علي سالم البيض... بطل حلمين صارا مستحيلين - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
علي سالم البيض... بطل حلمين صارا مستحيلين - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 يناير 2026 10:53 صباحاً

لم يكن علي سالم البيض الذي غيّبه الموت قبل أيام سياسياً يمنياً عادياً. كان ابن حضرموت شخصية إستثنائية تركت بصماتها على التاريخ الحديث لليمن كونه لعب دوراً أساسياً في فرض الوحدة الإندماجية في الثاني والعشرين من أيار – مايو  1990. وقتذاك، كان في موقع الأمين العام للحزب الإشتراكي اليمني الحاكم في "جمهوريّة اليمن الديموقراطيّة الشعبيّة". كان الرجل الأقوى في ما كان يسمّى اليمن الجنوبي حيث شغل حيدر أبو بكر العطاس موقع رئيس الدولة منذ خسارة علي ناصر محمّد، ابن محافظة أبين، المواجهة بينه وبين خصومه يوم 13 كانون الثاني – يناير 1986.

فرض علي سالم البيض، الذي نجا، مع عبد الفتاح إسماعيل وآخرين، من مجزرة المكتب السياسي للحزب الإشتراكي التي وقعت في عدن، الوحدة الإندماجية. حدث ذلك بعد سلسلة من اللقاءات بينه وبين علي عبدالله صالح الذي كان رئيساً للجمهوريّة العربيّة اليمنية، أي لليمن الشمالي. رفض سماع أي رأي آخر في ما يخص ضرورة التمهّل في تحقيق الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه على مراحل. كان جازماً وحاسماً في قراره مثلما كان جازماً وحاسماً في عام 1994 عندما قرّر العودة عن الوحدة واعتكف في منزله في عدن نتيجة خلافات في العمق مع الرجل الذي وقّع معه الوحدة في بناء جديد، في حي التواهي في عدن. شيّد البناء على أنقاض بناء آخر وقعت فيه مجزرة المكتب السياسي مطلع عام 1986 عندما دخل مرافق لعلي ناصر محمّد يدعى "حسّان" اجتماعاً مقرراً للمكتب السياسي وأطلق النار من رشاش صغير مستهدفاً  الحاضرين.

لا يزال السؤال المطروح إلى يومنا هذا هل استهدف علي ناصر خصومه قبل أن يستهدفه هؤلاء، فتخلّص من معظمهم بسبب علمه أنه كان سيخسر المواجهة في المكتب السياسي وسيخسر معها موقعه كرئيس للدولة وأمين العام للحزب... تمهيدا لتصفيته على غرار ما جرى في الماضي مع شخصيات مثل سالم ربيع علي (سالمين) أو محمد صالح مطيع؟

كان بين ضحايا مجزرة المكتب السياسي خصوم كبار لعلي ناصر هم  علي عنتر وصالح مصلح وعلي شائع الذين قتلهم "حسان"، فيما نجا علي سالم البيض وأصيب لاحقاً برصاصة تسببت له بجرح بسيط. إما عبد الفتاح إسماعيل، فقتل في اثناء نقله في عربة مدرّعة من مكان المجزرة إلى مكان آمن في عدن.

التقيت علي سالم البيض مباشرة بعد "أحداث 13 يناير" في عدن. كان مقيماً في فيلا في حي المعاشيق. نشرت حديثاً قصيراً له في "النهار". مشيت بعد ذلك في جنازة "القادة" الأربعة علي عنتر وصالح مصلح وعلي شائع وعبد الفتاح إسماعيل. فهمت سريعاً أن الجنازة كانت تعني نهاية النظام الذي كان يحكم دولة الجنوب. يبدو أنّ علي سالم البيض كان بين الذين التقطوا أهمّية الحدث مدركا أن لا سبيل آخر للخروج من المأزق، الذي عبرت عنه "أحداث 13 يناير" من عام 1986، غير الوحدة اليمنية. قضت الوحدة عملياً على النظام وأنقذت أهل النظام الذين انتقلوا من عدن إلى صنعاء بعدما كانوا حكاماً لدولة استقلت في عام 1967 بعد أن حكمها البريطانيون طويلاً.

الأكيد أن علي سالم البيض استوعب باكراً علامات الضعف في الإتحاد السوفياتي الذي كانت "جمهوريّة اليمن الديموقراطيّة الشعبيّة" تدور في فلكه، كما كانت القوة القادرة على حسم الخلافات الداخلية فيه. كان القرار الذي اتخذه بفرض الوحدة الإندماجية قراراً شجاعاً وفّر على اليمن الجنوبي، في حينه، مزيداً من الحروب الداخليّة والدماء. لكنّ أمله بالوحدة خاب باكراً أيضاً. من كان بطل الوحدة، صار بطل الإنفصال. أجريت معه مجموعة من الأحاديث في مرحلة ما بعد الوحدة. شكا من علي عبدالله صالح الذي لم يراع وجود "مجلس رئاسي" من خمسة أعضاء (ثلاثة من الشمال وجنوبيان). ركز في انتقاداته على تفسير علي عبدالله لمفهوم الوحدة، بمعنى أنّه يعتقد أن في اليمن الموحّد نظاماً رئاسياً وأن لا شريك له في السلطة. من بين أكثر ما ضايقه العجز عن التفاعل الاجتماعي بين الجنوبيين الذين انتقلوا إلى صنعاء مع قيام الوحدة من جهة وأهل المدينة من جهة أخرى. قال في أحد الأحاديث التي نشرتها في "الحياة": "لم ندخل بيوتهم ولم يدخلوا بيوتنا". وفي وقت لاحق تحدِث عن "مارونيّة سياسيّة" في اليمن مشيراً إلى كيفية تصرّف المسؤولين السياسيين المحيطين بعلي عبدالله صالح مع الجنوبيين.

منذ قيام الوحدة اليمنية، لاحظ البيض أن حساباته، وحسابات الذين انتقلوا معه إلى صنعاء من عدن، لا تتفق مع حسابات علي عبدالله صالح ولا مع جماعة "الإخوان المسلمين" الذي كان يمثلهم حزب التجمع اليمني للإصلاح. حافظ على ألوية الجيش الجنوبي. لم يدرك أن دخول الوحدة سهل، لكن الصعب الخروج منها. رفض، بعد 1994، أي صلح مع علي عبدالله صالح. أخطأ في تقديره لموازين القوى القائم. وصل به الأمر إلى خوض حرب الإنفصال بعدما وقف سدّاً منيعاً في وجه المعترضين على بقاء الوحدة. دخلت القوات الموالية لعلي عبدالله صالح وميليشيات الإصلاح عدن وقضت على مشروع عودة دولة الجنوب المستقلة. المفارقة أن "جمهوريّة أرض الصومال" التي لم يعترف بها أحد في الماضي، كانت الجهة الوحيدة التي اعترفت بالجمهورية الإنفصالية التي اعلن عنها علي سالم البيض في 1994.

رحل علي سالم البيض بعد عزلة طويلة فرضها عليه المرض عاش خلالها في سلطنة عمان ثم لبنان والمملكة العربيّة السعودية وأخيراً في دولة الإمارات. تصالح مع علي ناصر في مرحلة معيّنة. لكن اليمن لم يتصالح مع نفسه. لم يعد الحديث عن الإنفصال حديث الساعة. صارت الوحدة مثلها مثل الإنفصال حلماً مستحيلاً في وقت لم يعد معروفاً فيه ما الذي يمكن أن يؤدي إليه تشظي بلد اسمه اليمن...

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق