الماجور القِنّائي.. إناء الذاكرة ودفء الهوية - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الماجور القِنّائي.. إناء الذاكرة ودفء الهوية - تواصل نيوز, اليوم الخميس 8 يناير 2026 12:56 صباحاً

في بيوت قِنا، وخصوصا مراكز الشمال، لم يكن الماجور مجرد إناءٍ فخاريّ صامت، بل كان قلبا نابضًا للحياة اليومية، ووعاءً للخير، وذاكرةً تحفظ طعم اللبن، ورائحة السمن البلدي، وحكايات الأمهات، وكرم الجيران. هو قطعة من الطين الصلصال صُنعت لتصير هوية، وملامح تراث شعبي أصيل، سبق الكهرباء والثلاجة، فكان الصومعة والماجور معًا مدرسةً في الاكتفاء والجمال والذوق.

الماجور بوصفه ذاكرة البيت القِنّائي

يرى طارق المأذون أن الماجور إناءٌ «وسط»، ليس بالكبير ولا الصغير، لكنه يتسع للحياة. فيه كان اللبن يُجمع من الجاموس والبقر، ويُحفظ في الصومعة—ذلك المكان المصنوع خصيصًا من الطين، بلا منافذ إلا باب أو طاقة صغيرة—فيكون شتاءً دافئًا وصيفًا لطيفًا.

في الماجور تتكوّن القِشطة على وجه اللبن، فتبدو كقصيدةٍ بيضاء لا يُدرِك جمالها من لم يتذوّقها. ومن القِشطة يبدأ طريق السمن البلدي، طريقٌ له طقوسه ومراحله، يعلّم الصبر ويكافئه بالطعم والرائحة التي تُشمّ من بعيد.

الماجور هنا ليس أداة حفظٍ فحسب، بل شاهد على زمنٍ كان للطعم فيه معنى، وللبيت نظام، وللغذاء قداسة.

طقوس السمن وبهجة المطبخ

يستعيد الحاج فتحي عبد الفتاح طقس القِرْبة المعلّقة على مثلثٍ خشبيٍّ أو في سقف الدار، تُحرّك «رايح جاي» بسواعد نشيطة، حتى تتكوّن كُرات القِشطة الطازجة داخلها.

ثم تُنقل القِشطة إلى إناءٍ فخاريٍّ كبير، تتعرّض للنضج فتسيح وتتحوّل إلى السمن البلدي—ذاك الذهب السائل الذي تفوح رائحته فتعلن اكتمال الطقس. ويبقى في الإناء ما يُسمّى المرقة، بقايا السمن، في قمّة الطعامة واللذاذة.

ومع الرايب والبوشة، ومع الخبز البلدي الساخن الخارج من الفرن، وبجواره الجبن الأخضر بالسمن البلدي، يتكوّن طبقٌ من عظمة التراث الشعبي، يكفي الماجور الواحد منه لإشباع خمسة أفراد بما يحمله من قيمٍ غذائية عالية وكرمٍ لا يُقاس.

الماجور كرم اجتماعي وحياةٍ مشتركة

يؤكّد سلمان أبو الحاج حسين أن الماجور كان لغة الجيرة والرحم. فالأم تهدي جيرانها وأهلها مواجير مملوءة بالقِشطة والرايب، خصوصا لمن لا يمتلك جاموسًا أو لم تلد جواميسهم. كان الخير يُتداول في أوعيةٍ من طين، فتتقوّى الروابط وتزدهر القلوب.

وفي يوم السوق، كانت البيوت عامرة بالدواجن، وتُخفى الوجبات الجاهزة والأطعمة المهمّة تحت المواجِر. وما إن يعود الصغار من المدارس حتى تسمع العبارة المحبّبة: «الغدا تحت الماجور»، فينكشف الغطاء عن أروع الأطعمة، وتُولد البهجة من جديد.

الماجور بين الوظيفة والقداسة

يروي عبد اللاه أبو المجد زيدان أدوارًا أخرى للماجور، تؤكّد مكانته الخاصة في الوعي الشعبي. فالماجور الكبير جدًّا استُخدم في عجن الدقيق البلدي قبل أن يحلّ الألومنيوم محلّ الفخار.

وللماجور دورٌ إنسانيٌّ فريد، إذ استُخدم في حالات الولادة المتعثّرة، حيث كانت الدايات يُجلسن الأمهات عليه لتسهيل الولادة الطبيعية—وظيفةٌ تجمع بين الخبرة الشعبية والإيمان بالحياة.

وقبل الاستخدام، كان الماجور يُعتّق: يدخل الفرن البلدي، ويتعرّض للنار، ويُطلى بالعسل الأسود ليبلغ تمامه وفخامته. ثم جاءت الأزمنة الحديثة، فتبدّل الفخار بالألومنيوم ثم البلاستيك، وقلّ الجمال، وتغيّر الطعم… ولم يعد الطعم هو الطعم.

الماجور القِنّائي ليس إناءً فحسب، إنه هويةٌ مصنوعة من طين وذاكرة. هو شاهد على اقتصاد البيت، وكرم الجيرة، وطقوس الطعام، ودفء الصومعة، وبلاغة البساطة. ومع تغيّر المواد وتبدّل الأزمنة، يبقى الماجور رمزًا للتراث الشعبي الأصيل، يدعونا لاستعادة الجمال، واحترام الطعم، وصون ما تبقّى من روح المكان.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق