تواجه الجزائر تحدياً اقتصادياً أساسياً يتمثل في الانتقال من اعتمادها التقليدي على عائدات المحروقات والإنفاق العمومي إلى بناء اقتصاد متنوع وإنتاجي قادر على توليد الثروة، توسيع الصادرات، وتأمين فرص عمل دائمة. رغم مؤشرات نمو مشجعة في القطاعات غير النفطية وتطور الصادرات الصناعية، يبقى السؤال حول مدى عمق هذا التحول الاقتصادي مطروحاً بوضوح، خاصة في ما يتعلق بالاستقلال النسبي عن الموارد النفطية.
الاقتصاد الجزائري بين مؤشرات التنويع وحاجة التحول الهيكلي
شهد الاقتصاد الجزائري خلال السنوات الأخيرة توسعاً في الأنشطة خارج قطاع المحروقات، وتطوراً في بعض الصناعات التحويلية، بالإضافة إلى إطلاق مشاريع استثمارية واسعة تهدف إلى تنويع القاعدة الإنتاجية. غير أن التقييم الحقيقي لهذا المسار يستوجب التفريق بين نمو اقتصادي خارج النفط وتحول هيكلي فعلي في مصادر الثروة وتمويل الاقتصاد.
وجهة التنويع الاقتصادي في الجزائر
وفقاً للأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي الدكتور هواري تيغرسي، بدأت الجزائر تسجل خطوات إيجابية في توسيع نشاطها الاقتصادي غير النفطي، لكن هذه الخطوات تحتاج إلى تعميق لبلوغ اقتصاد إنتاجي مستدام. وأكد أن نجاح التنويع لا يعتمد فقط على زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي، بل في مدى قدرتها على إنتاج قيمة مضافة، توسيع الصادرات، توفير فرص عمل مستقرة، والمساهمة في تمويل الاقتصاد الوطني بشكل مستقل عن الريع النفطي.
نمو خارج المحروقات وأرقام لا تكفي للتحول الجوهري
تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى نمواً حقيقياً في الاقتصاد الجزائري بنسبة 3.9% عام 2025 مقابل 3.7% عام 2024، مع توقعات بنمو 3.8% لعام 2026. ويرى تيغرسي أن هذا النمو يعكس ديناميكية متزايدة في النشاط الاقتصادي الخارجي لقطاع المحروقات، لكنه لا يؤكد بالضرورة حدوث تحول عميق في نموذج النمو، خاصة مع اعتماد جزء كبير من هذا النمو على زيادة الإنفاق العمومي والطلب الداخلي.
الصادرات غير النفطية.. اختبار للمنافسة والإنتاج الوطني
تطورت الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات لتصل إلى حوالي 5.1 مليارات دولار عام 2023، مقارنة بمستويات أقل في 2017، مما يبيّن توسعاً في قاعدة المنتجات المصدرة. ومع ذلك، تمثل هذه الصادرات نحو 2% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لا تزال محدودة. ويشير تيغرسي إلى أن التحدي يكمن في بناء قاعدة تصديرية متنوعة ومستدامة تعتمد على توسيع عدد المؤسسات المصدرة وتنويع المنتجات والأسواق، مع رفع نسبة المنتجات ذات القيمة المضافة العالية.
المشاريع المنجمية الكبرى بين الفرص والتحديات
تعول الجزائر على مشاريع منجمية كبرى مثل غار جبيلات ومشاريع تطوير الفوسفات للحد من تبعيتها للمحروقات وزيادة مصادر الثروة الصناعية. وأوضح تيغرسي أن القيمة الاقتصادية لهذه المشاريع تعتمد على تحويل الموارد الطبيعية إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة، وليس فقط على استخراج المواد الأولية. وأكد ضرورة تطوير سلاسل القيمة المحلية وإشراك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والبنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية لضمان تنافسية هذه الصناعات في الأسواق الخارجية.
الفلاحة والصناعات الغذائية.. ركيزة لتنويع مستدام
يبرز القطاع الفلاحي أهمية كبرى في استراتيجية التنويع الاقتصادي، إذ لا يقتصر دوره على تأمين التموين الغذائي، بل يمتد إلى خلق الثروة وتقليل فاتورة الاستيراد وتوفير فرص عمل في المناطق الداخلية. ويدعو تيغرسي إلى تطوير منظومة إنتاج متكاملة تشمل التمويل، التخزين، النقل والتسويق، مع ربط الإنتاج الزراعي بالصناعات الغذائية لبناء سلاسل قيمة محلية قادرة على التصدير تدريجياً.
الاستثمار الخاص ومحرك التحول الاقتصادي الأساسي
يشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة تعزيز دور الاستثمار الخاص كمحرك رئيسي لتوسيع القاعدة الإنتاجية، إذ لا يمكن للصرف العام وحده بناء اقتصاد منتج ومنافس. ويذكر أن نجاح سياسة الاستثمار مرتبط بتهيئة بيئة ملائمة تشمل توفر العقار الاقتصادي، التمويل والاستقرار التشريعي، وتوفير خدمات إدارية وجمركية شفافة. كما يؤكد ربط الحوافز الاستثمارية بأداء المشاريع من حيث الإنتاج، الصادرات، التشغيل ونقل التكنولوجيا.
العلاقة المستمرة بين عائدات المحروقات والإنفاق الحكومي
رغم التطور في القطاعات غير النفطية، ما زالت إيرادات المحروقات تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الميزانية وتوفير العملة الصعبة. ويوضح تيغرسي أن هذا يجعل قدرة الاقتصاد على النمو مرتبطة بتقلبات أسعار الطاقة، حيث يتيح ارتفاع الأسعار توسيع الإنفاق والاستثمار، في حين يؤدي الانخفاض إلى ضغوط مالية كبيرة. لذلك يدعو إلى تحسين جودة الإنفاق العام، رفع مردوديته، وترشيد النفقات مع زيادة الإيرادات الجبائية غير النفطية.
التضخم والقدرة الشرائية.. التحدي الاجتماعي للتنويع
يرى الخبير الاقتصادي أن نجاح التنويع لا يتحقق إلا إذا انعكس إيجابياً على حياة المواطنين، من خلال تحسين القدرة الشرائية وخلق فرص عمل حقيقية. ويشير إلى أن زيادة الإنتاج المحلي تساهم في تقليل الاختلالات التموينية، لكنها لا تخفض الأسعار ما لم تتحسن الإنتاجية وتنخفض تكاليف النقل والتوزيع. كما يؤكد أن الدعم الاجتماعي مهم لكنه لا يغني عن تعزيز فرص العمل والإنتاجية.
قياس النجاح الحقيقي للتنويع والتحول الهيكلي
يفرق تيغرسي بين التنويع الإحصائي والتحول الهيكلي، حيث يمكن للاقتصاد أن يظهر نموًا ظاهريًا في القطاعات غير النفطية دون تحقيق استقلال حقيقي عن المحروقات. ولحكم موضوعي، يجب متابعة مؤشرات مثل نمو الناتج المحلي غير النفطي، تنوع الصادرات والأسواق، زيادة الإيرادات الجبائية غير النفطية، وتحسن إنتاجية القطاعات الصناعية والفلاحية، إلى جانب توسع التمويل والإنتاج الخاص وتراجع التأثر بتقلبات أسعار الطاقة.
خطوات تسريع الانتقال إلى اقتصاد إنتاجي متنوع
يرى تيغرسي أن تحقيق تحول اقتصادي حقيقي يتطلب أكثر من مجرد إطلاق المشاريع والاستثمارات، بل اعتماد سياسة متكاملة تربط الإنتاجية بالتنافسية والاستثمار الخاص والتصدير والإصلاح المالي. ويشدد على ضرورة الانتقال من الحماية المؤقتة للسوق المحلية إلى بناء مؤسسات وطنية مبتكرة وتنافسية، مع ربط الحوافز الاستثمارية بنتائج اقتصادية ملموسة. كما يؤكد أهمية تطوير سلاسل القيمة الوطنية وربط المشاريع الكبرى بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب إصلاح السياسة المالية وترشيد الإنفاق وتركيز الاستثمارات على المردود الاقتصادي والاجتماعي العالي.
تعزيز مناخ الأعمال وتطوير رأس المال البشري
يشير تيغرسي إلى أن نجاح الإصلاحات الاقتصادية يعتمد على تحسين الواقع العملي للمؤسسات من خلال تقليل البيروقراطية، تسهيل الحصول على الأراضي والتمويل، وتوفير استقرار تشريعي وتنظيمي. ويشدد على أن الرقمنة يجب أن تكون أداة لتبسيط الإجراءات بسرعة وشفافية فعلية. كما يعتبر تطوير رأس المال البشري أمرًا أساسياً، حيث يلزم تعزيز الروابط بين الجامعات ومراكز التكوين والمؤسسات لتوجيه المهارات نحو احتياجات الصناعة والتكنولوجيا والفلاحة.
الأهمية الاستراتيجية للبُنية التحتية التجارية واللوجستية
تتمتع الجزائر بموقع جغرافي مميز يعزز من فرصها كحلقة وصل بين الأسواق الإفريقية والأوروبية، غير أن تحويل هذه الميزة إلى مكاسب اقتصادية حقيقية يتطلب تطوير الموانئ وشبكات النقل، تحسين الخدمات اللوجستية، تبسيط الإجراءات الجمركية، وتقليل تكاليف التصدير، لتعزيز قدرة المنتجات الجزائرية على المنافسة في الأسواق العالمية.
الجزائر بين التنويع التدريجي والحاجة إلى استقلال اقتصادي
تكشف الأرقام الاقتصادية عن تقدم الجزائر في تنويع اقتصادها من خلال نمو الأنشطة غير النفطية واستحداث بعض الصناعات وتوسيع الصادرات. غير أن هذا التحسن لا يعني تجاوز الاعتماد على الريع النفطي، فالمحروقات تظل الركيزة الأساسية لتمويل الميزانية وتجهيز العملة الصعبة، إضافة إلى الدور البارز للإنفاق الحكومي في النشاط الاقتصادي. ويرى تيغرسي أنه رغم الانتقال التدريجي من اعتماد شبه كلي على المحروقات إلى التنويع، لم تصل الجزائر بعد إلى اقتصاد إنتاجي مستدام قادر على النمو باستقلال نسبي عن تقلبات أسواق الطاقة. الرهان الحقيقي يكمن في توظيف عائدات النفط لبناء قاعدة إنتاجية متعددة المصادر تقلل من الهشاشة المالية والاقتصادية مستقبلاً.
