نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"صرخة النواورة: مياه لا تصل… وحياة معلّقة بين الوعود والأزمات" - تواصل نيوز, اليوم الأحد 30 نوفمبر 2025 03:13 مساءً
تُعد مشكلة المياه أحد أهم التحديات التي تواجه العديد من قرى صعيد مصر، إلا أنّ أزمة المياه في قرية النواورة التابعة لمركز البداري بمحافظة أسيوط باتت من أكثر الأزمات إلحاحًا بسبب طول مدتها، وتعدد أسبابها، وتأثيرها المباشر على حياة أكثر من عشرة آلاف مواطن يعتمدون بشكل كامل على شبكات المياه الحكومية كمصدر أساسي للشرب والاستخدام المنزلي والزراعي البسيط. وعلى الرغم من إعلان بعض الجهات الرسمية خلال السنوات الأخيرة عن تنفيذ مشروعات لتحسين منظومة المياه في المركز، فإن الواقع الميداني داخل النواورة يكشف عن استمرار معاناة الأهالي سواء من حيث ضعف ضغط المياه، أو الانقطاع المتكرر، أو **رداءة جودة المياه في فترات معينة، مما يجعل الأزمة ذات أبعاد مركبة تتداخل فيها الجوانب الفنية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية.
أولاً: الخلفية الجغرافية والديموغرافية للقرية وأثرها في المشكلة
تقع قرية النواورة في نطاق مركز البداري، وتتميز بامتداد جغرافي طولي يجعل أطراف القرية بعيدة نسبيًا عن نقاط الضخ الرئيسية، وهو ما يؤدي بطبيعته إلى ضعف الضغط في نهايات الشبكات القديمة. وتضاف إلى ذلك طبيعة التضاريس المتدرجة في بعض مناطق القرية، ما يجعل وصول المياه إلى المنازل الواقعة في الأماكن المرتفعة أكثر صعوبة. ومع نمو عدد السكان خلال العقدين الأخيرين وزيادة عدد المنازل، ظل الاعتماد على الشبكات القديمة كما هو، وهو ما فاقم المشكلة نتيجة عدم كفاية أقطار المواسير الرئيسية والفرعية لاستيعاب الكم المطلوب من المياه.
كذلك، فإن توسع القرية العمراني لم يقابله توسع منظم في خطوط المياه، بل تمت أغلب التوصيلات الجديدة بشكل متدرج وغير متكامل، الأمر الذي أنتج شبكة غير متجانسة، بعضها حديث والآخر متهالك. وهذا التفاوت في أعمار الشبكة يؤدي إلى تسربات عديدة ومستمرة، مما يقلل من حجم المياه الفعلية المتاحة للضخ داخل القرية.
ثانيًا: طبيعة انقطاع المياه وخصائص المشكلة كما يصفها الأهالي
يشتكي سكان النواورة من ثلاثة جوانب رئيسية في أزمة المياه:
الانقطاع الطويل والمتكرر
في كثير من مناطق القرية، تنقطع المياه لساعات طويلة، وفي بعض المنازل قد لا تصل إلا في منتصف الليل أو الفجر لساعات قليلة. وهذا النمط يجعل الأهالي مضطرين إلى تخزين المياه في خزانات أرضية أو جراكن، وغالبًا ما تكون هذه الخزانات بدائية وغير خاضعة لأي تعقيم، ما يعرض المياه للتلوث.
ضعف الضغط حتى أثناء توفر المياه
حتى في الأوقات التي تضخ فيها المياه، فإن الضغط يكون ضعيفًا إلى درجة أن وصول المياه للطوابق العليا يصبح شبه مستحيل. وهذا الضعف يعود لعدة أسباب: تهالك أجزاء من الشبكة، زيادة الاستهلاك عن الطاقة التصميمية، استخدام مضخات منزلية تسحب الماء من الشبكة العامة وتزيد المشكلة تعقيدًا.
مشكلات جودة المياه
يشير بعض الأهالي إلى أن المياه أحيانًا تأتي بلون غير طبيعي أو تحمل عكارة ملحوظة. وهذا يعود إلى ترسبات داخل الخطوط القديمة، أو نتيجة اختلاط بسيط بين خطوط مياه وصرف في مناطق بها تآكل أو تسريب، أو نتيجة أعمال صيانه غير منضبطة تعيد الشوائب إلى الشبكة بعد تشغيل الخطوط.
هذه الجوانب الثلاثة تضع سكان النواورة أمام تحدٍ يومي في الحصول على مياه صالحة وكافية لهم ولأطفالهم، وتؤثر على الأنشطة المنزلية الأساسية كالطهي والغسيل، إضافة إلى آثارها على النظافة العامة والصحة.
الأسباب الفنية والهندسية وراء استمرار الأزمة
يمكن تحليل الأسباب الفنية للمشكلة على النحو التالي:
قدم شبكة المياه
أجزاء كبيرة من شبكة مياه قرية النواورة يعود عمرها إلى أكثر من 25 عامًا، دون أن تحظى بتجديد واسع النطاق. ومع مرور الزمن، تتراكم الأملاح والصدأ داخل المواسير، ويحدث اهتراء يؤدي إلى تسريب المياه. وكلما زاد التسريب، قلّ الأولف الوارد للمنازل.
عدم كفاية القدرة الإجمالية للضخ
محطات مياه البداري تغطي نطاقًا جغرافيًا واسعًا يشمل عدة قرى، ومع نمو السكان في مختلف القرى، أصبح إجمالي الكمية المنتجة غير كافٍ لتغطية ذروة الاستهلاك. ومع أن هناك محاولات لتعزيز القدرة التشغيلية عبر إنشاء بوسترات رفع جديدة، فإن هذا التحسن لم يصل إلى المستوى المطلوب داخل النواورة بسبب طول الشبكات وتوزيع الضغط.
الاعتماد على شبكة واحدة دون مصادر بديلة
لا يوجد في القرية أكثر من خط رئيسي واحد، ولا توجد آبار جوفية تعمل كداعم، مما يجعل أي عطل طارئ — ككسر خط رئيسي — يؤدي إلى انقطاع كامل لساعات طويلة.
الاستخدام العشوائي للمضخات المنزلية
يلجأ بعض الأهالي إلى تركيب مواتير شفط مباشرة على الشبكة، وهذا يؤدي إلى سحب المياه من المناطق المجاورة، وبالتالي حرمان غير القادرين على تركيب مضخات من المياه تمامًا، وتتشكل دوائر تفضيلية لصالح المنازل الأقرب إلى الخط.
غياب الصيانة الوقائية
غالبية أعمال الصيانة تتم فقط عند حدوث أعطال كبيرة، وليس بشكل دوري، مما يسمح بحدوث تراكمات في الخطوط وانسداد جزئي داخل المواسير.
الأبعاد الاجتماعية والصحية للأزمة
لا تقتصر أزمة المياه في النواورة على أنها مشكلة خدمية فقط، بل تمتد تأثيراتها لتشمل الجوانب التالية:
أثر مباشر على صحة المواطنين
المياه العكرة أو المخزنة لفترات طويلة في خزانات غير نظيفة قد تؤدي إلى أمراض معوية، خاصة لدى الأطفال، مثل الإسهال والتسمم الغذائي وبعض الأمراض الناتجة عن البكتيريا العالقة.
الإرهاق البدني والنفسي للأهالي
اضطرار الأهالي لتخصيص ساعات في الليل لملء الجراكن والخزانات يمثل عبئًا مرهقًا لربات البيوت وكبار السن. كما أن القلق من عدم توفر المياه خلال النهار يزيد من الضغط النفسي على الأسر.
ارتفاع نفقات الأسرة
شراء مياه من مصادر خارجية — سواء سيارات مياه أو عبوات — يمثل تكلفة مالية إضافية، خاصة للأسر محدودة الدخل. ومع الظروف الاقتصادية الحالية، يصبح هذا عبئًا كبيرًا.
تأثير على الأنشطة الاقتصادية البسيطة
بعض الأسر تعتمد على تربية المواشي أو الدواجن، وهذه الأنشطة تحتاج إلى مياه متواصلة. وعند انقطاع المياه لفترات طويلة، تضطر الأسر إلى جلب مياه إضافية، أو تخسر جزءًا من ثروتها الحيوانية بسبب عدم كفاية المياه.
أثر اجتماعي على العلاقات داخل المجتمع
أحيانًا تحدث خلافات بين الجيران بسبب سحب المياه باستخدام مضخات، أو بسبب توزيع المياه وقت قدومها، مما يخلق توترًا اجتماعيًا غير مرغوب فيه.
جهود الإصلاح الحكومية وآثارها
خلال السنوات الأخيرة، أعلنت الجهات الرسمية عدداً من المشروعات لتحسين منظومة المياه في مركز البداري، ومنها:
1. **إنشاء بوسترات رفع جديدة** تعمل على تعزيز ضغط المياه في الخطوط الرئيسية.
2. **إحلال وتجديد أجزاء من خطوط المياه**، خاصة الخطوط التي تعرضت لكسر أو تهالك شديد.
3. **تطوير محطات الرفع والصرف الصحي** بالقرية، لضمان عدم تلوث الترع أو خطوط المياه.
ورغم هذه الجهود، لا تزال المشكلة تؤثر على الأهالي؛ قد يكون السبب أن حجم الطلب يفوق قدرة التطوير الحالي، أو أن الشبكات داخل القرية نفسها تحتاج إلى تجديد أكثر شمولًا. كما أن تشغيل بوسترات الرفع الجديدة قد أعطى تحسنًا محدودًا في بعض المناطق، لكنه لم يعالج كافة مناطق القرية التي تقع في أطراف الشبكة.
سادسًا: لماذا لم تُحل الأزمة رغم مشروعات التطوير؟
هناك عدة عوامل تجعل الحلول الحالية غير كافية:
1. **عدم تجديد الشبكة الداخلية بالكامل**
الشبكات الفرعية داخل الشوارع والأزقة ضيقة وقديمة، ومتهالكة في كثير من المواضع، ما يعني أن أي ضخ قوي يفقد فاعليته داخل هذه الشبكات.
2. **عدم وجود متابعة ميدانية دقيقة
يتطلب تحسين الخدمة قيام فرق فنية بجمع بيانات يومية عن معدل التدفق والضغط، وهو ما لا يحدث بالشكل الكافي، مما يمنع اكتشاف المشكلات بدقة.
3. **عدم توفير بدائل فعّالة للمواطنين خلال فترات الانقطاع**
مثل سيارات مياه متنقلة أو نقاط توزيع للطوارئ.
4. **ضعف التواصل بين الشركة والأهالي**
حيث إن الإبلاغ عن الأعطال لا يقابله في كثير من الأحيان تحرك سريع، مما يولد شعورًا بالإهمال.
ما الذي يحتاجه أهالي النواورة الآن؟
. تجديد شامل لشبكات المياه الداخلية
يجب وضع خطة زمنية لتغيير خطوط المياه من المواسير القديمة بأخرى ذات أقطار أكبر وأكثر قدرة على تحمل الضغط.
إنشاء خزان علوي أو محطة رفع داخل القرية
وجود مصدر رفع داخلي سيحسن الضغط بشكل كبير ويقلل الاعتماد على محطة البداري فقط.
3. تنظيم استخدام المضخات المنزل
يجب وضع ضوابط تضمن عدم حصول من يملك مضخة على نصيب أكبر من المياه على حساب الآخرين.
4. توفير بدائل مياه آمنة
على الأقل خلال فترات الانقطاع الطويل، حتى لا يضطر المواطنون لاستخدام مياه غير نظيفة.
5. تعزيز الرقابة على جودة المياه
بإجراء تحاليل دورية، ونشر نتائجها بشفافية لطمأنة الأهالي.
6. تفعيل اللجان الشعبية لمتابعة الخد
لجمع شكاوى المواطنين وتوثيقها، والتواصل بشكل مستمر مع الجهات المختصة.
ثامنًا: التوصيات النهائية
إن أزمة المياه في قرية النواورة ليست مجرد مشكلة فنية يمكن حلها بضخ كمية أكبر من المياه، بل هي أزمة متشابكة تتطلب معالجة على عدة مستويات: **تجديد البنية التحتية، تحسين الإدارة، رفع الكفاءة، وضمان العدالة في توزيع المياه**. ويجب أن يكون المواطنون جزءًا من الحل عبر التعاون مع فرق الصيانة، وترشيد الاستهلاك، والإبلاغ الفوري عن أي تسريب أو كسر.
كما أن على الجهات الحكومية أن تدرك أن توفير المياه الآمنة ليس رفاهية، بل هو عنصر أساسي لصحة الإنسان وكرامته، وبالتالي فإن تحسين الخدمة في النواورة هو استثمار في مستقبل القرية وصحة سكانها.
















0 تعليق