ترامب وسدّ النهضة: عودة الوساطة الأمريكية - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ترامب وسدّ النهضة: عودة الوساطة الأمريكية - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 يناير 2026 09:42 صباحاً

لا يمكن التعامل مع الرسالة التي وجّهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن أزمة سدّ النهضة باعتبارها مجرد إشارة دبلوماسية عابرة، أو تعبيرًا إنشائيًا عن رغبة في الوساطة. فالرسالة، في توقيتها ومضمونها، تحمل دلالات سياسية عميقة، وتكشف عن إدراك أمريكي متجدّد لخطورة الأزمة، ولحساسية موقع مصر فيها، بوصف نهر النيل مسألة وجودية لا تحتمل المعالجات المؤجلة أو الحلول الرمزية.

ويقتضي تناول مدلولات هذه الرسالة التذكير بأن الرئيس ترامب، خلال ولايته الأولى، أولى اهتمامًا خاصًا بملف سدّ النهضة، في إطار مقاربته الأوسع لإعادة تفعيل الدور الأمريكي في تسوية النزاعات ذات الطابع الاستراتيجي. وقد تجلّى هذا الاهتمام بوضوح في أواخر عام 2019 وبدايات عام 2020، حين رعت الولايات المتحدة—بالتنسيق مع البنك الدولي—مسارًا تفاوضيًا مكثفًا بين مصر وإثيوبيا والسودان، استضافت خلاله وزارتا الخزانة والخارجية الأمريكيتان عدة جولات من المباحثات الفنية والقانونية في واشنطن.

وقد أسفر هذا المسار عن بلورة مسودة اتفاق متكاملة تناولت قواعد ملء وتشغيل سدّ النهضة، ولا سيما خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، على نحو يحقق قدرًا من التوازن بين حق إثيوبيا في توليد الطاقة الكهرومائية، وحقوق دولتي المصب، مصر والسودان، في الأمن المائي وعدم التعرض لأضرار جسيمة. وتميّزت هذه المسودة بكونها الأقرب، منذ بدء الأزمة، إلى معالجة جوهر الخلافات الفنية والقانونية بصورة شاملة وملزِمة.

وفي فبراير 2020، أعلنت مصر موافقتها الرسمية على مسودة الاتفاق، ووقّع عليها وزير الخارجية المصري آنذاك، السيد سامح شكري، في خطوة عكست وضوح الموقف المصري والتزامه بالحلول التفاوضية. في المقابل، امتنعت إثيوبيا عن التوقيع، كما لم يُقدِم السودان على التوقيع النهائي، ما أدى إلى تعثّر المسار برمّته، رغم ما حظي به من دعم أمريكي واضح.

ويُحسب لإدارة ترامب في هذا السياق أنها سعت إلى نقل الملف من دائرة المفاوضات الشكلية المفتوحة بلا سقف زمني، إلى محاولة جادة لفرض إطار تفاوضي محدد المعالم، يتضمن التزامات واضحة، وجدولًا زمنيًا، وضمانات فنية، فضلًا عن دور أمريكي مباشر في المتابعة. غير أن رفض إثيوبيا التوقيع عكس حدود النفوذ الأمريكي آنذاك، وكشف في الوقت نفسه عن عمق التباينات السياسية المرتبطة بالملف، وتوظيفه داخليًا باعتباره قضية سيادة وطنية.

وعلى هذا الأساس، لا يمكن فصل الإشارة الحالية من الرئيس ترامب إلى استعداده لإعادة إطلاق الوساطة الأمريكية عن هذا السجل السابق، الذي مثّل—رغم تعثّره—أكثر المحاولات اقترابًا من التوصل إلى اتفاق قانوني مُلزِم بشأن سدّ النهضة، وهو ما يضفي على الخطاب الراهن بعدًا سياسيًا مهمًا، ويمنحه قدرًا من الجدية لا يمكن تجاهله.

واتصالًا بذلك، تجدر الإشارة إلى أنه في منتصف عام 2025، صرّح الرئيس ترامب، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي في البيت الأبيض، بأنه “يعمل على حل مشكلة سدّ النهضة” بين مصر وإثيوبيا، مؤكدًا أن الإدارة الأمريكية تتابع القضية وتسعى إلى إيجاد تسوية لها، واصفًا الوضع بأنه معقد لكنه قابل للحل. كما أشار صراحة إلى أن نهر النيل يمثل “حياة” لمصر، في رسالة واضحة مفادها أن واشنطن تعترف بمركزية النيل للأمن القومي المصري، وأن أي حل لا يراعي هذا البعد الجوهري لن يكون مقبولًا أو قابلًا للاستدامة.

وقد أثارت تصريحات لاحقة للرئيس ترامب، تحدث فيها عن تمويل أمريكي سابق للسد، وانتقد فيها عدم التعامل مع قضية المياه قبل بدء البناء، جدلًا واسعًا في الأوساط الإعلامية، لكنها في جوهرها عكست إدراكًا متأخرًا لحجم الخلل الذي شاب التعامل الدولي مع المشروع منذ مراحله الأولى.

في ضوء ذلك، تكتسب دعوة الرئيس ترامب إلى الوساطة في شأن سدّ النهضة أهمية مضاعفة، إذ إن الفارق الجوهري هذه المرة يتمثل في أنه يتحدث من موقع رئيس عائد إلى السلطة، مستندًا إلى تجربة تفاوضية سابقة، وإلى خطاب أكثر صراحة، وربما أقل صبرًا على المماطلة. وهو ما يمنح تصريحاته وزنًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، لا سيما أن رسائله تنطوي على رفض واضح لمحاولات احتكار مياه النيل، الذي يمثل شريان الحياة لمصر وللمصريين اخذاً في الاعتبار ان القضية لم تعد تحتمل إضاعه الوقت أو تدوير الخلافات، بل تتطلب اتفاقًا قانونيًا مُلزِمًا يضع حدًا لسياسات فرض الأمر الواقع، ويكفل لمصر حقوقها المائية غير القابلة للتفريط، وان أي وساطة لا تنطلق من هذا الأساس، ولا تُترجَم إلى التزامات واضحة وضمانات قابلة للتنفيذ، ستظل مجرد مبادرة سياسية مؤجلة، فيما يظل نهر النيل—شريان الحياة لمصر—خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه أو المساومة عليه.

 

السفير عمرو حلمي 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق