نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الإيمان على إيقاع جديد... الكاهن الـDJ يشعل الجدل في لبنان - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 11:03 صباحاً
في زمنٍ صار فيه القتل مشهداً يومياً، والسرقة حلالاً، والطمع مُباحاً... يُثار الجدل لا حول الجرائم ولا حول الفساد، بل حول كاهنٍ اختار أن يزرع الفرح بدل الخوف، وأن يخاطب الشباب بلغتهم لا بلغة التهديد والحُكم. وفي عصرٍ لم يعد فيه التّشدد يُقنع أحداً، ولا الخطاب التقليدي قادراً على لمس قلوب الأجيال الجديدة، يبقى السؤال: هل أخطأ كاهنٌ لأنه وجد طريقة مختلفة للتبشير؟
في لبنان، الغارق في أزماته الاقتصادية والاجتماعية، انفجرت موجة انقسام حادة، بعد الإعلان عن استضافة ملهى "AHM Club" للكاهن البرتغالي غويليرمي بيكسوتو، المعروف عالمياً بالكاهن الدي-جي، وذلك لإحياء حفلة موسيقى إلكترونية يوم السبت المقبل 10 كانون الثاني/يناير.
وفجأة، نُسيت الأزمات والمعاناة الحقيقية، وبدل أن يتصدّر النقاش العام حجم الانهيارات المتراكمة، من بطالةٍ تضرب الشباب إلى هجرة العقول وتراجع دور المؤسسات، والتهديدات الأمنية، انحرف الجدل نحو موسيقى وإيقاع، كأنها المشكلة الأشد إلحاحاً في بلدٍ يرزح تحت أزمات لا تُحصى.
الأب غويليرمي بيكسوتو لا يُمكن اختصاره بمشهد عابر أو مجرّد "ترند". وُلد في شمال البرتغال عام 1974، ودخل الكهنوت عام 1999، قبل أن تتوسع خدمته لتشمل العمل مرشداً روحياً في صفوف الجيش البرتغالي، حيث رافق الجنود في مهام خارجية إلى مناطق نزاع ككوسوفو وأفغانستان. وفي تلك الظروف، عام 2010، بدأت ملامح تجربته الموسيقية بالظهور، حين لجأ إلى الموسيقى كأداة دعم نفسي للجيش، لتتحوّل لاحقاً إلى مشروع يحمل بُعداً روحياً واضحاً. فبعد عودته إلى البرتغال، تلقّى دروساً متخصّصة في الـDJing، وراح ينظّم سهرات موسيقيّة خُصِّص ريعها لدعم رعيّته في لوندوس.
استضافة ملهى AHM Club للكاهن البرتغالي غويليرمي بيكسوتو
ومع مرور الوقت، انتشرت عروضه التي تمزج الألحان الدينية والفولكلورية بالإيقاعات الحديثة، محققة صدى واسعاً على المستوى العالمي، ومؤكدة أن الموسيقى يمكن أن تشكّل جسراً فعّالاً نحو الإيمان. واليوم، يتابع الأب غويليرمي أكثر من مليوني شخص على منصة إنستغرام.
وفي خضم السجال الدائر، تطورت الاعتراضات لتصل إلى القضاء، حيث تقدم 18 شخصاً، بينهم كهنة، بعريضة قانونية رسمية تطالب بمنع إقامة الحفلة، معتبرين أن ظهور الكاهن بزيّه الديني وهو يقدّم موسيقى "التكنو" داخل ملهى ليلي يمثل تشويهاً لصورة الديانة المسيحية وطقوسها، ويخالف الأخلاق العامة وتعاليم الكنيسة، محذرين من المساس بالمقدسات الدينية تحت ستار الترفيه.
في مقابل هذا الجدل، يغيب عن أذهان الكثيرين أن هذه التجربة لا تجري خارج الإطار الكنسي ولا تتعارض مع تعاليمه. فهذه العروض تُقام بعلم وموافقة الكنيسة، وتحظى برعاية واضحة من الفاتيكان، الذي لطالما شدّد على أهمية مخاطبة الشعوب بلغات قريبة من واقعهم. وقد رأى البابا الراحل فرنسيس في الموسيقى أداة جامعة تحمل رسالة سلام وروحانية، فيما يواصل البابا الحالي لاوون الرابع عشر دعم المبادرات التي تفتح آفاقاً جديدة أمام البشارة وتُعيد وصل الكنيسة بالأجيال الصاعدة.
واللافت أن زيارة الكاهن الـDJ إلى لبنان لا تقتصر على إحيائه الحفل الموسيقي الذي حُجزت بطاقاته بالكامل، بل تشمل أيضاً بُعداً روحياً واضحاً، إذ سيترأس يوم السبت عند الساعة الخامسة بعد الظهر قداساً إلهياً في جامعة الروح القدس – الكسليك، التي وجّهت دعوة مفتوحة إلى اللبنانيين لـ"اختبار الإيمان كما لم يعهدوه من قبل".
وبين من يرى في هذه الخطوة جرأة محبّبة تقرّب الشباب من الكنيسة، لا سيما أن عروض الأب غويليرمي تبدأ دائماً بتعابير تبشيرية واضحة وتُقدَّم على وقع رموز دينية بارزة، ومن يرفضها باسم التقاليد، يبقى السؤال الأعمق: إن كان رأس الكنيسة نفسه موافقاً على هذه التجربة ولا يرى فيها أيّ إساءة أو خروج عن التعاليم، فما المشكلة في اعتماد أسلوب تبشيري جديد؟ وإن كان هذا النهج قادراً على لمس قلوب 10 في المئة فقط من الحاضرين، أليس ذلك أجدى من أن تبقى الكنيسة مكتّفة اليدين، عاجزة عن مواكبة عصرٍ يتغيّر بسرعة غير مسبوقة؟












0 تعليق