هل تخاطب الصحافة جمهوراً أم أرقاماً؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل تخاطب الصحافة جمهوراً أم أرقاماً؟ - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 يناير 2026 08:04 صباحاً

في غرف الأخبار، بات السؤال التحريري يُطرح بصيغة مختلفة: ماذا سيقرَأ الجمهور؟ بل ماذا ستُظهر الخوارزميات للجمهور؟ هذا التحوّل في صياغة القرار الصحفي يغيّر معايير الأهمية ويحدّ من استقلالية العمل التحريري، إذ يُعاد تعريف مفهوم الجمهور ودور الصحافة في النقاش العام.

 

وخلال حديثها مع النهار، تناولت الدكتورة فيولا مخزوم، أستاذة جامعية وباحثة في تكنولوجيا التربية والتعليم ومديرة المركز الديمقراطي العربي في لبنان، هذا التحوّل، معتبرة أن الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي تواجه خطر اختزال القارئ إلى مؤشرات أداء، ما ينعكس مباشرة على طبيعة المحتوى ووظيفته الاجتماعية.

ترى مخزوم أن أزمة الصحافة اليوم لم تعد محصورة في تراجع الثقة أو تغيّر عادات القراءة، بل باتت مرتبطة بشكل متزايد بالخوارزميات التي تتحكم بما يصل إلى الجمهور وما يُستبعد من دائرة الاهتمام. ففي هذا السياق، لم يعد الجمهور يُقارب بوصفه جماعة متنوعة من القرّاء، بل كمجموعة بيانات تُحلَّل وتُقاس وتُستخدم لاتخاذ قرارات تحريرية سريعة، غالبًا على حساب العمق والسياق.

وتشير إلى أن الاعتماد المتزايد على الأرقام، من عدد النقرات إلى معدلات التفاعل وزمن القراءة، حوّل هذه المؤشرات إلى مرجع شبه وحيد داخل غرف الأخبار. هذا المنطق، بحسب مخزوم، لا يكتفي بإعادة تشكيل المحتوى، بل يعيد صياغة العلاقة بين الصحافة وجمهورها، من علاقة قائمة على المعرفة والمسؤولية، إلى علاقة تحكمها قابلية القياس والاستجابة الفورية.

وفي هذا الإطار، تستحضر مخزوم أفكار الباحثة إميلي غوليغوسكي، التي نبّهت إلى مخاطر تحوّل البيانات إلى بوصلة وحيدة للعمل الصحفي. فحين يُقاس النجاح بما "يؤدّي رقمياً"، تتراجع الأسئلة المتعلقة بالقيمة العامة للخبر، ودوره في توسيع النقاش العام وتوفير الفهم، لا مجرد جذب الانتباه.
وتزداد خطورة هذا التحوّل، وفق مخزوم، في السياق اللبناني والعربي، حيث تعمل المؤسسات الإعلامية ضمن بيئات سياسية واقتصادية ضاغطة. ففي ظل هذه الظروف، تجد وسائل الإعلام نفسها مدفوعة إلى مجاراة منطق المنصات الرقمية العالمية، التي تكافئ السرعة والإثارة، وتُضعف المعالجة المتأنية والتحقيق المعمّق. وهنا، لا تعود الخوارزميات مجرد أدوات توزيع، بل تتحوّل إلى عنصر مؤثّر في القرار التحريري نفسه، يحدّد ما يُنشر وما يُهمَّش.

وتلفت مخزوم إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يحمل في ذاته موقفاً أخلاقياً، بل يعكس البيانات والافتراضات التي يُغذّى بها. وعندما تُستخدم هذه التقنيات من دون وعي نقدي، فإنها تميل إلى إعادة إنتاج التحيّزات السائدة وتكريس تجانس الجمهور، بدل الإسهام في توسيع التنوّع في الآراء والاهتمامات. كما تحذّر من أن هذا المسار يضغط على دور الصحفي، ويجعل الخيال الصحفي والقرار المهني محكومين بما تفرضه الخوارزميات، لا بما يفرضه السياق الاجتماعي
.
في المقابل، تشير مخزوم إلى أن صعود الصحافيين المستقلين ونماذج النشر الفردي عبر المنصات الرقمية يعكس رغبة في بناء علاقة أكثر مباشرة وشفافية مع الجمهور. غير أنها تؤكد أن هذه التجارب، على أهميتها، لا يمكن أن تشكّل بديلاً كاملاً عن المؤسسات الإعلامية المهنية، القادرة على التحقيق والمساءلة والعمل طويل النفس، معتبرة أن الإشكالية لا تكمن في التقنية بحد ذاتها، بل في كيفية توظيفها ضمن رؤية تحريرية واضحة.

وفي ظل تنامي ظاهرة تجنّب الأخبار، لا سيما بين فئة الشباب التي باتت تعتمد على منصات مثل "تيك توك"  و"إنستغرام" وغيرها، كمصادر أساسية للمعلومات، ترى مخزوم أن الصحافة تواجه تحدياً إضافياً. فهذه المنصات، المصمَّمة لتعظيم الانتباه، تفرض إيقاعاً سريعاً على المحتوى، ما يضعف قدرة الخبر على أداء وظيفته كأداة للفهم والتحليل.

من هنا، تدعو مخزوم إلى مقاربة مختلفة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، تقوم على الشفافية والمساءلة وإشراك الجمهور. فشرح كيفية إنتاج المادة الصحفية، والوقت والجهد والموارد التي تتطلبها، لا يعزّز الثقة فحسب، بل يساهم في إعادة تعريف قيمة العمل الصحفي في زمن المحتوى السريع والمنصات المتحكّمة.

وتخلص إلى أن التحدي الحقيقي لا يتمحور حول ما إذا كانت الصحافة ستستخدم الذكاء الاصطناعي، بل حول الكيفية التي ستفعل ذلك. فإما أن تُسخَّر الخوارزميات لخدمة المعنى والسياق وتوسيع النقاش العام، أو تُترك لتختزل الجمهور وتُفرغ الصحافة من دورها. وبين هذين الخيارين، تقف الصحافة اللبنانية والعربية اليوم أمام سؤال حاسم: هل تريد جمهوراً يُقاس، أم مجتمعاً يُخاطَب؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق