أنيس ماتا يستحضر تاريخ التقارب الجزائري الإندونيسي ويوضح آفاق التعاون المستقبلية

رغم المسافة الجغرافية التي تفصل بين الجزائر في شمال إفريقيا وإندونيسيا في جنوب شرق آسيا، تمكن البلدان من بناء علاقة عميقة تمتد عبر التاريخ، ترتكز على تجربة مشتركة في التحرر والاستقلال. وبعد الاستقلال، واصل البلدان دفع التعاون وتعزيز الروابط في مجالات متعددة مثل الاقتصاد، والاستثمار، والتجارة، والسياحة، والتعليم، والثقافة، مما يفتح آفاقاً واعدة للعلاقات الجزائرية-الإندونيسية.

تطوير الشراكة الجزائرية الإندونيسية بين التاريخ والاقتصاد

في لقاء خاص بوزارة الخارجية الإندونيسية في جاكرتا، قال نائب الوزير محمد أنيس ماتا إن الجزائر تحتل مكانة مهمة في استراتيجية إندونيسيا لتعزيز علاقاتها بالعالم الإسلامي، مشيراً إلى رغبة بلاده في توسيع الشراكة الثنائية لتشمل جوانب اقتصادية وإنسانية أوسع. وأوضح ماتا أن إندونيسيا تبنت رؤية تعرف بـ”الهلال الأزرق”، وهي خريطة تجارة واقتصاد تربط إندونيسيا بالدول الإسلامية عبر المحيط الهندي، بالاعتماد على موقع إندونيسيا الاستراتيجي في أقصى شرق العالم الإسلامي.

الرؤية الاقتصادية الجديدة وأهمية الممرات البحرية

يُسلط البديل الإندونيسي الضوء على بعض الممرات البحرية ذات الأهمية الكبرى، مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس والبحر المتوسط، باعتبارها مسارات رئيسية لحركة التجارة بين إندونيسيا والدول الإسلامية. يبلغ حجم التبادل التجاري بين إندونيسيا والدول الإسلامية نحو 65 مليار دولار سنوياً، فيما يصل حجم التجارة مع الجزائر إلى حوالي مليار دولار، وهو رقم يعتبر قابلاً للنمو مع توفر الإمكانيات لدى البلدين.

فرص الاستثمار وتوسيع التعاون في الطاقة

أفاد ماتا بأن الاستثمارات الإندونيسية في الجزائر بلغت حوالي مليار دولار، مع رغبة في توسيعها لتشمل مجالات جديدة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والأسمدة. وأضاف أن التعاون قائم بين شركة “سوناطراك” الجزائرية وشركة “برتامينا” الإندونيسية، مع إمكانات مفتوحة لتطوير التعاون في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين والطاقة الجديدة.

تنويع الشراكة بين الأسواق الإفريقية وجنوب شرق آسيا

يرى ماتا أن الجزائر تعد بوابة هامة للمؤسسات الإندونيسية نحو الأسواق الإفريقية، بينما تقدم إندونيسيا نافذة واسعة للمؤسسات الجزائرية لولوج أسواق جنوب شرق آسيا التي يقدر عدد سكانها بنحو 700 مليون نسمة، بينما يبلغ عدد سكان إندونيسيا 290 مليون نسمة. ويشدد على أن الاقتصاد الإندونيسي يشهد نمواً بنسبة تقارب 5.5%، مع توقعات بدخوله خلال العشرين سنة المقبلة ضمن أكبر اقتصادات العالم.

التنسيق حول القضايا الدولية المشتركة

تجاوز التعاون الاقتصادي وحده، ليشمل التنسيق السياسي والثقافي والإنساني، لا سيما بشأن القضية الفلسطينية التي تمثل أحد نقاط الاتفاق بين البلدين. وأكد ماتا استمرار التنسيق الجزائري-الإندونيسي في منظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة، مشيراً إلى أن تطورات الحرب الأخيرة في غزة أدت إلى توسع الدعم للقضية الفلسطينية حتى في الدول الغربية، ما يعكس تحوّلات سياسية ووعي متزايد على المستوى الدولي.

الدور الإندونيسي في ملفات الشرق الأوسط

أوضح نائب وزير الخارجية الإندونيسي أن بلاده تسعى إلى تعزيز حضورها في قضايا الشرق الأوسط، مشيراً إلى مشاركتها في مجلس السلام واستعدادها للمساهمة بفعالية في مسارات حل الأزمات. ورأى أن التغيرات السياسية والحروب في الشرق الأوسط ستقود إلى إعادة تشكيل منظومات أمنية واستراتيجية جديدة بين دول المنطقة.

التاريخ والذاكرة المشتركة بين الجزائر وإندونيسيا

تعود جذور التقارب بين البلدين إلى مواجهة الاستعمار، إذ تربطهما تجارب مشتركة في السيادة والاستقلال وتقرير المصير. وأشار ماتا إلى وجود علاقات فكرية وثقافية وتاريخية بين شخصيات من الجانبين، كما استذكر مؤتمر باندونغ عام 1955 الذي شهد حضور قضية الثورة الجزائرية عبر ممثلي جبهة التحرير الوطني.

متحف باندونغ وحضور القضية الجزائرية

في متحف مؤتمر آسيا وإفريقيا في باندونغ، يحتفظ المكان بذاكرة الاجتماع التاريخي الذي جمع 29 دولة آسيوية وأفريقية في أبريل 1955، وأقر مبادئ معروفة باسم “داساسيلا باندونغ”. وعلى الرغم من أن الجزائر لم تكن دولة مستقلة آنذاك، حمل وفد جبهة التحرير الوطني – والذي ضم حسين آيت أحمد ومحمد يزيد – ملف القضية الجزائرية مطالباً بالدعم والاعتراف من المجتمع الدولي في ذلك المؤتمر، مسجلاً حضور قضية الثورة ضمن محطات مهمة في الساحة الدولية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *