أظهرت بيانات الميزانية السعودية للربع الثالث من عام 2026 تحولاً بارزاً في مكونات الإيرادات، حيث تجاوزت الإيرادات غير النفطية الإيرادات النفطية للمرة الأولى منذ عام 2020، مما يعكس توسع قاعدة الدخل وزيادة دور الأنشطة غير النفطية في دعم المالية العامة. جاء هذا التطور بالتوازي مع استمرار جهود ضبط الإنفاق وترشيد المصروفات، التي دعمّت مرونة الميزانية في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة، مع مواصلة تمويل القطاعات الأساسية والمشروعات التنموية تماشياً مع أهداف «رؤية 2030».
تعزيز الإيرادات غير النفطية وتنويع مصادر الدخل
بلغ إجمالي إيرادات الميزانية خلال الربع الثالث 259.1 مليار ريال (69.1 مليار دولار)، منخفضة بنسبة 4% مقارنة بالعام السابق، بينما انخفضت المصروفات بنسبة متساوية إلى 343.4 مليار ريال (91.6 مليار دولار)، مما أسفر عن عجز مالي قدره 84.3 مليار ريال (22.5 مليار دولار)، حسب تقرير وزارة المالية السعودية. وعلى مدار الأشهر التسعة الأولى من 2026، سجلت الإيرادات 858.9 مليار ريال (229 مليار دولار)، في مقابل مصروفات بلغت 1.103 تريليون ريال (294.2 مليار دولار)، مع تنفيذ 84% من إجمالي الميزانية المعتمدة للعام والمقدرة بـ 1.3128 تريليون ريال.
نمو الإيرادات غير النفطية
أظهرت الأرقام زيادة الإيرادات غير النفطية بنسبة 20% لتصل إلى 142.6 مليار ريال (38 مليار دولار) خلال الربع الثالث، مما ساهم في تخفيف تأثير تراجع الإيرادات النفطية التي هبطت بنسبة 23% إلى 116.5 مليار ريال (31.1 مليار دولار). وخلال الأشهر التسعة الأولى، حققت الإيرادات غير النفطية 412.5 مليار ريال (110 مليارات دولار)، بارتفاع 8% على أساس سنوي، ما يعكس توسع قاعدة الإيرادات الحكومية وتزايد مساهمة المصادر غير النفطية.
تفاصيل مكونات الإيرادات غير النفطية
تمكنت فئة «الإيرادات الأخرى» من تسجيل أكبر نمو بنسبة 68% لتبلغ 49.1 مليار ريال (13.1 مليار دولار)، مقارنة بـ 29.3 مليار ريال في الفترة نفسها من العام الماضي. كما شهدت الضرائب على التجارة والمعاملات الدولية زيادة بنسبة 26% لتستقر عند 7.2 مليار ريال (1.9 مليار دولار)، بينما ارتفعت الضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية بنسبة 16% إلى 7.7 مليار ريال (2.1 مليار دولار). كما بلغت الضرائب على السلع والخدمات 75.2 مليار ريال (20.1 مليار دولار).
التركيز على القطاعات التنموية
جاءت الإيرادات المتزايدة متوازية مع توجهات الإنفاق التي ركزت على القطاعات الحيوية والخدمات الأساسية، حيث تصدر قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية الإنفاق التراكمي حتى نهاية الربع الثالث بإجمالي 230.8 مليار ريال (61.5 مليار دولار)، وهو ما يمثل 89% من الاعتمادات المخصصة له. وحل القطاع العسكري في المرتبة الثانية بإنفاق 187.5 مليار ريال (50 مليار دولار)، يليه قطاع التعليم بـ 159.3 مليار ريال (42.5 مليار دولار)، ثم قطاع الأمن والمناطق الإدارية بمبلغ 99.4 مليار ريال (26.5 مليار دولار).
الإنفاق على الاقتصاد والتنمية
سجل الإنفاق على قطاع الموارد الاقتصادية 75.7 مليار ريال (20.2 مليار دولار)، بزيادة 11% مقارنة بالعام الماضي، ما يشير إلى استمرار توجيه التمويلات نحو الأنشطة الاقتصادية والتنموية. وتعكس هذه الأرقام الحرص على تمويل القطاعات ذات الأولوية، بالإضافة إلى ضبط مصروفات الميزانية بما يخدم التوازن بين الاحتياجات التشغيلية والأولويات التنموية.
المركز المالي والديون
على صعيد المركز المالي، بلغ رصيد الاحتياطي العام للدولة مع نهاية الربع الثالث 399.5 مليار ريال (106.5 مليار دولار)، في حين وصل رصيد الحساب الجاري إلى 50.8 مليار ريال (13.5 مليار دولار). أما إجمالي الدين العام فبلغ حوالي 1.774 تريليون ريال (473 مليار دولار)، مقسماً بين ديون محلية تقدر بـ 1.136 تريليون ريال (302.9 مليار دولار) وديون خارجية بقيمة 637.6 مليار ريال (170 مليار دولار). وتم إصدار ديون جديدة بقيمة 298.3 مليار ريال خلال الفترة، بهدف تمويل العجز المخطط وإدارة الاحتياجات التمويلية، ودعم تنفيذ المشروعات التنموية والاستراتيجية.
آراء اقتصادية حول أداء الميزانية
أوضح الدكتور سالم باعجاجه، أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز، أن بيانات الميزانية تشير إلى استمرار دعم الحكومة للنشاط الاقتصادي وتمويل المشاريع التنموية، حيث ارتفعت المصروفات بنسبة 8% إلى نحو 1.1 تريليون ريال، مقارنة بزيادة 3% في الإيرادات التي وصلت إلى 858.9 مليار ريال خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026. ولفت إلى أن هذا التفاوت يُبرز أهمية تحقيق توازن بين الإنفاق التنموي والمحافظة على الاستدامة المالية.
وأشار إلى دور الإنفاق الحكومي في تعزيز النمو الاقتصادي عبر تمويل المشروعات والبنية التحتية ودعم القطاعات غير النفطية، بالإضافة إلى تشجيع مساهمة القطاع الخاص. ورأى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تركيز أكبر على كفاءة الإنفاق وتحقيق أقصى عائد اقتصادي للمشاريع لضمان استدامتها التنموية على المدى الطويل.
وشدد باعجاجه على أن تقييم الأداء المالي يجب أن يشمل مصادر الإيرادات، مدى الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، كيفية تمويل العجز، وأثر الإنفاق على النمو وتوفير فرص العمل، وليس الاكتفاء بمعدلات النمو فقط.
