نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
آفاق التمويل التنموي العالمي 2026: ازدواجية الذكاء الاصطناعي وتآكل المساعدات التقليدية - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 07:33 صباحاً
يا لها من مفارقة حادة: بينما يوجه رأس المال العالمي نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، تتراجع قاعدة التمويل التنموي التقليدي (Official Development Assistance - ODA) بشكل تاريخي. يهدد هذا المسار المزدوج (Dual-Track Financing) بتعميق الفجوات العالمية، خصوصاً في القطاعات الأساسية كالصحة والتعليم والبنية التحتية المناخية.
التحدي الأبرز الذي يواجه التنمية في 2026 هو إدارة التناقض بين الحاجة الملحة للتحول الرقمي المدفوع بالذكاء الاصطناعي، والانهيار الوشيك لتمويل الخدمات الأساسية. تتطلب هذه البيئة المتقلبة تحولاً جذرياً في كيفية عمل مؤسسات التمويل التنموي (DFIs)، والتركيز على الكفاءة، وحشد رأس المال الخاص.
الانهيار الهيكلي لمتطلبات التمويل
تظل الفجوة التمويلية اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) بحلول 2030 هائلة، حيث تقدرها الأمم المتحدة بما يتراوح بين 2,5 و 4,3 تريليونات دولار سنوياً. وتتضمن هذه الفجوة حاجة سنوية قدرها 1,8 تريليون دولار لمتطلبات التكيف المناخي وحده. مع ذلك، تشير التوقعات الاقتصادية الكلية لعام 2026 إلى استمرار النمو العالمي المعتدل، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ النمو العالمي إلى 3.1%. وهذا تباطؤٌ يحدّ من الإيرادات الحكومية، ويزيد من الضغط على الدول المانحة لتخفيض نفقاتها الخارجية.
يتمثل جزءٌ من التحدي في أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يُغذي ما يُحتمل أن يكون أكبر دورة إنفاق رأسمالي في الولايات المتحدة منذ عقود. يركز هذا الإنفاق الهائل بشكل شبه حصري على الشمال العالمي، حيث تلقت دول الجنوب العالمي 12,1 مليار دولار فقط في تمويل الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ 108,3 مليارات دولار في الشمال العالمي. يؤدي هذا التركيز إلى "تأثير تزاحمي" (Crowding Out) يسحب رأس المال والمواهب والاهتمام الاستثماري بعيداً عن المشاريع التنموية التقليدية الأشد حاجة للتمويل في الأسواق الناشئة. كما أن هذا الاعتماد الكبير على الإنفاق الرأسمالي المتعلق بالذكاء الاصطناعي يخلق هشاشة في الاقتصاد العالمي؛ فإذا انهار التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي وتوقفت عمليات الإنفاق، فذلك سيعرض الاقتصادات المتقدمة للخطر، وهذا يقلل من تدفقات التمويل الخاصة الباقية إلى الدول النامية.
مثّل مؤتمر Momentum 2025، الذي عقده الصندوق الوطني للتنمية (NDF) في الرياض، نقطة تحول استراتيجية لإظهار كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز كفاءة التمويل التنموي بدلاً من مجرد كونه غاية بحد ذاته. وشهد المؤتمر التوقيع على 45 مذكرة تفاهم واتفاقية بقيمة إجمالية بلغت نحو 6 مليارات ريال سعودي (ما يعادل 1,59 مليار دولار)، ركزت على قطاعات حيوية تشمل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والسياحة، والبنية التحتية، والرياضة، والتربية، ورأس المال البشري. والأهم من ذلك كان التوقيع على اتفاقيتين استراتيجيتين لدمج الذكاء الاصطناعي والبيانات والحلول الرقمية في منظومة التمويل التنموي التابعة للصندوق الوطني للتنمية. الهدف المعلن لهذا التكامل التكنولوجي هو تحسين القدرات المؤسسية، وتشجيع الابتكار في المنتجات والخدمات، وتحسين الكفاءة والتأثير الإجمالي للتمويل التنموي في المملكة. هذا التوجه يضع الذكاء الاصطناعي كأداة لتعظيم العائد التنموي على كل ريال تستثمره المملكة، وهي استراتيجية حكيمة في ضوء القيود المالية العالمية المتزايدة.
تآكل قاعدة التمويل التنموي التقليدي
يمثل التراجع الحاد في المساعدات الإنمائية الرسمية تهديداً وجودياً للتنمية في الدول الأشد فقراً، خصوصاً في 2026. فالبيانات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) تظهر أن المساعدات الإنمائية الرسمية بدأت في الانخفاض: سجلت تراجعاً بنسبة 9% في 2024، ومتوقع أن تنخفض بين 9 و 17% في 2025. يمثل هذا التراجع المزدوج انخفاضاً إجمالياً قدره 56 مليار دولار في عامين (2024 و 2025) مقارنة بمستويات 2023، وهذا يعيد مستويات المساعدات الإنمائية إلى ما كانت عليه في 2020.
يعود هذا التراجع إلى خفض معلن ومنسق قرره أربعةٌ من أكبر المانحين: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا. ويُشكل هذا التحول إشارة إلى أن الضغوط المالية المحلية في الشمال العالمي، إلى جانب التوجه نحو الاستثمار في التكنولوجيا داخلياً، تفوق حالياً الالتزامات الخارجية للتمويل التنموي. هذا الانكماش المتوقع يبرر التوجه الاستراتيجي نحو التمويل الإقليمي وحشد رأس المال الخاص كمصادر تمويل أكثر موثوقية في 2026.
إلى ذلك، تتصاعد أزمة الديون كعائق هيكلي أمام التنمية. يعيش أكثر من 3,3 مليارات شخص حول العالم في دول تخصص أموالاً لخدمة فوائد ديونها أكثر مما تنفقه على التعليم أو الصحة. هذا الواقع يحول دون استخدام الموارد المحلية في التنمية ويزيد من الحاجة إلى قروض خارجية جديدة، ما يدخل الدول في حلقة مفرغة.
تداعيات على التنمية الشاملة
تكشف النظرة المستقبلية لعام 2026 عن تباين خطير بين الاحتياجات التمويلية الحرجة والموارد المتاحة، خصوصاً في البنية التحتية والمجالات التي تحتاج إلى التكيف مع آثار التغير المناخي.
تتجاوز الفجوة في تمويل البنية التحتية وحدها في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل 1,5 تريليون دولار سنوياً. لا يقتصر الأثر على البنية التحتية التقليدية، بل يمتد إلى التحول في الطاقة النظيفة. فبالرغم من وصول الاستثمار العالمي في الطاقة النظيفة إلى تريليوني دولار في 2024، فإن 15% فقط من هذا المبلغ يتدفق إلى الاقتصادات الناشئة والنامية (باستثناء الصين). هذا النقص في التمويل يعيق الدول الأكثر عرضة لآثار تغير المناخ من بناء المرونة اللازمة والشبكات الرقمية التي تعد ضرورية للاستفادة من التقنيات الجديدة.
إلى ذلك، فجوة تمويل التكيف المناخي تتسع باستمرار. فبينما سجلت بنوك التنمية متعددة الأطراف (MDBs) رقماً قياسياً في التمويل المناخي (137 مليار دولار في 2024)، تبقى الفجوة في تمويل التكيف أكبر كثيراً. تحتاج الدول النامية إلى ما يزيد عن 310 مليارات دولار سنوياً حتى 2035 للتكيف مع الآثار المتفاقمة لتغير المناخ. ونظراً لأن مشاريع التكيف (مثل البنية التحتية المقاومة للكوارث) لا تملك عائدات تجارية واضحة مثل مشاريع التخفيف (مزارع الطاقة الشمسية)، فإنها تعتمد تاريخياً على التمويل الميسر والمنح.
الذكاء الاصطناعي وتفاقم الفجوة الرقمية
يؤدي التركيز المفرط لرأس المال في الشمال العالمي على الذكاء الاصطناعي إلى توسيع الفجوة الرقمية، ما يحرم الأسواق الناشئة من الفرص ويزيد من تعرضها للمخاطر الاقتصادية.
إن التفاوت في تمويل الشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي (108,3 مليارات دولار في الشمال مقابل 12,1 مليار دولار في الجنوب) يمثل تناقضاً صارخاً. لا يقتصر هذا التفاوت على الأموال، بل يساهم في "نزيف الكفاءات" (Brain Drain) حيث تنجذب المواهب التقنية والخبرات إلى المراكز المالية في الشمال، ما يترك الدول النامية أقل قدرة على بناء البنية التحتية الرقمية الخاصة بها أو الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتعزيز النمو المحلي.
يتطلب التكيف المناخي الفعال بنية تحتية رقمية ذكية، كأنظمة الإنذار المبكر وشبكات الطاقة الذكية. والافتقار إلى تمويل البنية التحتية (1,5 تريليون دولار) ونقص الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في الجنوب يضع الدول الأكثر عرضة للمناخ في موقف ضعف تقني، وهذا يجعل الاستثمار في التحول الرقمي أولوية حاسمة لتمويل التكيف في 2026.
إلى ذلك، يمثل التبني السريع للذكاء الاصطناعي في القطاع المالي مخاطر نظامية جديدة على الاستقرار العالمي في 2026. يحذر مجلس الاستقرار المالي (FSB) من مخاطر ناشئة تشمل الاعتماد المفرط على عدد قليل من مزودي الخدمات التقنية الخارجيين، ومخاطر النماذج الحسابية، وتزايد مخاطر الأمن السيبراني والاحتيال المالي نتيجة للذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI). ويؤدي عدم وجود إطار تنظيمي عالمي متسق (Regulatory Gap) إلى زيادة عدم اليقين والمخاطر، ما يرفع تكلفة الاقتراض ويقلل من تدفقات التمويل الخاصة إلى الأسواق النامية. لذلك، فإن وضع إطار حوكمة قوية للذكاء الاصطناعي في القطاع المالي، وهو ما تدعو إليه الأطراف الفاعلة في المنطقة، يعد ضرورة قصوى لضمان أن الابتكار لا يأتي على حساب الاستقرار المالي والتنموي.
استراتيجيات مبتكرة لردم الفجوات التمويلية
- لم يعد دور بنوك التنمية متعددة الأطراف (MDBs) يتمثل في الإقراض الأساسي، بل يجب أن يتحول إلى حشد رأس المال الخاص. ويجب أن تكون الضمانات وآليات تقاسم المخاطر هي الأداة الرئيسية في خارطة طريق تطور مجموعة البنك الدولي (Evolution Roadmap). فهذه الأدوات هي الأشد فعالية في تحويل المخاطر المرتفعة المتصورة للاستثمار في الدول النامية إلى نسب مقبولة للمستثمرين من القطاع الخاص.
- ينبغي استخدام التمويل المختلط (Blended Finance) لتغطية مشاريع المنافع العامة، خصوصاً في مجالات التكيف المناخي والبنية التحتية الحيوية التي تفتقر إلى الجدوى التجارية السريعة. وذلك يتطلب تضافر جهود المانحين التقليديين ومؤسسات التمويل الإقليمية لتوفير التمويل الميسر والضمانات كطبقات حماية للمستثمرين.
- معالجة عبء الديون شرط أساس لتحرير الموارد المحلية للتنمية. يجب إحراز تقدم كبير في آليات إعادة هيكلة الديون التي تضمن توجيه الموارد المحررة نحو الاستثمار في القطاعات الأساسية، مثل الصحة والتعليم، بدلاً من تمويل خدمة الديون.
- يظهر التمويل من خلال المنصات الوطنية أداة قوية لربط الأولويات الوطنية بالتمويل الخاص. على سبيل المثال، استخدم برنامج "Eco Invest" في البرازيل التمويل المختلط وأدوات التحوط من مخاطر العملات الأجنبية لجذب مليارات الدولارات من الالتزامات الخاصة لمشاريع التحول البيئي المستدام. ونشر هذا النموذج يمكن أن يربط مشاريع البنية التحتية والتحول الرقمي في الدول النامية مباشرة بالسيولة العالمية.
- يمكن الذكاء الاصطناعي أن يكون العمود الفقري لحوكمة فعالة وشمول مالي. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يحسن الذكاء الاصطناعي استهداف برامج التحويلات النقدية في الدول النامية، ما يضمن وصول الأموال إلى المستحقين كما حدث في توغو. كما أن ظهور شركات "التمويل الآلي" (FinAIs) في أسواق الشرق الأوسط يتيح الفرصة لتعزيز الشمول المالي وتوسيع الخدمات المصرفية إلى المناطق النائية في الجنوب العالمي.











0 تعليق