التالية. ووفق بيانات الموازنة لعام 2025، وصل عجز الموازنة بعد المنح إلى 2.256 مليار دينار، مقابل عجز أولي 76.3 مليون دينار يستبعد فوائد الدين التي بلغت 2.180 مليار دينار، مما يعكس عبء خدمة الدين في استمرار العجز. وعند استبعاد المنح والفوائد، يظل العجز حوالي 760.2 مليون دينار، ما يدل على فجوة حقيقية بين الإيرادات والإنفاق المحلي قبل حساب كلفة الفوائد.

أمثلة على تأثير الصدمات الخارجية

شهد عام 2011 تكرار انقطاع الغاز المصري، ما اضطر الأردن لاستخدام وقود أكثر كلفة لتوليد الكهرباء، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط. ارتفعت خسائر شركة الكهرباء الوطنية من 0.8% من الناتج المحلي عام 2010 إلى 4.9% عام 2011، ومولت الحكومة هذه الخسائر عبر قروض وسندات مضمونة ومتأخرات الموردين. كما أثرت الاضطرابات الإقليمية سلبًا على السياحة والاستثمار، مما زاد العبء المالي.

تداخل الصدمات مع قرارات سياسية واجتماعية

ساهم ارتفاع الدعم والإنفاق الاجتماعي والأجور في عام 2011، المتزامن مع انخفاض الإيرادات، في رفع العجز الأولي قبل المنح إلى 9.6% من الناتج المحلي. كانت هذه الإجراءات تهدف للحماية والاستقرار في ظل الظروف الإقليمية، لكن تكلفتها المالية ظلت مستمرة، ما يستدعي تقييم مدى استهدافها ومدة استمرارها وتوفر تمويل دائم لها.

جائحة كورونا وزيادة أعباء الدين

أثرت جائحة كورونا على النشاط الاقتصادي والإيرادات، ما استدعى إنفاقًا طارئًا لحماية الصحة والوظائف. ووفق البنك المركزي، ارتفع إجمالي دين الحكومة من 30.08 مليار دينار في نهاية 2019 إلى 33.0 مليار دينار في نهاية 2020. وتتطلب هذه الزيادة النظر في كلفة الاستجابة للأزمة بجانب العجز والالتزامات السابقة.

التحديات الاقتصادية الداخلية ودور السياسات المالية

يرتكز الاختلال الأعمق على محدودية قدرة الاقتصاد في توليد النمو والإيرادات المناسبة لتغطية الالتزامات المتزايدة، إذ تتباطأ قاعدة الضرائب مع ضعف الاستثمار والإنتاج، في حين تستمر الاحتياجات الاجتماعية والبنية التحتية في التوسع. ويؤثر التصميم الضريبي وكفاءة الإدارة على الإيرادات، حيث يمكن لقاعدة أوسع وإدارة أفضل للتحصيل توزيع الأعباء بشكل عادل وتحسين الموارد.

جودة الإنفاق وأثرها على الدين العام

لا يقل أهمية عن الحجم، إذ إن المشاريع المتأخرة أو التي تتجاوز تكاليفها أو التي لا تعمل بكامل طاقتها تولد التزامات دون تحقيق المنافع المتوقعة. كما أن تقليص الإنفاق الرأسمالي بشكل حاد لضبط العجز قد يؤخر مشاريع ذات عوائد مرتفعة ويؤثر سلبًا على النمو المستقبلي. ويتطلب تقييم الأداء مراعاة كلفة التنفيذ والصيانة والعائد لكل مشروع بشكل دقيق.

الإصلاحات والمؤسسات العامة

تشكل الكهرباء والمياه والمؤسسات العامة نقاط ضغط إضافية حين يتكرر وجود فجوات بين الإيرادات والتكاليف. فعلى سبيل المثال، تتداخل ندرة المياه مع تكاليف الضخ، بالإضافة إلى تحديات الفاقد وكفاءة التحصيل والاستثمار. ويجب تفصيل الكلفة المرتبطة بالخدمة عن الخسائر الممكن تقليلها، مع دعم موجه للأسر الأكثر احتياجًا، لأن تأخر الإصلاح يزيد من الاعتماد على التحويلات الحكومية والاقتراض.

مسؤولية الحكومات المتعاقبة وإدارة الدين

تقع مسؤولية الحكومات في قراراتها ضمن حدود صلاحياتها، وجودة التنفيذ، وقدرتها على مواجهة المخاطر المعروفة. توزعت مراحل أزمة الطاقة بين عدة حكومات في فترات وصفت بالاضطراب، مع استمرار تأثير الالتزامات الموروثة. لذا، لا يمكن تحميل رئيس حكومة واحدة المسؤولية الكاملة عن الزيادة السنوية للدين العام. ويتحقق تقييم الأداء من خلال مقارنة ما ورثته الحكومة من التزامات بما أضافته أو أصلحته، مع دراسة التزامات جديدة والإعفاءات والضمانات ونتائج المشاريع، إلى جانب تغير رصيد الدين خلال فترتها.

تجديد الاستحقاقات المالية لا يعني بالضرورة زيادة الدين، إذ استبدال قرض بقرض مساوٍ يظل ضمن الالتزامات نفسها، أما زيادة الرصيد فتحتاج إلى تحليل العجز والتزامات إضافية وتغير قيمة الديون المقومة بالعملات الأجنبية وتسويات الأرصدة، ما يساعد في تحديد ما يمكن تغييره عبر القرار المحلي وما يحتاج إلى إدارة للمخاطر والتوقيت.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *