السفير كريم شريف مساعد وزير الخارجية للشئون الإفريقية لـ«صوت الأمة»: إفريقيا في قلب سياسة مصر الخارجية "حوار" - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
السفير كريم شريف مساعد وزير الخارجية للشئون الإفريقية لـ«صوت الأمة»: إفريقيا في قلب سياسة مصر الخارجية "حوار" - تواصل نيوز, اليوم السبت 3 يناير 2026 02:57 مساءً

السفير كريم شريف مساعد وزير الخارجية للشئون الإفريقية:
الحفاظ على حرية وأمن الملاحة مسؤولية جماعية.. والبحر الأحمر يجب أن يظل ممرًا للتعاون الدولي لا ساحة للتنافس أو التوترات الجيوسياسية


الاعتراف الإسرائيلي بـما يُسمى بـ«أرض الصومال» سابقة خطيرة.. واستقرار القرن الإفريقي ركيزة للتوازن الإقليمي.. وأمن باب المندب مرتبط مباشرة بأمن قناة السويس


تعاملنا مع الملفات الإفريقية مرتبط بثوابت لم تتغير أهمها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها ووحدتها


القاهرة لم تغلق باب الحل السلمي والتفاوضي مع إثيوبيا.. وتحتفظ بكامل حقها في اتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات لحماية أمنها المائي 


مصر رائدة إعادة الإعمار والتنمية داخل الاتحاد الإفريقي.. وسد جوليوس نيريري نموذج للشراكة المصرية الإفريقية


الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية أداة محورية في إفريقيا.. والأزهر الشريف يلعب دورًا أساسيًا في مواجهة الفكر المتطرف بالقارة

 

في توقيت بالغ الدقة، تشهد فيه القارة الإفريقية تحولات عميقة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتتعرض فيه خرائط النفوذ لإعادة رسم متسارعة بفعل التنافس الدولي والصراعات الإقليمية، تعود إفريقيا مجددًا إلى صدارة الاهتمام باعتبارها إحدى أهم ساحات الصراع والتوازن في النظام الدولي الجديد.

 

الرئيسية كريم شريف

 

من القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مرورًا بأزمات المياه وحوض النيل، وصولًا إلى ملفات الإرهاب والتنمية وإعادة الإعمار، باتت القارة الإفريقية تمثل عمقًا استراتيجيًا لا يمكن فصله عن معادلات الأمن القومي المصري.. وفي هذا الإطار، تطرح «صوت الأمة» ملف إفريقيا بكل تشعباته، وتفتح النقاش حول موقع القارة اليوم في حسابات السياسة الخارجية المصرية، وحجم التحديات التي تواجهها الدبلوماسية المصرية، وأدوات التحرك في بيئة إقليمية معقدة تتداخل فيها قضايا الأمن والمياه والممرات الملاحية مع التنافس الدولي والصراعات الداخلية للدول الإفريقية.

 

كريم شريف 2

 

من هنا كان لنا هذا الحوار مع السفير كريم شريف، مساعد وزير الخارجية للشئون الإفريقية، حيث يضع إجابات واضحة أمام تساؤلات جوهرية.. هل عاد الملف الإفريقي ليكون أولوية استراتيجية لمصر أم أنه لم يغِب يومًا؟.. ما أخطر التحديات التي تواجه الوجود المصري في القارة؟.. وإلى أي مدى تمثل التطورات الأخيرة في القرن الإفريقي، وعلى رأسها تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بما يُسمى «أرض الصومال»، تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري ولأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 12% من تجارة العالم؟

 

كريم شريف 3

 

كما يتناول الحوار مستقبل أزمة السد الإثيوبى بعد سنوات طويلة من التفاوض، وحدود الرهان على الحل التفاوضي في ظل ما يصفه الجانب المصري بغياب الإرادة السياسية، إضافة إلى دور مصر في دعم السلم والأمن بالقارة، ومواجهة الإرهاب، وبناء القدرات الإفريقية، وتعزيز التنمية باعتبارها إحدى أهم أدوات القوة الناعمة المصرية.

 

كريم شريف 4

 

وفي هذا الحوار الممتد، يكشف مساعد وزير الخارجية للشئون الإفريقية ملامح الرؤية المصرية الشاملة تجاه القارة، والتي تقوم على الانخراط الفاعل، واحترام السيادة، ورفض الإجراءات الأحادية، والعمل الإفريقي المشترك، مؤكدًا أن إفريقيا ليست فقط دائرة من دوائر السياسة الخارجية، بل جزء أصيل من هوية مصر وعمقها الجغرافي والتاريخي، وأن استقرار القارة هو استقرار مباشر للأمن القومي المصري.

وإلى نص الحوار.. 

 

في ظل عالم يشهد إعادة رسم خرائط النفوذ، كيف تقيّمون موقع أفريقيا اليوم في حسابات السياسة الخارجية المصرية؟

تقعُ إفريقيا في قلب السياسة الخارجية المصرية وتحظى بأولويةً مُتقدمة في أجندتها؛ فمصر –باعتبارها دولةً إفريقية- تنظُرُ لبُعدها الإفريقي باعتباره بُعدًا جوهريًا وحتميًا لمُختلف سياساتها، بنهجٍ واتزانٍ رشيدين يقومان على الانخراط الفاعل مع مُختلف الأشقاء من دول القارة. يتجسد ما تقدم للجميع من خلال الاهتمام المُتنامي بإفريقيا خلال السنوات العشر الماضية بتوجيهاتٍ مُباشرة من القيادة السياسية إزاء الارتباط الوثيق للمصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية والتجارية طويلة الأمد لمصر بالقارة؛ حيث تسعى مصر دائمًا إلى مُشاركة ما تتمتع به من خبرات في مُختلف المجالات مع أشقائها الأفارقة، والاستفادة في الوقت ذاته من الخبرات التي يمتلكها الأشقاء، بتناغُمٍ إفريقي/ إفريقي يسعى لخلق مُستقبل مُزدهر لمُختلف دول القارة وشعوبها، ويُحقق الحلول المُشتركة الإفريقية للمُشكلات الإفريقية.

 

كريم شريف 5

 

ولعلَ ما يُعضِّدُ ذلك ما نشهده من زخم في الزيارات المُتبادلة التي يقوم بها المسؤولون المصريون والأفارقة، والجولات التي يقومُ بها وزير الخارجية إلى الأقاليم الإفريقية المُختلفة مُصطحبًا معه عدد من كبار رجال الأعمال وكُبريات الشركات المصرية لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري وتطوير التبادُل التجاري بين مصر وإفريقيا، فضلًا عن المشروعات التي تُنفَّذ داخل إفريقيا بسواعد الشركات المصرية مثل سد جوليوس نيريري في تنزانيا، وليس ثمة شك في أنَّ هذا الانخراط لم يأت من فراغ وإنما في إطار قناعة ثابتة لمصر بأنَّ القارة تذخر بالفُرص الواعدة للتنمية المُستدامة، شريطة صياغة العلاقات بين دولها استنادًا إلى مبادئ التفاهم والتكامل وحسن الجوار، واحترام وحدة وسلامة واستقرار الدول على أراضيها وعدم التدخُّل في الشؤون الداخلية.

 

هل يمكن القول إن ملف أفريقيا عاد ليكون أولوية استراتيجية لمصر؟

لطالما كانت تحتل إفريقيا موقعًا محوريًا وأولويةً استراتيجية لمصر وهو الموقع الذي بالفعل لم يغب أساسًا؛ فلا يُمكن لمصر بموقعها الجغرافي وهويتها وانتماءاتها وأصولها الإفريقية، الابتعاد عن قارتها، وإلا كانَ خُروجًا على منطق الجُغرافيا ذاتها، كما ذهب الجغرافي المصري دكتور جمال حمدان في تحليلاته منذ عشرات السنين بكتاب "شخصية مصر"، لكن تُحاول مصر دائمًا استكشاف مساحات التعاطي الإيجابي المُختلفة مع أشقائها الأفارقة وفقًا لظروف المرحلة؛ فتُطوِّرُ من أدواتها وتُوظِّفُها لهذا الغرض، لذا تمتلك مصر في الوقت الراهن عدد من الأدوات الفاعلة التي تُعزِّز من التواجد المصري في إفريقيا، ومن أبرز تلك الأدوات الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، ومركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام CCCPA، والأزهر الشريف الذي يجوبُ مبعوثيه مُختلف الدول الإفريقية لمُساعدة تلك الدول على مواجهة الفكر المُتطرِّف ونشر قيم الإسلام الوسطي، وكذا مُنتدى أسوان الذي يُعد أول منصة إفريقية رفيعة المستوى تجمع القادة والخُبراء لمُناقشة أوضاع السلم والأمن والتنمية في القارة، وغيرها من الأدوات التي تتفاعل مع التنوع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الإفريقي بخصوصية شديدة اتساقًا مع خصائص كُل منطقة لضمان تعظيم النتائج وتحقيق المصالح المُشتركة.

 

كريم شريف 6

 

ما هو التحدي الأكبر الذي يواجه الدبلوماسية المصرية في إفريقيا حاليًا: الأمن، المياه، التنافس الدولي، أم الصراعات الداخلية للدول الأفريقية؟

السياسة الخارجية المصرية تتعاطى مع مُختلف الملفات والتحديات الإفريقية بنفس القدر من الاهتمام، لكن بدون مُخالفة الثوابت وأهمها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها ووحدتها، وبلا شك هُنالِكَ أولويات للتحرُّك، إلا أنَّ التحديات في الوقت الراهن تتسم بقدر كبير من التشابك، وهو ما يقتضي معه التحرُّك بالتوازي في مُختلف الملفات، وفقَ رؤية شاملة.

 

إنَّ قضايا المياه، والسلم والأمن، وأجندة إفريقيا 2063، ومشروعات الممرات اللوجستية ومشروعات الطاقة والكهرباء والتحول الأخضر والنقل البحري والمشروعات الزراعية وتعزيز التجارة وقضايا التمويل هي بعض فقط من الموضوعات التي تتعامل معها مصر، والتي جُلُها تقع في صُلب شواغل السياسة الخارجية المصرية أثناء الانخراط مع أشقائها في القارة، وتُحاول مصر بشكل حثيث للتعامُل عن قُرب مع مُختلف الأشقاء لمُعالجة تلك الشواغل، من خلال الأُطر الثنائية أو من خلال المحافل الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الإفريقي وجامعة الدول العربية ومُنظمة التعاون الإسلامي، بالإضافة إلى الأمم المُتحدة وتجمُّع بريكس ومجموعة العشرين وغيرها، فضلًا عن الزيارات الرئاسية والوزارية المُتعددة، واستغلال القوة الناعمة من خلال الأطر الثقافية والعلمية والتعليمية والدورات الفنية المُختلفة.

 

كريم شريف 7

 

اذا تحدثنا عن منطقة القرن الإفريقي، ما تأثير تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بما يُسمى "أرض الصومال" على الأمن القومي المصري؟ 

تُتابع مصر باهتمام بالغ الاعتراف الإسرائيلي المُخالف لقواعد القانون الدولي وكافة الأعراف، بما يُسمى بأرض الصومال، في ضوء ما تمثله منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر من أهمية مباشرة للأمن القومي المصري وأمن الملاحة الدولية، ناهينا عن العلاقات التاريخية والروابط التي تربطنا بدولها وبصفة خاصة الصومال الشقيق، الذي تربطنا به علاقات تعود إلى المصريين القدماء وحضارة بلاد بونت والبعثات التجارية المُتبادلة عبر البحر الأحمر منذ ذلك التاريخ، كما تُتابع مصر هذا الاعتراف من مُنطلق ما يُمثله هذا من سابقة شديدة الخطورة تجعلُ الالتزام بقواعد القانون الدولي في مهب التصرفات الأُحادية غير المسؤولة لبعض الدول، وتؤكد مصر أن استقرار منطقة القرن الإفريقي يُعد ركيزة أساسية للتوازن الإقليمي، ومن ثم فإن أي تطورات قد تُسهم في تعقيد المشهد السياسي أو الأمني تحظى بمتابعة دقيقة.

 

وفي هذا السياق، ترى مصر أن تقييم خطورة هذه الخطوة يجب أن يتم بتؤدة واتزان، كما تشدد على رفضها لأي إجراءات أحادية قد تمس وحدة الدول أو تُفاقم الانقسامات، مؤكدة أهمية احترام مبادئ السيادة الوطنية والحلول السلمية للنزاعات.

 

وتنطلق السياسة المصرية في التعامل مع هذه المستجدات من نهج يقوم على الدبلوماسية النشطة، والتنسيق الإقليمي والدولي، وتعزيز العمل الإفريقي المشترك، بما يضمن احتواء التداعيات المحتملة والحفاظ على استقرار القرن الأفريقي، وبما يصون الأمن القومي المصري ويخدم المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.

 

كريم شريف 8


ما يُسمى بـ "أرض الصومال" أعاد تسليط الضوء على مضيق باب المندب… هل نحن أمام صراع على ممرات العبور؟
تنظر مصر إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب بوصفه مسألة محورية ذات أهمية بالغة لارتباطها المُباشر بالملاحة في قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية؛ حيث يمر بها 12% من حجم التجارة العالمية المنقولة بحرًا، فضلًا عن ارتباط أمن الملاحة في البحر الأحمر بالاستقرار الإقليمي واستقرار الاقتصاد الدولي وسلاسل الإمداد، لكون ممرات البحر الأحمر من أكثر طرق التجارة البحرية حيوية على مستوى العالم. ومن هذا المنطلق، تُعيد مصر تأكيدها على أن الحفاظ على حرية وأمن الملاحة مسؤولية جماعية، وأن البحر الأحمر يجب أن يظل ممرًا للتعاون الدولي لا ساحة للتنافس أو التوترات الجيوسياسية. وفي هذا الصدد، أطلقت مصر مُبادرة "ستريم StREAM" خلال مُنتدى أسوان في أكتوبر 2025 لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول المُطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، كما تتواصل الجهود الهادفة إلى تفعيل مجلس الدول العربية والإفريقية المُطلة علي البحر الأحمر وخليج عدن، باعتباره إطارًا إقليميًا ضروريًا لتعزيز التعاون والتنسيق بين الدول المشاطئة.

 

وفي هذا السياق، ترى مصر أن الاعتراف الإسرائيلي بما يُسمى "أرض الصومال" من شأنه أن يُعيد طرح مخاوف مشروعة بشأن احتمالات تجدد الصراع في منطقة البحر الأحمر، في توقيت بالغ الحساسية، خاصة بعد الجهود المضنية التي بذلتها مصر لاحتواء التصعيد في غزة، وتهيئة الظروف لعودة الشركات العالمية إلى استئناف نشاطها الملاحي بأمان عبر البحر الأحمر وباب المندب. وتؤكد مصر أن مقاربتها تقوم على رفض أي خطوات قد تؤدي إلى تقويض الاستقرار الإقليمي، بما فيها رفض كافة أشكال التواجد لأية دول غير مُشاطئة للبحر الأحمر حفاظًا على سيادة الدول المُشاطئة.


وما الأوراق المتاحة بيد مصر لاستعادة التوازن في المنطقة؟
بادرت وزارة الخارجية بالتنديد بالخطوة التي اتخذتها إسرائيل أُحاديًا اتصالًا باعترافها بما يُسمى بأرض الصومال، لما لذلك من أثر على زعزعة الأمن الإقليمي وإحلال الفوضى بالمنطقة برُمتها. كما تُكثِّف اتصالاتها بمُختلف الأشقاء والشركاء الإقليميين للتنديد بهذا التحرُّك، فضلًا عن تحرُّكها على الصعيدين الإقليمي والدولي بهذا الصدد سواء من خلال مجلس الأمن الدولي أو مجلس الأمن والسلم الإفريقي، وكذا التنسيق مع مُنظمة التعاون الإسلامي في سعي مصري دؤوب لتوحيد مواقف الدول ضد تلك الخُطوة المُنافية للقانون الدولي.

 

كريم شريف 9

 

وبشكلٍ عام تعتمد مصر في استعادة التوازن في القرن الإفريقي على مقاربة شاملة ومتدرجة، تجمع بين الدبلوماسية والعمل الإقليمي المشترك وتوظيف الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية، بما يحفظ مصالح دول الإقليم، ويحول دون تحول المنطقة إلى ساحة صراع دائم.

 

كما ينبغي التأكيد أنَّ منطقة القرن الإفريقي –بما لا يدعُ مجالًا للشك- تُعدُ امتدادًا طبيعيًا وعُمقًا استراتيجيًا للأمن القومي المصري بحُكم ارتباطه بمحوري البحر الأحمر وحوض النيل، وعليه تُولي مصر تلك المنطقة أولوية مُتقدمة في سياساتها، ولا يخفى علينا استجابة مصر لطلب الصومال الشقيق من مصر المُشاركة بقوات عسكرية وشُرطية ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي الجديدة للدعم والاستقرار في الصومال AUSSOM، انطلاقًا من إيمان مصر بأنَّ استقرار الصومال ووحدة وسلامة أراضيه يُعدُ عُنصرًا حاسمًا في استقرار منطقة القرن الإفريقي برُمتها وكذا الملاحة الدولية في مضيق باب المندب.

 

وما الدور الذي تلعبه مصر في دعم الدول الأفريقية في مواجهة الإرهاب وبناء قدراتها الأمنية؟

تضطلع مصر بدور فاعل ومسؤول في دعم الدول الإفريقية في مواجهة الإرهاب وبناء قدراتها الأمنية بما يُساعدها على مواجهة ما تشهده من تحديات، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن إفريقيا جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري ومن الأمن والسلم الإقليميين. وفي هذا الإطار، تعتمد مصر مقاربة شاملة تقوم على احترام سيادة الدول، ودعم المؤسسات الوطنية، ودون التركيز وحسب على المحور الأمني بل كذلك المحور الاجتماعي والتنموي والإنساني تأسيسًا على مبدأ الارتباط الوثيق بين الأمن من ناحية والتنمية من ناحيةٍ أخرى، ودعم التنسيق عبر الأطر الإفريقية المعتمدة، بما يضمن معالجة التحديات الأمنية دون الإضرار باستقرار الدول أو التدخل في شؤونها الداخلية.

 

كريم شريف

 

وتتمثل أدوات هذا الدور في بناء وتعزيز القدرات والتدريب ونقل الخبرات، والمشاركة في بعثات حفظ السلام، ودعم جهود المؤسسات الوطنية في مكافحة الفكر المتطرف إلى جانب المواجهة الأمنية، عبر أدوات فاعلة على الأرض في إفريقيا مثل الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، ومركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام، والأزهر الشريف، ومُختلف الوزارات والمؤسسات الوطنية التي توفِّر الدعم الفني الذي تحتاج إليه تلك الدول.

 

ولا ننسى في هذا الصدد الاجتماع الثلاثي الذي عقدته مصر مع دول كونفدرالية الساحل (مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر) على هامش مُنتدى أسوان في أكتوبر الماضي، والجلسة المُغلقة التي تم عقدها في هذا الصدد بما مثَّلَ فُرصة مواتية لتبادل وجهات النظر وشرح الرؤى المُختلفة بشأن التطورات الجارية في منطقة الساحل وتنسيق المواقف المُشتركة في هذا الصدد.

 

كيف تنسق مصر مع دول البحر الأحمر لمواجهة أي تهديد يمس أمن هذا الشريان الحيوي؟

تُنسِّق مصر مع دول البحر الأحمر من خلال الحوار المنتظم، والتعاون الإقليمي، واحترام سيادة الدول، إدراكًا منها أن أمن هذا الشريان الحيوي مسؤولية جماعية تتجاوز حدود أي دولة بعينها. وفي هذا الإطار، تعمل مصر على تعزيز آليات التشاور السياسي والأمني مع الدول المطلة على البحر الأحمر، ودعم التنسيق عبر الأطر الإقليمية القائمة، إلى جانب تشجيع تبادل المعلومات وبناء القدرات بما يسهم في حماية أمن الملاحة بالبحر الأحمر. كما تندرج هذه الجهود ضمن رؤية مصر الأوسع التي عبّرت عنها مبادرة StREAM، والتي تهدف إلى ترسيخ التعاون الاقتصادي والأمني والبيئي في البحر الأحمر، وتعزيز مفهوم الأمن الجماعي والتنمية المستدامة، بما يضمن بقاء البحر الأحمر ممرًا آمنًا للتجارة العالمية، ويعكس في الوقت ذاته الدور الإقليمي المسؤول لمصر في حفظ الاستقرار ودعم التوازن في هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية للتجارة العالمية.

 

ننطلق إلى جزئية أخرى، وهى السد الإثيوبي، فبعد سنوات من التفاوض، هل ما زالت مصر ترى أملًا حقيقيًا في الحل التفاوضي للأزمة؟

نؤكِّدُ مرةً أخرى في هذا الصدد، إلى ما التزمت به مصر على مدار 14 عامًا من خيار التفاوض الجاد والمسؤول بشأن السد الإثيوبي، انطلاقًا من إيمان راسخ بأن التعاون واحترام القانون الدولي هما السبيل الأمثل لتحقيق المصالح المشتركة لدول حوض النيل دون أي تحرُّكات أحادية تضُر بأي طرف من الأطراف. وقد شاركت مصر في جميع المسارات التفاوضية بحسن نية، وقدّمت حلولًا فنية وقانونية متوازنة تضمن حق إثيوبيا ذاتها في التنمية، دون الإضرار بحقوق دولتي المصب في الحياة والتنمية المستدامة.

 

وفي الوقت ذاته، تُقرّ مصر بوضوح وصراحة تامتين بأن المسار التفاوضي في صورته الحالية لم يفضِ إلى نتائج ملموسة، نتيجة غياب الإرادة السياسية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل السد ويمنع إحداث ضرر جسيم.

 

وعليه، تؤكد مصر أنها لا تُغلق باب الحل السلمي والتفاوضي، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل باستمرار الوضع القائم أو المساس بحقوقها المائية التاريخية والثابتة. وتحتفظ الدولة المصرية بكامل حقها في اتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات مشروعة لحماية أمنها المائي والقومي، في إطار القانون الدولي، وبما يحقق الاستقرار الإقليمي، ويضع حدًا لأي ممارسات أحادية تفرض أمرًا واقعًا لا يمكن القبول به.

 

هل تحوّلت الأزمة مع إثيوبيا من خلاف فني حول المياه إلى أزمة ثقة وسلوك سياسي؟

هذا السؤال هام، لكنَّه في الوقت ذاته يستوجب التوضيح، إذ أنَّ الخلاف بين دولتي المصب (مصر والسودان) مع إثيوبيا لم يكن فنيًا بالأساس؛ حيث تمكنت الدول الثلاث بالفعل من قبل التوصل إلى توافقات على الأمور الفنية، إلا أنَّ ما أفشلَ هذا المسار كان ببساطة التعنُّت الإثيوبي وغياب الإرادة السياسية لديها، وليس أدل على ذلك من توصُّل الدول الثلاث إلى اتفاق في واشنطن وقامت مصر بالتوقيع عليه بالأحرف الأولى، فيما رفضت إثيوبيا التوقيع عليه.

 

1كريم شريف

 

وما أهمية مشروعات تطوير الموانئ والبنية التحتية والسدود التي تشارك فيها مصر في دول إفريقيا؟

تنظر مصر لمشروعات تطوير الموانئ والبنية التحتية والسدود في إفريقيا باعتبارها أداة استراتيجية لتعزيز التنمية المستدامة والاستقرار الإقليمي، وتعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية بين دول القارة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك مشاركة مصر في تطوير ميناء "دوراله" في جيبوتي، فضلًا عن دعم الأشقاء هُناك من خلال إنشاء محطة للطاقة الشمسية "محطة عُمر كجع"، فضلًا عن دعم القطاع المصرفي الجيبوتي –وبما يُعزز من الاستثمارات المصرية هُناك- من خلال افتتاح فرع لبنك مصر في جيبوتي مؤخرًا. كما يبرُز أيضًا مشروع "سد جوليوس نيريري" الذي تم تنفيذه للأشقاء في تنزانيا بسواعد الشركات المصرية، بما يُسهم في تأمين الطاقة الكهربائية هُناك، وبما يعكس الالتزام المصري الراسخ بدعم بناء القُدرات الوطنية والخطط التنموية لمُختلف الأشقاء الأفارقة.

 

هل يمكن اعتبار التنمية أحد أدوات القوة الناعمة المصرية في القارة الأفريقية؟

بكُل تأكيد؛ فالمُقاربة الشاملة لمصر في التعاون مع الدول الإفريقية ترتكز في الأساس على البُعد التنموي والثقافي، وهو ما يظهرُ جليًا في قيام وزير الخارجية باصطحاب عدد كبير من رجال الأعمال وكُبريات الشركات المصرية خلال جولاته في مُختلف المناطق الجغرافية لإفريقيا في مُساعي مصرية إيجابية ناحية أشقاءها الأفارقة لنقل خبراتها في المجالات الاقتصادية والتعاون الاستثماري وتعزيز التبادل التجاري. كما أنَّ اهتمام الكثير من الرؤساء والمسؤولين الأفارقة بالمُشاركة في افتتاح المتحف المصري الكبير، ومُشاركتهم في فعاليات احتفال وزارة الخارجية المصرية بيوم إفريقيا (25 مايو من كل عام) إنَّما يدُلُ على قدر الثقافة المصرية ودورها المُتجذِّر والرائد كونها شُعاعًا للإبداع والتشارك والتطور الإفريقي.

 

كما ينبغي التأكيد على دور مصر الرائد في ملفات إعادة الإعمار والتنمية، باعتبار ريادة رئيس الجمهورية لموضوعات إعادة الإعمار والتنمية بالاتحاد الإفريقي، وكون مصر بلد المقر لمركز الاتحاد الإفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات، وهي الملفات التي تمتلك مصر فيها باعًا وخبرة طويلة داخل القارة، في مُحاولة دائمة لمُشاركة ونقل تلك الخبرات إلى الأشقاء الأفارقة بما يُعزز من قُدرة المؤسسات الوطنية الإفريقية من مواجهة تحديات التنمية وإعادة الإعمار.

 

وزارة الخارجية هي المسئولة عن توفير الدعم للمواطنين المصريين في الخارج، ما الدور الذى تقوم به الوزارة حالياً في هذا الملف، خاصة بعد دمج وزارة الهجرة في الخارجية؟

 هُناك توجيهات رئاسية مُستديمة بإيلاء الاهتمام الكامل للمواطنين المصريين بالخارج، وفي هذا الإطار تقوم الخارجية بدورها من خلال المتابعة الدورية لأوضاع المصريين في مختلف أنحاء العالم، وبصفة خاصة في الدول الإفريقية، وتقديم الدعم القنصلي والإغاثي لهم في حالات الطوارئ، وضمان حصولهم على حقوقهم القانونية والاجتماعية، مع العمل المستمر على تسهيل الإجراءات والخدمات التي تضمن راحتهم وأمنهم في الخارج، ويبرز هذا النهج في حرص وزير الخارجية على الالتقاء بأعضاء الجالية المصرية بالخارج في مُختلف البلدان التي يقوم بزيارتها وتحديدًا في إفريقيا.

 

وبذلت الوزارة أيضًا جهودًا ملموسة خلال الفترة الماضية لمتابعة حالات المصريين المحتجزين أو المختطفين في بعض الدول الإفريقية، بالتنسيق مع السلطات المحلية والدولية، واتخاذ كافة الإجراءات الدبلوماسية والقانونية لضمان الإفراج عنهم بأسرع وقت ممكن، وهو ما حدث في عدة دول مثل مالي على سبيل المثال لا الحصر، في مساعٍ تعكس الحرص الدائم لمصر على حماية مواطنيها، وإعلاء قيمة الحياة والكرامة الإنسانية، كما تقوم الخارجية بتكثيف التواصل مع المواطن المصري في الداخل، لشرح الجهود التي تقوم بها وزارة الخارجية للتعامُل مع التحديات، وهو ما يتجلى فيما تضطلع به سفاراتنا في الخارج من تنظيم للانتخابات داخل مقار السفارات والبعثات المصرية في الخارج، وما تحرص عليه الوزارة من ضرورة عقد اجتماعات مع الجاليات المصرية بصورة دورية وقبل كُل عملية انتخابية بهدف شرح الواجبات والالتزامات. كما توفَّر الخارجية قنوات تواصل مُباشرة مع المواطن المصري في الداخل والخارج للرد على كافة الشكاوى والعقبات القنصلية التي تواجههم من خلال تفعيل خدمة الخط الساخن في أكثر من ٩٠ بعثة دبلوماسية وقنصليات في الخارج (رسائل واتساب) للرد على استفسارات الجاليات المصرية في نطاق الاختصاص لكل بعثة دبلوماسية أو قنصلية، وتقديم الدعم والمساعدة الممكنة لها في أسرع وقت ممكن، فضلًا عن التوجيهات الواضحة من وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، لإيلاء المواطن المصري في الخارج أقصى أولوية والعمل المُستمر لحل مشاكله. كما أعلنت البعثات الدبلوماسية في الخارج على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بها عن أرقامها الخاصة لتفعيل تلك الخدمة، ناهينا عن التواصل المُباشر مع الوزارة من خلال صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي.

 

في النهاية، كيف تقيم العلاقات المصرية الأفريقية في الوقت الراهن؟

العلاقات المصرية الإفريقية تشهدُ في الفترة الحالية نقلة نوعية تعكِسُ خصوصية الدائرة الإفريقية في السياسة الخارجية المصرية، وانفتاح مصر اللامحدود على أشقائها الأفارقة، انطلاقًا مما يجمعنا جميعًا من روابط وجذور تاريخية وثقافية وجغرافية واجتماعية، تعكِسُ وحدة المصير بين مصر وإفريقيا، لذا تُعيد مصر تأكيد التزامها الراسخ بدعم الدول الإفريقية وحرصها المُستمر على تدشين شراكات إفريقية فاعلة تُرسي السلم والأمن بما يُحقق تطلعات شعوبنا الإفريقية في مُستقبل مُزدهر، كي تُصبح "إفريقيا التي نُريدها" وفقًا لما نصت عليه أجندة إفريقيا 2063.

 

 

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق