نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف يتحول التنظيم الإرهابي إلى سلعة رخيصة في سوق الصراعات الإقليمية؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 يناير 2026 08:08 مساءً
الضجيج الموسمي الفارغ المُصاحب لدعوات التحريض الإخواني على ثورة جديدة من ثورات الوهم لا يعبر عن مشهد من مشاهد ما يسمى «الحراك الثوري»، بقدر ما يكشف عن طقس تنظيمي فارغ تنظمه الجماعة الإرهابية ليس لإحداث تغيير، كما يزعمون، ولكن لإثبات وجود من لم يعد له وجود.هذه هي المفارقة المركزية التي تعيشها جماعة «الإخوان» بعد الثالث من يوليو 2013، وما تلاه من أحداث. فكيف تحولت جماعة كانت تحتل قمة الهرم السياسي في عام وحيد يتيم إلى شبح يخاطب ظلاله من منافي دول الملاذ الآمن؟
في قراءة باردة لتشريح جثة تنظيمية لا تريد أن تعترف بموتها، نحن أمام حالة فريدة في العلوم السياسية: جماعة تتحول من تنظيم حاكم إلى أداة في حرب بالوكالة، ومن جماعة كان لها وجود على الأرض بمظاهر خادعة وأقنعة زائفة إلى علامة تجارية لإثارة القلق، تبيع وهمَ التهديد المستمر لمن يدفع أكثر.
بعد الثالث من يوليو 2013، لم تنكسر شوكة «الإخوان» فحسب، بل تحطمت عظامهم التنظيمية. شبكتهم العمودية الصارمة، التي كانت قوتهم التاريخية، أصبحت نقطة ضعفهم القاتلة. سقوط العدد الأكبر من القيادات المؤثرة في قبضة أجهزة الأمن حوّل الجسم إلى رأس بلا جسد، لكن الطبيعة تكره الفراغ، والفراغ التنظيمي أنجب حملًا كاذبًا، يبشر بمولود اسمه «الأسطورة».
كان التنظيم الإرهابي يفشل ثم يعود ليخطط لفشل جديد، إلى أن تحول الفشل إلى قصص بطولية. كل دعوة تظاهر فاشلة لم يقرؤوها كعجز، ولكن ترسخت في خيالهم المريض كـ«تضحية» في ملحمة طويلة. هذا التحول هو ما يسميه علماء الاجتماع «تأطير الكارثة». لقد حوّلوا الهزيمة المتكررة إلى دليل على «الصمود المتوهم» و«الثبات الوهمي». الدعوات التحريضية شبه الموسمية لم تعد أدوات تغيير، بل أصبحت طقوسًا للذكرى، توهم الأعضاء المتبقين بأنهم جزء من قصة أكبر، حتى لو كانت تلك القصة تدور في حلقة مفرغة.
التربح من وهم التهديد
وبعد تكرار الفشل في تحقيق الأهداف، قرروا الاستفادة منه في تعبئة خزائنهم من عائدات التمويل المشبوه. لقد اكتشفوا أن التهديد الافتراضي له سوق رائجة في الجغرافيا السياسية المضطربة للشرق الأوسط. دول إقليمية في حاجة إلى ورقة ضغط، وجهات مانحة تبحث عن «قضايا» لتمويلها، وإعلام السبوبة يبحث عن محتوى درامي. «الإخوان» أصبحوا موردي الخطر، ينتجون بانتظام دعوات يمكن لدول معادية استخدامها في مساومات رخيصة.
التمويل الخارجي لم يعد موجهًا لشراء أسلحة أو تنظيم خلايا (فهذا لم يعد مجديًا)، ولكن لتمويل صناعة الوهم: قنوات فضائية، ومكاتب علاقات عامة، وحملات على منصات التواصل الاجتماعي تديرها شركات متخصصة. إنه اقتصاد الصراع في عصر الرقمنة، حيث تُقاس الفعالية بعدد التغريدات وأعداد المتفاعلين، وليس بعدد المتظاهرين على الأرض.
كيف تعمل الآلة الفارغة؟
لننظر عن قرب إلى تشريح إحدى الدعوات التحريضية: من الخارج، يُعلن التنظيم، أو أي كيان من كيانات الحلفاء، أو أي عنصر من المرتزقة، عن «يوم غضب» أو ثورة من ثورات «الفنكوش» من خلال صفحات التواصل الاجتماعي، وغالبًا ما يكون التوقيت رمزيًا (ذكرى مظلومية مكذوبة)، تلتقطه شبكة من القنوات والمواقع الممولة وتضخمه إلى حدث «مصيري».
تصل الدعوة إلى الداخل، لكنها لا تجد أي بنية تنظيمية قادرة على تحويل الكلمات إلى فعل. النتيجة الحتمية: فشل محقق، وسقوط عناصرها في قبضة أجهزة الأمن، ثم تحويل الفشل إلى انتصار إعلامي عبر خطاب يمدح «صمود الشعب» و«شجاعة الأحرار».
هذه العملية تشبه آلة بيروقراطية لإنتاج الفشل، لكنه فشل مُربح. فهو يخدم أغراضًا متعددة: القيادة تتوهم أنها ما زالت «تقود» المقاومة، وتحاول أن تقدم دليلًا للحلفاء الإقليميين على أن «التنظيم الإخواني حي»، وتسعى إلى منح الأعضاء والتابعين جرعة موسمية من الأمل الكاذب.
لماذا يستمر ما لا يجدي؟
الاستمرار في فعل ثبت فشله مرارًا يبدو جنونًا، لكنه في التحليل النفسي الجماعي يُعرف بـ«الالتزام المتزايد بمسار فاشل». كل استثمار جديد (مالي، عاطفي، سياسي) في الاستراتيجية يجعل الاعتراف بالفشل أكثر كلفة. الاعتراف بأن الدعوات لا تجدي يعني أن القيادات في المنفى تفقد سبب وجودها، وأن الحلفاء يفقدون ورقة المساومة، وأن الأعضاء يفقدون «الأمل الكاذب».
لذلك، يصبح التكرار نفسه هو الهدف. الاستمرارية تصبح بديلًا عن الفعالية. الأهم ليس تحقيق الهدف، بل إبقاء الجمرة متقدة، حتى لو كانت لا تدفئ سوى من يبيعونها.
المفارقة الكبرى أن قيمة التنظيم الإخواني زادت عند دول بعينها بعد أن أصبحوا عملة في صراع المحاور. هناك من يحتضنهم كورقة مساومة، وآخرون يروجون لهم كدليل على «التزامهم برعاية قضايا بعينها». وبقيت الجماعة رمزًا مفيدًا، إما كـ«تهديد إرهابي»، وإما كـ«معارضة وهمية».

هذا التحول إلى أداة بالوكالة، قطع آخر رابط بين الجماعة وشعبها المزعوم. خطابهم لم يعد موجهًا للمصريين، بل للرأي العام في منابع التمويل المشبوه والملاذ الآمن. شعاراتهم صيغت بلغة «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» التي تترجم جيدًا لدى البعض، لكنها لا تلامس هموم المواطن المصري.
نهاية المشروع الأيديولوجي وولادة «الماركة»
هذا هو التحول الأعمق: موت «الإخوان» كحركة أيديولوجية، وولادتهم كماركة (Brand). «الإخوان» لم يعودوا مشروعًا لتأسيس دولة إسلامية مزعومة، ولكن أصبحوا علامة تجارية لإثارة القلاقل والاضطرابات. يمكن لأي لاعب إقليمي أن «يشتري» هذه العلامة ويستخدمها في حملاته.
والسيناريو الأرجح للنهاية الحتمية، هو استمرار الآلة في الدوران دون تأثير حقيقي، والدعوات تواصل صدورها كتذكير دوري بوجود الجماعة في الخريطة الإعلامية، والتمويل الخارجي يستمر، لكن بمستويات منخفضة بما يكفي لدفع رواتب القيادات بالخارج وإدارة القنوات، وغير كافٍ لأي حركة داخلية. هذا هو سيناريو الموت البطيء.
قصة الإخوان بعد 2013 تقدم درسًا قاسيًا في علم تشريح فشل التنظيمات الإرهابية، لقد ارتكبوا خطأين قاتلين:
الأول: الاعتقاد بأن الاستمرارية الشكلية يمكن أن تحل محل الفعالية الواقعية.
الثاني: تسييس الموت، أي تحويل الفشل المتكرر إلى أيديولوجيا بديلة عن النجاح.
في النهاية، الشوارع المصرية لم تعد مسرحًا لمعركتهم. المعركة الحقيقية تدور في مكاتب العلاقات العامة في عاصمة دولة من دول الملاذ الآمن، وغرف التحرير في عاصمة ثانية، وأروقة الدبلوماسية في دولة ثالثة. «الإخوان» لم يعودوا حركة شعبية، ولكن أصبحوا ظاهرة إعلامية معولمة، يُستهلك وجودها في شاشات التليفزيون أكثر من استهلاكه في ساحات التغيير المزعوم.
المأساة ليست في موت التنظيم، بل في استمرار جثته تتحرك مثل "دمية"، تتحكم فيها خيوط من ذهب وأخرى من أوهام.


















0 تعليق