خيارات الأكراد بعد "غزوة حلب" وموقف أميركا المخزي! - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خيارات الأكراد بعد "غزوة حلب" وموقف أميركا المخزي! - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 يناير 2026 12:53 مساءً

جان صالح *

في آخر اجتماع بين قيادة "قسد" وسلطات دمشق الانتقالية بخصوص تطبيق اتفاقية العاشر من آذار/مارس، وذلك في الرابع من كانون الثاني/يناير، توصل الطرفان إلى تفاهمات إيجابية. ووفقاً لتقرير لموقع "المونيتور" الأميركي، فإن اجتماع الوفد الكردي كان بقيادة الجنرال مظلوم عبدي وبحضور قائد التحالف الدولي العميد كيفن لامبرت، مع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، لحين دخول وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني إلى القاعة، طالباً منهم المغادرة، معلناً انتهاء الاجتماع، واستئناف المباحثات في الثامن من كانون الثاني. التدخل كان بإملاءات من تركيا التي ترفض تماماً أي تقاربات بين دمشق والكرد، وتضغط لأجل حل "قسد" نهائياً، وتسليم السلاح، والانضمام للجيش السوري كأفراد. 

تركيا تنزعج من تصاعد النفوذ الإسرائيلي في سوريا عبر الداعم الأميركي. هذا الصراع الجيوسياسي بين تل أبيب وأنقرة على سوريا، يرافقه ضغوطات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الطرفين للتفاهم، وعدم الاصطدام، لتحقيق توازن بين مصالح الطرفين داخل سوريا.
ولهذا أشعلت تركيا حرباً دموية ضد الأحياء الكردية (الأشرفية - الشيخ مقصود) في حلب كردّ من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على عدم رضاه عن نتائج اجتماع باريس بين إسرائيل وسلطات دمشق برعاية واشنطن، ذلك الاجتماع الذي كان فيه تنازلات خطيرة من وزير الخارجية الشيباني ورئيس الاستخبارات حسين سلامة، من خلال الاتفاق على إنشاء "آلية دمج مشتركة" تعد بمثابة "خلية تواصل دائمة"، تستخدم لتبادل المعلومات الاستخبارية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الديبلوماسي، إضافة إلى معالجة القضايا التجارية بين تل أبيب ودمشق. 

وفي السياق نفسه، نقلت قناة "i24 نيوز" الإسرائيلية أن سوريا "لا تعترض على فتح مكتب اتصال لإسرائيل في دمشق، شريطة ألا يتمتع هذا المكتب بالصفة الديبلوماسية".
وحسب المعطيات فإن سلطات دمشق الانتقالية تعمل على تنفيذ خطط ترامب بشأن التطبيع والانضمام لاتفاقيات ابراهام للسلام في سبيل الحصول على شرعية لحكم سوريا من تل أبيب وواشنطن. تشعر تركيا أن إدارة ترامب تعمل على ضمان مصالح إسرائيل، وجعل النظام الحاكم لسوريا قريباً من تل أبيب وواشنطن على حساب المصالح التركية في سوريا والمنطقة، مع قلق وخوف أردوغان من أن تقوم اسرائيل بإقناع ترامب بأهمية ضمان منح حكم ذاتي للأكراد في سوريا، ضمن مشروع فدرلتها، ما من شأنه هندسة سوريا عبر أقاليم فيدرالية تعطي للأقليات دوراً تشاركياً في الحوكمة وصناعة القرارات، ويكون ضمانة لعدم استغلال تركيا لجماعات الإسلام السياسي في سوريا، واستخدامها كورقة بوجه اسرائيل في المنطقة، وهذا مصلحة مشتركة للأمن القومي لكلا الطرفين أمام أطماع تركيا وإيران. 

 

تركيا وبعد ساعات من نهاية اجتماع باريس حركت فصائل من الجيش السوري (العمشات، الحمزات، السلطان مراد) هي ضمن قوائم الإرهاب الأميركية والعقوبات البريطانية، مع مشاركة جهاديين أجانب، إلى جانب قوات الأمن العام، والجميع يتبعون وزارة الدفاع السورية، فكان الهجوم على الأحياء الكردية والتنكيل بالمدنيين الكرد، وتهجيرهم ضمن عمليات التطهير العرقية والتغيير الديموغرافي، والقصف العشوائي للبيوت والمستشفيات، والتي انتهت بانسحاب عناصر من  "الأسايش" الكردية التي كانت تقوم بالحماية الذاتية للسكان وفقاً لاتفاقية نيسان/أبريل الماضي بين "قوات سوريا الديموقراطية" وسلطات دمشق حين انسحبت "قسد" من حلب.  لا تزال الفصائل المتطرفة تمارس جرائم ضد الإنسانية هناك بحق الكرد من اعتقالات، وإعدامات ميدانية، وتصفية المقاتلين الجرحى، والتنكيل بالجثث، مع استمرار الحملات الإعلامية المضللة، والتحريض على التعامل مع الكرد و"قوات سوريا الديموقراطية" بالعنف والحرب ضدهم. 
تركيا تصرفت هذه المرة بدون ضوء أخضر أميركي، وأرادت أن توصل رسالتها إلى إدارة ترامب وكذلك إلى إسرائيل، بأنها لن تقبل بأي مخططات من شأنها أن تكون سبباً في إخراج تركيا من سوريا خاسرة، وأن أي دعم أميركي - إسرائيلي للكرد ولـ"قسد" هو خطر على الأمن القومي التركي، وأنها ترفض أن يكتسب الكرد السوريون أي حقوق سياسية قومية من شأنها أن تكون داعماً جيوسياسياً لتحرك الكرد في تركيا لتحقيق حكم ذاتي مشابه لكردستان العراق.

الصمت الأميركي والغربي تجاه الهجوم على الكرد والتنكيل بهم في حلب كان غريباً، إذ دعت الخارجية الفرنسية الى وقف القتال وضبط النفس، أما ترامب فقد صرح  للصحافيين في البيت الأبيض يوم الجمعة، 10 كانون الثاني أن الولايات المتحدة تريد رؤية السلام في سوريا وأن تتوقف الاشتباكات. وأشار إلى أن "الولايات المتحدة على وفاق مع كل من القوات الكردية والحكومة السورية"، وأنها تعمل كوسيط لمنع تصاعد العنف. إضافة لهذا شهدنا جهوداً دبلوماسية مكثفة بقيادة المبعوث الأميركي توم براك، الذي التقى بمسؤولين سوريين كبار لبحث التطورات في حلب ومستقبل المرحلة الانتقالية في سوريا، وأصدر بياناً على حسابه عبر منصة "إكس" دعا فيه إلى العودة الالتزام باتفاقية العاشر من آذار "التي تُوفر إطاراً لدمج قوات سوريا الديموقراطية في المؤسسات الوطنية بطريقة تُحافظ على حقوق الأكراد وتُعزز وحدة سوريا وسيادتها".
 وأضاف: "إن التطورات الأخيرة في حلب، التي يبدو أنها تُهدد بنود هذه الاتفاقية، تُثير قلقاً بالغاً. نحث جميع الأطراف على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، ووقف الأعمال العدائية فوراً، والعودة إلى الحوار وفقاً لاتفاقيتي 10 آذار و1 نيسان 2025". 

هذا الموقف الأميركي الغريب أشعل غضباً كبيراً لدى الشعب الكردي، بسبب أن واشنطن تتصرف وكأنها تدير الأزمة، ولم تندد بعمليات القصف الوحشية والانتهاكات ضد الإنسانية بحق الكرد في حلب، وتضع المعتدي والضحية بسوية واحدة غير عادلة. 

كان واضحاً أن إدارة ترامب تأخرت عمداً في التدخل لوقف معارك حلب بسبب إدراكها للغضب التركي العنيف، ومساعي تركيا للسيطرة على شمال شرق سوريا، وتهجير الكرد منها، والقضاء على "قوات سوريا الديموقراطية" بحجة وجود عناصر من "حزب العمال الكردستاني" (رغم أنها في مفاوضات سلام مع الحزب وزعيمه عبدالله أوجلان).
يدرك الكرد أنه لا يمكن الثقة بحكومة سورية يقودها جهاديون، وأن عملية اندماج القوات الكردية معهم سيكون فاشلاً. إلى جانب ذلك، فإن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع يتهرب من حل القضية الكردية في سوريا بسبب الفيتو التركي. 

سياسة ترامب في سوريا تتجه نحو المزيد من التمزق والانقسام المجتمعي السياسي السوري، وهو فعلياً حرب أهلية بدأتها السلطة بلغة العنف والمجازر بحق الأقليات، ورفض أي حلول ديموقراطية وطنية تشاركية. 
اتفاقية العاشر من آذار أصبحت بحكم الميت بفعل السلطة وتركيا. ورغم إصرار واشنطن على استكمال عملية الاندماج، لحين تحقيق عملية التطبيع بين دمشق وتل أبيب، يبقى الكرد على يقين بأن مصالح أميركا الجيوسياسية، والأمن القومي الأميركي، ومكافحة الإرهاب و"داعش" مرهونة بالكرد في سوريا والعراق، وأن الرهانات الأميركية على سلطة دمشق وتعاون الحليف التركي معها، مصيرها الفشل، وغالباً تكون أميركا قد وضعت نصب عينيها هذه الاحتمالات، وبالتالي تدفع تركيا إلى المزيد من الأخطاء في سوريا، وتترك الشرع ورفاقه الجهاديين يغرقون في المستنقعات السورية من طائفية، وانتهاكات دموية، وحرب أهلية يعيشها السوريون، لحين أن يقتنع الأميركيون أن سوريا تحتاج لنموذج حوكمة رشيدة (فيدراليات) مفيدة لمصالحها، ومصالح حلفائها. 

*  باحث في الشؤون الكردية – واشنطن

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق