حفل شتاء جازان … قراءةً واعية لخطاب قيادة - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حفل شتاء جازان … قراءةً واعية لخطاب قيادة - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 يناير 2026 12:53 مساءً

مساء الجمعة 2/1/2026م لم يكن توقيتًا عابرًا في روزنامة الفعاليات، بل لحظة مدروسة بعناية، اختير لها زمن الاجتماع وهدوء النفوس، ليحمل افتتاح مهرجان جازان الشتوي دلالته الكاملة بوصفه حدثًا تنمويًا وسياسيًا واجتماعيًا في آنٍ واحد. فالزمان هنا لم يكن إطارًا محايدًا، بل جزءًا من الرسالة، يؤكد أن القيادة حين تخاطب مجتمعها تختار اللحظة التي يكون فيها الإصغاء أعمق، والشراكة أوضح.
برعاية وحضور أمير منطقة جازان صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبد العزيز آل سعود، وبمشاركة نائبه سمو الأمير ناصر بن محمد بن جلوي، بدأ الحفل بافتتاح سموه لفعاليات المهرجان، في مشهد حمل رمزية القيادة القريبة من الناس. أعقب ذلك عرض فيلم وثائقي عن المشاريع التنموية في منطقة جازان، لم يُقدَّم بوصفه مادة تعريفية، بل كسرد بصري لمسارٍ تنموي يضع الإنسان في قلب المعادلة؛ بنية تحتية تُنجز، واقتصاد محلي يُحفَّز، وسياحة تُدار بوصفها هوية وذاكرة قبل أن تكون استثمارًا. هنا تتجلى السياسة في صورتها الهادئة: إدارة التنمية بوصفها أداة استقرار وبناء ثقة.
وتواصل المشهد بلوحة غنائية وطنية «الديار السعودية»، جاءت لتؤكد أن التنظيم لا يضبط الزمن فحسب، بل يُحسن إدارة المعنى؛ فالوطن ليس مركزًا وأطرافًا، بل نسيجًا واحدًا تتكامل فيه المناطق، وجازان إحدى نغماته الأصيلة. ثم جاء الأوبريت الغنائي للفنان محمد عبده ليمنح اللحظة بعدها الوجداني، حيث تحوّل الفن إلى لغة جامعة تختصر ما تعجز عنه الخطب، وتُقنع الوجدان قبل العقل.
غير أن العمق الحقيقي للمشهد تجلّى في اهتمام سموه وحرصه على إشراك وجهاء المنطقة من مشايخ وأعيان ورموز اجتماعية وثقافية في حفل الافتتاح. هذا الحضور لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية واجتماعية واعية مفادها أن التنمية لا تُفرض من أعلى، ولا تُدار بمعزل عن المجتمع، بل تُبنى بالشراكة مع رموزه المؤثرة. فمشايخ الشمل والأعيان حضروا بوصفهم امتدادًا للذاكرة الاجتماعية، وجسرًا يربط مشروع الدولة بقبوله الشعبي، بينما أكد حضور الرموز الثقافية أن التنمية مشروع وعي وهوية بقدر ما هي عمران واقتصاد.
في هذا المشهد المتكامل، بدت جازان وهي تحتفل بمهرجانها الشتوي نموذجًا لعلاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع: قيادة تحضر، وتنمية تُعرض بثقة، وفن يُجسّد المعنى، ووجهاء يشاركون في صناعة اللحظة لا في تزيينها. وبذلك لم يكن سموه يفتتح مهرجانًا فحسب، بل كان يبعث برسالة واضحة إلى أبناء جازان جميعًا، مفادها أن التنمية ليست مسارًا أحاديًا، ولا مشروعًا يُدار بمعزل عن أهله، بل شراكة تُبنى يدًا بيد؛ كأن سموه يقول لأبناء المنطقة: نلتقي اليوم في الاحتفال، ونمضي غدًا معًا في مسيرة التنمية والتطوير—قيادةً وشعبًا، حاضرًا متصلًا بجذوره، ومستقبلًا يُصاغ بتكامل الجهود لا بتفرّقها.
وأنا أراقب هذا المشهد، دار في خلدي سؤالٌ مشروع: ما الرسالة التي أراد سموه أن يوجّهها إلى مجتمع جازان في هذه المرحلة، وهو الذي أمضى تسع سنوات نائبًا يراقب ويرصد التفاصيل، قبل أن يتسلّم مؤخرًا زمام المسؤولية في إمارة المنطقة؟
يمكن تلخيص تلك الرسالة في معنى واحد واضح: أن التنمية ليست فعلًا حكوميًا منفصلًا عن الناس، بل مسارٌ تشاركي يقوم على الثقة المتبادلة والتلاحم بين القيادة والمجتمع. فهو يريد مجتمعًا شريكًا لا متلقيًا، يحوّل هويته وتراثه إلى طاقة عمل وإنتاج، وتكون نُخبه الاجتماعية والثقافية جسرًا واعيًا يربط الدولة بالناس، ويسهم في شرح الرؤية واحتضانها. ويريد في الوقت ذاته مجتمعًا منضبطًا في سلوكه، إيجابيًا في تعاطيه مع التحول، يرى في المشاريع فرصة لا عبئًا، ويقابل الطموح بالعمل والمبادرة، لتَمضي جازان—قيادةً وأبناءً—يدًا بيد في مسيرة التنمية والتطوير، بوصفها مشروعًا جماعيًا لا ينجح إلا بتكامل الجميع.
وفي ختام هذه القراءة، أرجو أن أكون قد وُفِّقت في فهم رسالة سموه كما تجلّت في تفاصيل المشهد لا في عباراته المعلنة فقط؛ فالمقال لا يدّعي التحدث باسم سمو الأمير، بقدر ما يقدّم قراءةً واعية لخطاب قيادة يُوجَّه بالفعل قبل القول. قراءة تستند إلى التوقيت، والتنظيم، وطبيعة الحضور، وتسلسل الرسائل، وتخلص إلى أن ما طُرح في حفل شتاء جازان لم يكن احتفالًا بقدر ما كان دعوة صادقة إلى شراكة، وإلى عملٍ مشترك، وإلى مسيرة تنمية لا تُدار من طرف واحد، بل تُبنى بثقة متبادلة بين القيادة والمجتمع، يدًا بيد، نحو مستقبلٍ يليق بجازان وأهلها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق