نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
القلق: العدو الصامت الذي يعطّل قراراتنا ويختبر علاقاتنا - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 يناير 2026 10:24 صباحاً
ناهيا أبو ابراهيم - خبيرة علاقات زوجية وتنمية ذاتية
القلق ليس ذلك الخوف الواضح الذي نواجهه وندرك مصدره بسهولة. إنه حالة خفيّة، صامتة، تتسلّل إلى الداخل من دون ضجيج، وتعمل ببطء ولكن بعمق. قد يبدو الإنسان من الخارج متزناً، ناجحاً، مستقراً في حياته المهنية والاجتماعية، بينما يعيش داخلياً حالة توتّر دائم واستعداداً مستمراً لأسوأ السيناريوهات.
في جوهره، القلق ليس شعوراً عابراً، بل نمط داخلي يطاول التفكير، ويؤثر في الجسد، ويوجّه القرارات من دون أن يَشعر صاحبه. ومن خلال خبرتي كمدربة حياة وخبيرة علاقات زوجية، ألاحظ أن القلق أصبح أحد أكثر العوامل الخفية التي تُضعف جودة الحياة وتُربك العلاقات، حتى في الحالات التي لا تبدو فيها أسبابه واضحة أو منطقية.
ما هو القلق؟
القلق هو شعور مستمر بعدم الأمان، مرتبط بالمستقبل وما قد يحدث، لا بما يحدث فعلياً في اللحظة الراهنة. يرافقه توتّر جسدي مثل خفقان القلب، الأرق، شدّ العضلات، وصعوبة التركيز، إلى جانب تفكير مفرط وسيناريوهات ذهنية تميل إلى السلبية.
يعيش الإنسان القَلِق في حالة ترقّب دائم، كأنه ينتظر خطراً لا يستطيع تحديد شكله أو توقيته. ومع مرور الوقت، يتحوّل القلق من إحساس موقت إلى أسلوب تفكير يحدّ من القدرة على الشعور بالطمأنينة والاستقرار الداخلي.

الجذور النفسية للقلق
لا ينشأ القلق من فراغ، بل غالباً ما يكون امتداداً لتجارب سابقة تركت أثراً نفسياً عميقاً. قد يكون نابعاً من حرمان عاطفي، أو صدمات نفسية، أو علاقات افتقد فيها الإنسان الشعور بالأمان، أو الاحترام، أو الثبات. كما تلعب الضغوط المزمنة والمسؤوليات الثقيلة دوراً أساسياً في إبقاء الجهاز العصبي في حالة استنفار دائم.
إضافة إلى ذلك، تؤثر التنشئة الاجتماعية بشكل مباشر، خصوصاً في البيئات التي لا تسمح بالتعبير عن المشاعر، أو التي تزرع الخوف من الخطأ والفشل. في هذه الحالات، يتحوّل القلق إلى آلية دفاعية هدفها الحماية، لكنه مع الوقت يصبح عبئاً داخلياً يقيّد صاحبه بدل أن يحميه.
القلق والخوف: تشابه واختلاف
الخوف استجابة طبيعية لتهديد محدد وواضح، وينتهي بزوال سببه. أما القلق، فهو خوف ممتد من أمر غير محدد، وغالباً غير واقعي. إنه مرتبط بالاحتمالات لا بالوقائع، وبما قد يحدث لا بما يحدث فعلاً.
هذا الفرق الجوهري يجعل القلق أكثر إنهاكاً، لأنه يستنزف طاقة ذهنية عالية، ويُبقي الإنسان عالقاً في المستقبل، عاجزاً عن الحضور الكامل في لحظته الراهنة.
تأثير القلق على العلاقات
لا يبقى القلق حبيس الداخل، بل ينعكس بوضوح على العلاقات، ولا سيما منها العلاقات الزوجية والعاطفية.
الشخص القَلِق غالباً ما يعيش حالة حذر دائم، ويجد صعوبة في الانفتاح العاطفي الكامل، ما يضعف الثقة ويُفاقم سوء الفهم.
كما أن القلق يسلب الشريكين القدرة على العيش في الحاضر، ويجعل العلاقة محكومة بالتوقع والخوف بدل الطمأنينة والتواصل الصحي. ومع الوقت، تتسع المسافة النفسية بين الطرفين، حتى وإن بدا القرب موجوداً شكلياً.
القلق وتأثيره على القرارات
من أخطر آثار القلق أنه يُضعف القدرة على اتخاذ القرار. لا يمنع الإنسان من الاختيار بشكل مباشر، لكنه يجعله متردداً، متشككاً، ومؤجلاً لخطوات مصيرية في حياته الشخصية أو المهنية.
القلق يضخّم المخاطر، ويُقلّل من رؤية الفرص، فيبقى الإنسان أسير التفكير والتحليل المفرط، بدل الانتقال إلى الفعل.
كيف يمكن التعامل مع القلق؟
القلق قابل للفهم والتخفيف إذا تم التعامل معه بوعي وجدية. ومن أهم الخطوات العملية:
-تنمية الوعي الذاتي وملاحظة المحفزات من دون إنكار أو قسوة على الذات.
-تنظيم الجسد عبر التنفس العميق، والتأمل، والعودة إلى الحضور في اللحظة.
-تفكيك أنماط التفكير السلبية وإعادة النظر فيها بواقعية ومنطق.
-التواصل الصادق مع أشخاص موثوقين لتخفيف العبء الداخلي.
-اتخاذ خطوات صغيرة ومدروسة تعيد الإحساس بالسيطرة والقدرة.
كما أن اللجوء إلى جلسات تدريبية مع مدرب حياة، أو العلاج النفسي المتخصص، لا يُعدّ ضعفاً، بل خطوة ناضجة وشجاعة. هذه المسارات تساعد على فهم الجذور العميقة للقلق، شفاء الجروح النفسية، وبناء أدوات صحية للتعامل مع الخوف بدل الهروب منه.
القلق شعور إنساني طبيعي، لكنه يتحوّل إلى عائق حين يُترك من دون وعي أو معالجة. فهمه، والاعتراف به، وطلب الدعم المناسب، هي خطوات أساسية لتحرير النفس من سيطرته.
وعندما يتحرر الإنسان من القلق، يستعيد قدرته على الاختيار بثقة، ويبني علاقات أكثر استقراراً، ويعيش حياته بقدر أكبر من الشجاعة، والاتزان، والطمأنينة.











0 تعليق