"سكن لكل المصريين" هل يعيد السكن صياغة العقد الاجتماعي في مصر؟ - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"سكن لكل المصريين" هل يعيد السكن صياغة العقد الاجتماعي في مصر؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 يناير 2026 07:57 مساءً

على مدار العقد الأخير، لم يكن برنامج «سكن لكل المصريين» مجرد مشروع إسكان اجتماعي واسع النطاق، بل تجربة سياسية اقتصادية بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث أصبح السكن أحد المجالات التي حاولت الدولة من خلالها إعادة بناء خيط الثقة، لا عبر الخطاب، بل عبر سياسة عامة ملموسة.

السؤال الأهم اليوم، بعد مرور عشر سنوات على إطلاق البرنامج، ليس كم وحدة تم بناؤها فقط؟ بل: هل يمثل «سكن لكل المصريين» نواة حقيقية لعقد اجتماعي جديد، أم مجرد تدخل تصحيحي محدود في سوق مختل؟

تاريخيًا، كان السكن في مصر جزءًا من منظومة الحماية الاجتماعية، حتى وإن شابتها تشوهات تشريعية واقتصادية، لكن مع التحول التدريجي نحو اقتصاد السوق منذ التسعينيات، تراجع هذا الدور دون أن تظهر بدائل تمويلية أو مؤسسية كافية.

النتيجة كانت واضحة: سوق عقاري يتوسع أفقيًا، لكنه ينفصل تدريجيًا عن احتياجات غالبية السكان.

في هذا السياق، جاء «سكن لكل المصريين» كتحول نوعي في فلسفة التدخل العام، فالبرنامج لم يُطرح باعتباره نشاطًا عقاريًا، بل كسياسة متعددة الأبعاد، تجمع بين:

• الدعم الاجتماعي

• التمويل العقاري طويل الأجل

• التخطيط المكاني

• والشراكات الدولية وهو ما يميّزه عن تجارب سابقة ركزت على البناء دون معالجة الإطار الاقتصادي والاجتماعي الأوسع.

وفق البيانات الرسمية المحدثة حتى يناير 2026، ضخّت الدولة أكثر من 200 مليار جنيه استثمارات عامة في البرنامج منذ 2014، إلى جانب تمويل دولي ميسّر بقيمة مليار دولار من البنك الدولي.

لكن الأهم من حجم التمويل هو كيفية توظيفه، فالبرنامج وفّر سكنًا لائقًا لأكثر من 4 ملايين مواطن في مختلف المحافظات، وساهم في تطوير سوق التمويل العقاري ليصل حجمه إلى 95 مليار جنيه بنهاية 2025، بعد أن كان هامشيًا قبل عقد، وأدخل فئات واسعة إلى النظام المصرفي، إذ تشير التقديرات إلى أن 65% من المستفيدين تعاملوا مع البنوك لأول مرة عبر هذا المسار.

بهذا المعنى، لم يكن السكن هدفًا نهائيًا فقط، بل مدخلًا للشمول المالي وإعادة دمج فئات كاملة في الاقتصاد الرسمي.

من منظور الاقتصاد الكلي، لعب البرنامج دورًا مهمًا في تنشيط الطلب المحلي، ودعم قطاع التشييد والبناء، الذي يسهم بنحو 18% من الناتج المحلي الإجمالي، وخلق ما يُقدَّر بـ 4.2 مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة خلال عشر سنوات.

لكن هذا الدور لا يخلو من مفارقة: فالبرنامج نجح في تحريك الاقتصاد، لكنه يعمل داخل سوق عقاري لا يزال يحكمه منطق المضاربة والتحوّط، لا منطق الاستخدام الاجتماعي.

أحد الجوانب الأقل تناولًا في النقاش العام هو البعد المكاني للبرنامج، إذ لم يقتصر «سكن لكل المصريين» على أطراف المدن الكبرى، بل امتد إلى معظم المحافظات، في محاولة لتقليل فجوة التنمية والهجرة الداخلية نحو القاهرة، كما استهدف فئات محددة بوضوح كالمرأة المعيلة (بنسب وصلت إلى 40% في بعض الطروحات)، والشباب ومحدودي ومتوسطي الدخل.

هذه الاختيارات ليست محايدة، بل تعكس تصورًا ضمنيًا لدور الدولة في إعادة توزيع الفرص، لا الاكتفاء بضبط المؤشرات الكلية.

رغم هذا النجاح النسبي، تظل التجربة محكومة بحدود واضحة فالبرنامج لا يغطي كل احتياجات الإسكان، خصوصًا للطبقتين الوسطى والدنيا في المدن القائمة، ويظل مرتبطًا بدعم مباشر أو غير مباشر من الدولة، ما يجعله عرضة لضغوط المالية العامة، ولا يعالج بمفرده اختلالات سوق الإيجار، ولا أزمة الوحدات المغلقة، ولا التشوهات التشريعية المتراكمة.

بعبارة أخرى، «سكن لكل المصريين» لا يمكنه وحده أن يحمل عبء العقد الاجتماعي بأكمله.

إن القيمة الحقيقية للبرنامج لا تكمن فقط في عدد الوحدات أو حجم التمويل، بل في الرسالة السياسية الكامنة خلفه: إن الدولة لا تستطيع إدارة التحولات الاقتصادية الكبرى دون توفير حد أدنى من الأمان السكني، لكن تحويل هذه الرسالة إلى عقد اجتماعي مستدام يتطلب توسيع البرنامج ليشمل الإسكان المتوسط الحضري، وربطه بإصلاح تدريجي لقانون الإيجار، وتوجيه خفض أسعار الفائدة المتوقع لدعم السكن الحقيقي لا المضاربة، ودمجه في سياسة عمرانية شاملة مرتبطة بفرص العمل والنقل والخدمات.

عمومًا فإن «سكن لكل المصريين» ليس حلًا نهائيًا لأزمة السكن في مصر، لكنه أهم تدخل عام في هذا الملف منذ عقود، وهو يطرح سؤالًا أوسع من الإسكان ذاته: هل تعود الدولة للعب دورها كضامن للحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، أم يظل تدخلها استثناءً مؤقتًا داخل سوق غير منضبط؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان السكن سيبقى مجرد أصل مالي أم يعود ليكون أحد أعمدة العقد الاجتماعي في مصر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق