نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
طقوس الأزمة اللبنانية: الدراجة النارية نهاراً والمنجّم ليلاً - تواصل نيوز, اليوم الخميس 8 يناير 2026 04:13 صباحاً
غسان مراد*
يعيش لبناننا تخبطاً في خضم أزمات متعددة، وأزمة بنيوية متجذرة في المجتمع على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي. يمكن تلخيص هذا الواقع بمشهدين رمزيين متناقضين ولكنهما متكاملان. المشهد الأول هو للمواطن العاجز الذي يتنقل نهاراً على دراجة نارية، مخترقاً الحفر والزواريب والفوضى العبثية التي تُخلق من دون محاسبة تُذكر. أما المشهد الثاني، فيتمثل في عودته ليلاً ليُثبّت عينيه على الشاشة مستمعاً إلى مُنجّم يدلي بنبوءاته كأنها بيانات رسمية لمشاريع مُثبتة وقيد التنفيذ.
إن الدراجة النارية في شوارعنا اليوم ليست مجرد وسيلة نقل، بل هي مؤشر صامت لإحصاءات الفقر والفوضى، فكلما زاد ضجيجها وتكاثرت أعدادها في بلد ما، كان دليلاً على حدة الانهيار، والعكس صحيح. وفي المقابل، ليس التنجيم مجرد ترفيه عابر، بل هو طقس جماعي يحمل من الثرثرة واللغو ما يكفي لإعادة إنتاج الأزمة ذاتها.
يشكّل التنجيم والدراجة النارية طقوساً رمزية لسلطة فوضى التواصل والإتصال، بحيث تتجسد هذه الفوضى فيزيائياً عبر الدراجات النارية وتعبيرياً عبر الشاشات. وبذلك، تتحول الأزمة إلى هوية جماعية، ويصبح اللايقين مادة للاستهلاك الإعلامي على الشاشات المتعددة، وبالتالي، تكشف هاتان الظاهرتان عن الخلل البنيوي ذاته.
وفي هذا السياق، تبرز الدراجة النارية كمؤشر على الانهيار المتحرك، إذ تضخم عددها كوسيلة نقل، وباتت تُعتبر دليلاً حركياً على تآكل هيبة الدولة. ويكشف هذا التدفق الهائل عجز الدولة التام عن توفير الخدمات العامة الأساسية، وعلى رأسها النقل المشترك من جهة، وعدم قدرتها على تنظيم هذه الفوضى المزدوجة الإطار من جهة أخرى.
ومن الملاحظ أن عدد هذه الظواهر يزداد مع تزايد الفقر والفوضى، مما يشير إلى أن الأزمة قد وصلت إلى قاع فجوة من الفجوات المتعددة... فجوة البنية التحتية المحفورة وغير القادرة على أداء وظيفتها. وفي ظل هذا الواقع المفروض، يبحث المواطن عن حلول متاحة ثم يتأقلم معها ليصبح هذا الواقع هو النمط الفعلي والطبيعي أسلوب حياة يومياً مرتجلاً. فالدراجة النارية، لا تمثل خياراً فردياً بقدر ما هي دلالة جماعية تعكس نمطاً بنيوياً مهترئاً لدولة متصدعة تعلن حجم انهيارها، لتصبح الدراجة النارية رمزاً من رموز التخبط الجماعي.
ويظهر التنجيم بشكل متكرر، بخاصة مع نهاية كل عام، عبر منجمين ومنجمات، بصّارون وبصّارات، يطلون على الشاشات بثقة مطلقة، كأنهم ينزلون من سماء ضبابية لبيع الأوهام وتوزيع تنبؤات تبدو كأنها حقائق رسمية أُنزلت من السماء. يفترشون بسطتهم في أسواق الإعلام لبيع الطمأنينة الزائفة لدكاكين وسائل الإعلام المتنوعة. وتشبه هذه الظاهرة الموسمية، إلى حد ما، رؤية راكبي الدراجات النارية يعبرون الطرق في كل الاتجاهات... ليس تعبيراً عن الترفيه وإنما احتفالاً جماعياً صريحاً باللايقين الذي يعيشه اللبناني. وبالتالي، لن يجد هذا المواطن الذي يتنقل نهاراً بين حفر الطرق والفوضى سوى العودة ليلاً للاستماع إلى المنجّمين لمعرفة مصيره وقدره، الذي تحول إلى برنامج تلفزيوني يُبث مباشرة مع بداية كل عام جديد، متمنياً أن تكون مصائب العام القادم أرحم. ويمكن القول إن هذا الاهتمام الشعبي بالتنجيم ليس بريئاً، بل هو انعكاس لفشل الخطاب العقلاني والمؤسسي، وشكل من أشكال الإنكار الجماعي في مواجهة واقع لا يُطاق.
التنجيم ليس مجرد كلام فارغ، بل هو إعادة إنتاج لثقافة الأزمة. فكما كان الناس يجتمعون سابقاً حول موقدة الحطب للاستماع إلى الأساطير، فإنهم يجتمعون اليوم مسمّرين أمام الشاشة للاستماع إلى تنبؤات غيبية تبدو مؤكدة، وهي لا تختلف كثيراً عن أساطير الماضي. لقد أصبح منجمو اليوم مديري المصير الافتراضي، ينشرون الوهم كمعرفة ومعلومات يقينية بلغة سفسطائية، وبذلك تتحول الأزمة إلى طقس جماعي يُعاد إنتاجه سنوياً.
أما الإعلام، الناشر الفعلي لهذه الحفلة الفولكلورية من التكاذب المباشر، فقد تخلى عن دوره النقدي ليصبح آلة لعرض الفوضى وسوقاً تعج بالضجيج للوهم. فالإعلام المتلفز المروّج أصبح أسيراً لمنطق "الترند"، حيث أن قيمة الخطاب لم تعد بما يحمله من معرفة، بل بما يجنيه من جذب للإعلانات تحت تأثير اقتصاد الانتباه، وبالتالي يتحول المشاهد إلى رقم كباقي الأرقام.
انطلاقاً من ذلك، فإن التنجيم هو مادة مثالية تثير الفضول وتعبئ الهواء وتضمن نسبة مشاهدة عالية رغم فراغ المضمون. وبالتالي يصبح الإعلام مسرحاً عبثياً يومياً عبر تحويل الأزمة إلى سلعة مربحة تتكرر كل يوم من خلال معلومات تُنسى في لحظة خروجها من "ديافراغم" المنجم اللاهث خلف تسجيل النقاط عسى أن يصيب البعض من نبوءته بموت مفاجئ أو بصاروخ يطير في الجو. أما لناحية الإعلاميين، فهم أيضاً مشاركون في هذا السيناريو الذين من المفترض بهم التحذير من هكذا مهزلة سنوية لتغطية الأزمات البنيوية.
على سبيل الاستطراد، فإن المجتمعات التي يعاني غالبها من السرقة المنظمة تجد نفسها عاجزة عن فعل أي شيء، في زمن تعيش فيه السلطة بنفسها حالة من التخبط. هذه السلطة، التي يُفترض بها أن تقدم رؤية مقنعة، تكتفي بالترقيع المستمر لهذه البنية المهترئة، إذ تدير الأزمة ساعة بساعة من دون استراتيجية واضحة أو أفق واقعي. لقد فقد الناس الثقة بإمكان التغيير، وبسبب كثرة التمنيات الزائفة المنجّمة التي تروجها السلطة، اعتادوا هذا النمط من الحياة وتأقلموا مع الفوضى التي أصبحت تمثل لهم الوضع الطبيعي، وهو وضع يتلخص بضجيج مستمر (دراجة نارية في النهار)، وتوقعات وهمية (منجّم في الليل)، وإعلام يروج الأوهام على مدار الساعة.
من منظور علم الاجتماع، ما نلاحظه ليس مجرد أعراض متفرقة، بل هو مكونات لثقافة أزمة متكاملة. فإذا كانت الدراجات النارية تمثل رمزاً للفوضى المادية، فإن التنجيم يمثل رمزاً للفوضى الرمزية، ويأتي الإعلام أداة لإعادة إنتاج كلتا الظاهرتين معاً.
لقد تحولت الأزمة من حالة ظرفية موقتة إلى نمط حياة يومي اعتادها المواطن كما اعتاد ذلك الرجل الذي ذهب إلى بَصَّارة لقراءة كفه، فقالت له: "ستعاني من الضيق خلال السنوات الخمس القادمة". فسُرَّ الرجل ظناً منه أن الفرج قريب، وسألها عما سيحدث بعد ذلك، فأجابت: "بعد ذلك ستتعود".
لقد حوّل هذا الواقع الفوضى إلى هوية والعبث إلى سياسة، وأصبحت الهيمنة الرمزية تُمارس عبر أدوات تبدو بريئة، لكنها في جوهرها تشكل آلية للسيطرة على العقول. فعندما ننظر إلى الدراجات النارية والمنجّمين معاً، لا نجد أنفسنا أمام مجرد ظواهر غريبة في المدن، بل هما مؤشران واضحان لأزمة متعددة البعد. فمن الناحية الاقتصادية والاجتماعية، تشير الدراجات النارية إلى عجز الفقراء عن التنقل وقصور الخدمات العامة، ومن الناحية السياسية، تكشف عجز الدولة التام عن تنظيم الحياة الحضرية، أما من الناحية الثقافية، فيكشف التنجيم عن انهيار الثقة بالعقلانية والمؤسسات.
في المحصلة، يظل الأمل معقوداً على تعافي هذا البلد، وهو ما سيتحقق عندما تتحسن وسائل النقل العام، وعندما تُتخذ القرارات بطريقة استراتيجية فاعلة بدلاً من الارتجالية والفوضى، وعندما تعيد السياسات الجادة المعنى إلى حياة الناس، وأخيراً، عندما يفقد المشعوذون جمهورهم.
وإلى ذلك الحين، ستظل الدراجة النارية والمنجّم والإعلام شهوداً على شعب يعيش تحت حصار وجودي، يحاول البقاء صامداً، في حين تُعاود الأزمة إنتاجها يومياً بطقوس متكررة، وكأن الفوضى ذاتها قد غدت الاستجابة الوحيدة المتاحة والطبيعية.







0 تعليق