كتبت بالفرنسية حين ضاقت الكلمات، فصار الشعر شهادة وجودية لا تزيين... ناديا حمادة تويني: شاعرة الجرح والفرنسية النازفة - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كتبت بالفرنسية حين ضاقت الكلمات، فصار الشعر شهادة وجودية لا تزيين... ناديا حمادة تويني: شاعرة الجرح والفرنسية النازفة - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 يناير 2026 08:24 صباحاً

فاروق غانم خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

ناديا حمادة تويني ليست مجرد اسمٍ في تاريخ الثقافة اللبنانية، ولا يختزل حضورها في كونها زوجة الصحافي الكبير غسان تويني، مؤسس جريدة "النهار" وأحد أعمدتها التاريخية. هي تجربة شعرية فريدة، بدأت رحلتها في مواجهة اللغة وسؤالها عن حدودها. شعرها ليس تمرينًا أسلوبيًا، بل فعل مقاومة يومي: مواجهة للفراغ، للغضب، وللحياة التي لم تعد ترحم.

وُلدت في بيروت عام 1935، في بيئة متعددة اللغات والانتماءات، ودرست في كلية البنات في بيروت، والأكاديمية الفرنسية في أثينا، والجامعة اليسوعية في بيروت. الفرنسية لم تكن عندها لغة إرث فحسب، بل ملاذًا حين لم تعد الكلمات الأخرى قادرة على احتمال الألم. في يدها، تحوّلت اللغة من أداة مهذّبة إلى جسد للقصيدة، من أداة للتعبير إلى مساحة مواجهة صامتة، حيث يُقال كل شيء من دون مراوغة. هنا، يتسلّل الوجداني بخفة، مما يجعل القارئ يشعر بعمق الألم والصدق، دون أن يغرق النص في العاطفة وحدها.

منذ ديوانها الأول Les Textes blonds (1963)، يظهر أن الشعر عند ناديا هو إمساك بما يتفلّت من الواقع. الكلمات قصيرة، متقشّفة، كأنها تخشى أن تقول أكثر مما يحتمل القارئ. في هذا الاقتصاد اللغوي شيء من الصمت المكسور، وصدى لما لا يُقال. القارئ يشعر أن كل كلمة موضوعة بمسؤولية، وأنه ليس مجرد متلقي، بل شاهد على جهد اللغة في احتواء الانكسار.

في دواوينها اللاحقة، مثل Rêves de la Terre (1975) وLiban, vingt poèmes pour un seul amour (1979)، وصولًا إلى ذروة تجربتها الوثائقية في Archives affectives de la guerre au Liban (1982)، تتكثف هذه الكتابة القائمة على توتر داخلي دقيق. الجملة لا تتوسع، ولا تشرح، بل تصيب مباشرة. لا صور مريحة، لا استعارات زائدة. كل كلمة تختار موقعها كما لو كانت جسدًا حيًا في القصيدة، يتحرك بين الألم والوعي.

من خلال متابعة مجموعاتها الشعرية، أرى أن ناديا حمادة تويني لم تكتب للزينة أو للاستهلاك اللحظي. قصيدتها تعكس التزامًا صارمًا بالصدق، ومواجهة شجاعة للواقع اللبناني المعقّد. في كل سطر، أجد شاعرة لا تهرب من الألم، بل تصنع منه لغة صافية، دقيقة، قادرة على البقاء في الذاكرة. هذه الصلابة الأخلاقية للشعر، في رأيي، هي ما يجعل تجربة ناديا استثنائية، ويحوّلها إلى مرجع لكل من يبحث عن الشعر الذي لا يخون الكلمة ولا القارئ.

مع الحرب الأهلية اللبنانية، تتخذ الكتابة الفرنسية عند ناديا نبرة أكثر حدّة، كما يظهر في Archives affectives de la guerre au Liban (1982). الحرب ليست حدثًا، بل حالة تتسرب إلى اليومي: القلق، الخوف، الفقد، كلها تسكن داخل القصيدة. لا صوت قذائف يهيمن، بل إحساس بأن الزمن انفصل عن نفسه، وأن الحياة أصبحت اختبارًا يوميًا للغة وللذات. القصيدة هنا دفتر داخلي يسجل ما لا يُقال في الأخبار، وما لا ينجزه الواقع.

الحب، الطبيعة، الموت، كلها حاضرة، لكنها ليست مجرد مواضيع مستقلة. الشعر عند ناديا هو محاولة لإعادة ترتيب الذات والعالم معًا، عبر لغة لا تترك مساحة للزينة، بل للمسار الصادق للوعي. الطبيعة ليست خلفية وصفية، بل امتداد للذات، حيث الريح والبحر والليل والعصافير تحمل رموزًا للرحيل، للبراءة، وللخيال. الموت يتقاطع مع الحب والخوف والفراغ، ليصبح هاجسًا دائمًا يتحدى القارئ، ويضعه أمام حقيقة التجربة الإنسانية في لبنان.

قد يُقرأ بعض شعرها في ضوء الانزياحات السريالية، لكن هذه الانزياحات ليست لعبة فنية، بل تعبير عن تشظّي الواقع واللغة في زمن الحرب. غنائية نصوصها، رغم انفجارها الداخلي، تبقى محكومة، كما لو كانت لغة تجريبية تدرس حدودها بنفسها قبل أن تُترك للقارئ.

اليوم، تبقى ناديا حاضرة في كل كلمة مكتوبة بالفرنسية عن لبنان، في كل نص يجرؤ على النظر إلى الألم بلا أقنعة. قصيدتها لا تعد بالخلاص، لكنها تصدم، تثير الأسئلة، وتترك أثرًا صامتًا يختبر صبر القارئ، ويراهن على قدرة اللغة على الصمود أمام الفقد والحياة والحرب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق