نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المساءلة القانونية وحدها تعيد الثقة - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 يناير 2026 04:20 صباحاً
د. جورج صدقه*
انتظر اللبنانيون من نواف سلام أن يعيد سلطة القانون إلى قرارات الحكومة، وأن يعيد للقوانين حرمتها واحترامها وخصوصاً أنه القاضي المؤتمن على تطبيق القوانين. كانت الآمال المعقودة عليه كبيرة لكونه من خارج الطبقة السياسية التي اعتادت التسويف وخرق الدستور، ولكونه لا ينتمي إلى المنظومة التي تنهب البلد وتعبث فيه منذ خمسين عاماً.
لذلك كان الاعتقاد أن من مصلحة نواف سلام الشخصية كما من المصلحة الوطنية، أن يتصرّف حيال قضية ضياع الودائع في المصارف وموضوع ما تسمّى "الفجوة المالية" باللجوء إلى تطبيق القانون، فيعمد إلى تكليف القضاء فتح تحقيق جنائي في إدارة مصرف لبنان وفي حسابات المصارف التجارية، بغية الإجابة على الأسئلة التي يطرحها الجميع: أين ذهبت أموال الناس التي أودعت في المصارف؟ كيف تصرفت بها؟ ما هو القسم الذي أودع في المصرف المركزي وما هو القسم الذي قام أصحاب المصارف بتهريبه إلى الخارج؟ من استفاد من الهندسات المالية التي أجراها حاكم المصرف المركزي؟ ما هي المبالغ التي تمّ صرفها بقرارات حكومية كموازنات الكهرباء أو أموال الدعم والتهريب؟ وغيرها من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عنها إلا من خلال تحقيق قضائي شفاف. بذلك كان يمكن للرئيس سلام الاستجابة لتطلع اللبنانيين التواقين الى أن يدركوا من نهب أموالهم وكيف تمّت سرقة المال العام؟

هذا المسار، لو اعتمده رئيس الحكومة، ربما لكان من شأنه أن يؤسس لمحاسبة تحدد الخسائر بشفافية وتبرّر شطب قسم من الودائع وتتيح محاسبة المسؤولين عن ضياع الأموال. وعلى الأقل كان حمى نفسه من الاتهامات التي توجّه إليه الآن بأن قانون "الفجوة المالية" الذي أقرته الحكومة إنما يغطّي المجرمين ويضرب الفئات الأضعف اجتماعياً، ويتجاهل حقوق صناديق التعويضات للمعلمبن والمهنيين، ويتناسى كلياً الذين وثقوا بالحكومة وحافظوا على ودائعهم بالليرة وغيرها من الاتهامات المحقة.
غير أن تبنّي نواف سلام مشروع القانون المقترح الذي يعيد قسماً بسيطاً من الأموال ولا يضيء على المخالفات المالية المرتكبة من الأفرقاء المعنيين، يجعله شريكاً في طمس جريمة الأزمة الاقتصادية التي اعتُبرت الأقسى عالمياً منذ أزمة 1929 والتي تسببت بمآسي لا تحصى، وأدت إلى إفقار غالبية الشعب اللبناني وتهجير كثيرين منه ووضعت لبنان في مصاف الدول الفاسدة.
فهذه الأزمة ليست وليدة ظروف سياسية أو دولية، وليست وليدة الحرب أو انحسار اقتصادي، إنما هي نتيجة سياسات مبرمجة لجأ إليها حكام لبنان وحاكم المصرف المركزي وأصحاب المصارف في عملية ممنهجة لأهداف محددة لم تكن لخدمة المصلحة العامة ولا لمصلحة الشعب. لذلك، فإن المرور عليها من دون محاسبة أو مساءلة يشرّع للمجرمين الإفلات من العقاب وينسف مفهوم الدولة، ويفقد الثقة بأي اصلاح أو تطوير للممارسة السياسية يمكن أن تدّعيه هذه الحكومة. إن تبنّي المشروع المقترح شبيه بمواقف الحكومات السابقة التي خرقت القوانين ونهبت المال العام وسكتت عن الاغتيالات السياسية وحاولت طمس جريمة تفجير مرفأ بيروت.
إن أسوا ما في الحل المقترح ليس الصمت عن المجرمين وناهبي أموال الناس وأموال الدولة، إن الأخطر هو فقدان الثقة بالدولة اللبنانية التي لا تطبق قوانينها ولا تحترم الملكية الخاصة كما ينصّ دستورها، وتسكت عن السرقات فلا تحاكم المجرمين. وهذا معناه أن لبنان لن يستعيد الثقة بنظامه المالي والمصرفي، وأن المصارف اللبنانية لن تستعيد ثقة المودعين ولو بعد عشرين عاماً، كما تتعزز القناعة السائدة بأن ليس هناك من ضمانة يمكنها أن تمنع تكرار ما حصل من سرقة أموال الناس وأموال الدولة. كان الأجدى بالحكومة الحالية أن تقوم أولاً بعملية تدقيق حسابية وهي من أبسط قواعد الإدارة في الشركات، حتى الصغيرة منها، فكيف بإدارة دولة؟
وأبعد من فقدان الثقة بالنظام المالي والمصرفي هو فقدان الثقة بالقضاء الذي عجز عن مقاضاة المصارف، وهو المؤتمن أولاً وأخيراً على أملاك الناس وعلى الفصل بين المتخاصمين. وقد نجحت السلطة السياسية حتى الآن في تعطيل القضاء الذي لم يستطع تلقي شكاوى المتضررين من خسارة أموالهم بينما كان مفترضاً بحكومة نواف سلام أن تعيد للقضاء سلطته وتألقه. وإذا كان المبدأ أن لا قيام لأي دولة من دون سلطة قضائية فاعلة ومستقلة، فكيف يمكن للحكومة أن تدعي إعادة بناء الدولة!
إن "قانون الفجوة المالية" الذي تقدّمت به الحكومة يضرب الثقة بالدولة وبالقضاء وبالمصارف ذاتها، وهو يقود إلى نتيجة عكسية لما يدّعيه رئيس الحكومة. إن المساءلة القضائية هي الطريق الوحيدة لحلّ يضمن حقوق مختلف الأفرقاء، يكشف الجرائم المالية الحاصلة ويعيد الثقة بلبنان وباداراته.
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.





0 تعليق