نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اللعب بالنار على حافة الشرق الأوسط! - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 يناير 2026 07:32 صباحاً
واشنطن وطهران في سباق كسر الأعصاب
في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب دائمًا بإطلاق الصواريخ، بل بسوء تقدير واحد، أو غرور سياسي يعتقد أن الخصم سيرمش أولاً. ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران اليوم ليس دبلوماسية، ولا تهدئة، بل لعبة خطرة لإدارة الخوف، حيث يرفع كل طرف السلاح دون أن يضغط الزناد، منتظرًا أن ينهار الطرف الآخر نفسيًا قبل أن ينهار ميدانيًا. إنها مواجهة مؤجلة، لكنها غير ملغاة، مؤجلة لأنها مكلفة.. لا لأنها غير مرغوبة.
التصعيد الأمريكي ثم التراجع السريع لم يكن ارتباكًا، بل انعكاسًا لحقيقة أكثر قسوة: واشنطن تريد الضربة، لكنها تخشى ثمنها. تريد أن تُظهر القوة دون أن تدخل الحرب، وأن تحاصر إيران دون أن تُفجر المنطقة. لهذا بدا الخطاب الأمريكي متناقضًا، قاسيًا في لحظة، ومرنًا في أخرى، وكأن البيت الأبيض يختبر إلى أي مدى يمكن شدّ الحبل قبل أن ينقطع.
داخل الإدارة الأمريكية الصراع حاد، فهناك من يرى أن التردد أخطر من الضربة، وأن صورة الولايات المتحدة تتآكل كلما رفعت سقف التهديد ثم تراجعت. وفي المقابل، هناك من يدرك أن أي ضربة، مهما وُصفت بـ "المحدودة أو الذكية"، قد تتحول إلى كرة نار تتدحرج عبر الخليج، وتصل إلى القواعد العسكرية، والممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وربما إلى داخل إسرائيل نفسها. هذه ليست حربًا يمكن التحكم في مسارها، بل مقامرة مفتوحة على الفوضى.
المنطقة التي خبرت كلفة الحروب بالوكالة، لم تكن متحمسة لأن تتحول إلى ساحة تصفية حسابات أمريكية- إيرانية. رسائل التحذير التي خرجت من عواصم عربية لم تكن مجاملات دبلوماسية، بل تعبيرًا صريحًا عن خوف حقيقي: أي شرارة في الخليج تعني شللًا اقتصاديًا، واضطرابًا أمنيًا، وارتدادات لن تقف عند حدود السياسة. لهذا فُرض "الكبح الإقليمي" على الاندفاعة الأمريكية الأولى.
أما إسرائيل، التي يُفترض دائمًا أنها الأكثر حماسًا للمواجهة، فبدت هذه المرة أكثر حسابًا للأكلاف، فالمشهد الإقليمي لا يسمح بمغامرة غير مضمونة النتائج، والجبهة الداخلية ليست في وضع مثالي لتحمل وابل صاروخي مباشر أو عبر حلفاء إيران. الدعم السياسي لأي قرار أمريكي لا يعني الرغبة فيه، بل محاولة لتجنب الظهور بموقع المعطِّل، مع الاحتفاظ بحق التراجع إذا انفجر المشهد.
في طهران، لم يكن السلوك أقل براجماتية، فالنظام يدرك أن الصراخ العالي لا يعني القدرة على خوض حرب مفتوحة. تشديد القبضة الأمنية في الداخل، وضبط مستوى القمع، وقطع قنوات التواصل، كلها إجراءات تهدف إلى منع انهيار داخلي قد يُستخدم ذريعة لتدخل خارجي. إيران تحاول أن تبدو قوية بما يكفي لردع الضربة، وضعيفة بما يكفي لعدم استفزازها.
هذا التوازن القلق منح واشنطن فرصة التراجع التكتيكي دون خسارة كاملة للهيبة. تراجعٌ في التصريحات، يقابله استعداد عسكري فعلي، حاملات طائرات تتحرك، ومنظومات دفاع تُنشر، ورسائل تُرسل بصمت. إنها سياسة "التهديد الصامت": أن تكون جاهزًا للضربة دون أن تُعلن ساعة الصفر.
لكن أخطر ما في المشهد ليس ما يُقال، بل ما قد يحدث خارج الحسابات. استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" يبدو خيارًا مريحًا مؤقتًا، لكنه هش. الضربة المحدودة تظل احتمالًا قائمًا، خصوصًا إذا شعر صانع القرار الأمريكي بأن التردد يتحول إلى ضعف. أما السيناريو الكارثي، فهو الانزلاق غير المقصود، حين يتحول حادث صغير، أو رد فعل مبالغ فيه، إلى سلسلة تصعيد لا يمكن إيقافها.
في الخلفية، تُلوّح واشنطن بورقة "البدائل"، لا لأنها تملك مشروعًا جاهزًا، بل لأنها تريد إبقاء النظام الإيراني في حالة قلق دائم. تداول الأسماء ليس خطة بقدر ما هو أداة ضغط نفسية، ورسالة مفادها أن كل الخيارات مطروحة، حتى وإن كانت غير ناضجة أو محفوفة بالمخاطر. لكن هذا اللعب قد ينقلب على أصحابه، حين يُستخدم لتغذية خطاب المؤامرة بدل إضعافه.
في النهاية، ما نشهده ليس سلامًا، بل هدنة أعصاب، وليس تراجعًا، بل انتظارًا. الجميع يعرف أن كلفة الحرب عالية، لكن الجميع أيضًا يختبر حدود الآخر. في هذه اللعبة، لا رابح حقيقي، بل خاسر مؤجل. وفي الشرق الأوسط، حيث الحروب كثيرًا ما تبدأ بخطأ حساب واحد، يبقى السؤال الأكثر رعبًا: هل يظل اللعب على الحافة ممكنًا، أم أن أحدهم سيسقط، ويجرّ المنطقة كلها معه؟


















0 تعليق