دينا الحسيني تكتب: إخوان الدم.. من إنكار صراعاتهم الداخلية إلى مخطط إثارة الفوضى بـ«مصادر وهمية» - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
دينا الحسيني تكتب: إخوان الدم.. من إنكار صراعاتهم الداخلية إلى مخطط إثارة الفوضى بـ«مصادر وهمية» - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 08:55 مساءً

بدأت الحكاية تحت ستار الدعوة، ثم تطورت إلى جماعة ذات تنظيم مغلق وشبكة أذرع ممتدة خاصمت القوى السياسية ثم صالحتها، واصطدمت مع الدولة ثم حاولت الالتفاف عليها، تنقلت بين التجارة بالدين، والتشنيع السياسي، واستخدام العنف، ثم الأكاذيب، في دورات متكررة تكاد تتطابق عبر الزمن.

 

إنها جماعة الإخوان الإرهابية التى ادعت الحديث بأسم الدين، ومع الإقتراب من أهدافها ظهر وجهها الحقيقي، وحين تعرّت أمام المجتمع، لجأت إلى العنف، وحين انكشف العنف، احتمت بالكذب، لتعيد الحكاية من بدايتها إلى نهايتها في كل مرة، دون مراجعة أو إعتراف، رغم أنها باتت مكشوفة للجميع.

 

السياسة الإخوانية واصحة، تبدأ بالتسرب الناعم من باب العاطفة الدينية، ثم استعجال التمكين عند أول فرصة، فالمجاهرة بالقوة وإقصاء الخصوم، وبعد الهزيمة لا يبقى سوى الشائعة. هكذا، في كل مرة تفشل فيها جماعة الإخوان الإرهابية في تحقيق أي اختراق سياسي أو جماهيري حقيقي، تلجأ إلى السلاح ذاته: الشائعة لا باعتبارها خطأً عابراً أو زلة لسان، وإنما كمنهج متكامل لإدارة الفشل وتعويض الغياب عن المشهد.

 

فالجماعة التي فقدت قدرتها على الحشد، ولم تعد قادرة على التأثير في الشارع، اختارت أن تصنع واقعًا موازيًا عبر منصاتها، قائمًا على روايات بلا مصادر، ومعلومات منسوبة إلى مصادر وهمية لقبتها بـ «دوائر مطلعة»، وأحداث كبرى لا يراها أحد إلا في خيال من يروّج لها.

 

المتأمل في خطاب الإخوان خلال السنوات الأخيرة، يلاحظ نمطًا متكررًا لا يتغير: حين تغيب القدرة على الفعل، يبدأ الحديث عن «انقسامات»، وحين تسقط أوراق الضغط، تُصنَع قصص عن «صراعات»، وحين يتأكد لهم أنهم خارج المعادلة، يحاولون الإيحاء بأنهم ما زالوا داخلها عبر الإدعاء بامتلاك معلومات أو علاقات أو تأثير لا وجود له في الواقع.

 

هذه الشائعات لا تستهدف شخصًا بعينه، بقدر ما تستهدف فكرة الدولة ذاتها، فالهدف الأساسي هو ضرب الثقة، وإيهام الرأي العام بأن هناك خللًا داخليًا أو تصدعًا، في محاولة لتعويض العجز عن المواجهة السياسية الحقيقية.

 

لكن المفارقة التي يتجاهلها الإخوان عمدًا، أن الجماعة نفسها عاشت وهي في قمة السلطة على وقع انقسامات حقيقية، لم تكن شائعات ولا روايات مفبركة، بل صراعات واقعية داخلية، يعرفها كل من تابع المشهد عن قرب خلال عام 2012.

 

حين كانت الجماعة في الحكم، لم يكن الخلاف غائبًا، بل كان مكتومًا، انقسامات داخلية بين مكتب الإرشاد والجماعة، صراعات على من يدير القرار، ومن يقترب أكثر من الرئيس، ومن يُستبعد من المشهد، شخصيات إخوانية بارزة جرى تهميشها، وأخرى أُبعدت تمامًا بعد تولي محمد مرسي الحكم، في إطار إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل التنظيم.

 

ومع ذلك، في تلك اللحظة، كانت الجماعة تنكر أي حديث عن خلافات، كل من أشار إلى وجود انقسام داخلي أو صراع على السلطة، كان يُتهم بالكذب، وبأنه يروج شائعات، أو يعمل على تشويه التجربة، الحقيقة التي تكشفت لاحقًا، أن ما وُصف وقتها بـ«الشائعة» كان واقعًا، وأن الإنكار لم يكن سوى محاولة لستر أزمة داخلية حقيقية.

 

اليوم، وبعد أن خرجت الجماعة الإرهابية من الحكم، انقلب المشهد رأسًا على عقب، الجماعة التي كانت تُكذب الحديث عن انقساماتها، أصبحت تعتمد بالكامل على ترويج روايات عن انقسامات غيرها، الفارق الجوهري، أن ما كان حقيقة بالأمس، أصبح اليوم ادعاءً بلا دليل.

 

فالخطاب الحالي للإخوان يقوم على نمط واحد لا يتغير: حين يفشلون سياسيًا، يروّجون لفكرة أن الدولة منقسمة، وحين يعجزون عن الحشد، يصدرون روايات عن صراعات داخلية، وحين يفقدون القدرة على الفعل، يدّعون امتلاك معلومات أو علاقات أو تأثير لا وجود له إلا في منصاتهم.

 

والمفارقة أن الجماعة التي تتحدث ليل نهار عن «الحقيقة» و «الشفافية»، هي نفسها التي بنت تاريخها على الأكاذيب، وراكمت فشلها عبر روايات ثبت زيفها مع الوقت، منذ عام 2013، والجماعة تروّج لسيناريوهات السقوط الوشيك، والانهيار القريب، والانقسام الداخلي، لكن الواقع في كل مرة كان أقوى من الشائعة، وأكثر ثباتًا من الرواية المصنوعة.

 

الأخطر في هذا الخطاب ليس كذبه فحسب، بل تعمده اللعب على وتر التماسك الداخلي، فحين تعجز الجماعة عن التأثير في المجتمع، تحاول الإيحاء بأن المجتمع نفسه منقسم، وأن مؤسساته متصارعة، في محاولة لإرباك المشهد وبث الشكوك.

 

لكن التجربة أثبتت أن هذا الأسلوب، رغم تكراره، لم يحقق سوى نتيجة واحدة: مزيد من العزلة، فالجماهير التي خبرت هذا الخطاب، لم تعد تتعامل معه كخبر، بل كجزء من آلة دعاية فقدت مصداقيتها.

 

 

إن أخطر ما تواجهه الشائعات هو الزمن. فمع مرور الوقت، تسقط الروايات واحدة تلو الأخرى، بينما يبقى الواقع شاهدًا على الفارق بين من يعمل على الأرض، ومن يكتفي بالضجيج عبر الشاشات.

 

وفي النهاية، لا تحتاج الأكاذيب إلى ردود مباشرة بقدر ما تحتاج إلى أن تُترك في مواجهة الحقيقة، فالدولة لا تُدار بالشائعات، والمجتمعات لا تنهار بالروايات المفبركة، ومن فقد القدرة على الفعل الحقيقي، سيظل أسيرًا للكلام ..مهما أعاد تدويره.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق