مرارة البُن في جمهورية النفط - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مرارة البُن في جمهورية النفط - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 يناير 2026 10:23 صباحاً

المحامي ربيع حنا طنوس

 

 

لم تكن رائحة البُن في فنزويلا مجرّد أثر صباحي يتسلّل من الجبال، بل كانت زمناً كاملاً يُقاس بالحصاد لا بالبراميل، بالتعب لا بالريع. كان البُن لغة الأرض حين كانت تتكلّم، وشهادة الناس على معنى الإنتاج قبل أن تتعلّم الدولة مفردات الوفرة السهلة. في تلك البلاد، كان الفنجان يُشبه عقداً أخلاقياً غير مكتوب بين الإنسان وترابه: ما يُزرع يُؤكل، وما يُنتج يُحفظ، وما يُشرب لا يستورد من الخارج على هيئة قرار.
ثم جاء النفط، لا كاكتشافٍ تقنيٍّ فحسب، بل كتحوّل في الفكرة ذاتها: فكرة الدولة. انتقل مركز الثقل من الجبال إلى الحقل النفطي، ومن اليد إلى الخزينة، ومن الفلاح إلى السلطة. ومع كل برميلٍ يُستخرج، كانت حبة بُنٍ تسقط من الذاكرة العامة. لم يعد الاقتصاد فعلاً انتاجياً بل وعد سياسي، ولم تعد الدولة وسيطاً بين الناس والأرض، بل وكيل حصري للثروة السهلة، يوزّعها ويمنعها، يمنحها ويصادرها.

images1_090835.jpg

في هذا التحوّل، لم تتغير فنزويلا وحدها، بل تغيّر موقعها في العالم. صارت جمهورية النفط مساحة صراعٍ بين الداخل والخارج، بين السيادة والاعتماد، بين خطاب الاستقلال وحقيقة الارتهان. ومع دخول الولايات المتحدة كلاعبٍ دائم في معادلة النفط والسلطة، لم يعد السؤال: من يحكم؟ بل كيف تُدار الثروة، ولصالح من تُمرَّر المرارة؟ هنا لم تعد مرارة البُن مسألة ذوق، بل صارت استعارة لبلدةٍ خسر نكهته الأولى وهو يلاحق وهماً اسمه الوفرة.
لم تكن الولايات المتحدة حاضرة في فنزويلا بصفتها قوةً غازية تقليدية، بل كقابضٍ ماهر على مفاتيح غير مرئية: السوق، العملة، العقوبات، والشرعية الدولية. قبضت ليس على الأرض مباشرةً، بل على شروط الحركة فوقها. ومع كل أزمةٍ داخلية كانت اليد الخارجية تُحكم الإمساك أكثر، لا لتُسقط الدولة فوراً، بل لتبقيها في حالة توازن مختلّ، يكفي لإدامة الحاجة ويمنع الانفلات الكامل. في جمهورية النفط، لا تُقاس السيادة بعدد الجنود، بل بقدرة الدولة على بيع نفطها، وتحويل عائداته، والاحتفاظ بقيمتها. هنا بالذات كانت القبضة الأميركية الأشدّ: خنقٌ بإسم النظام المالي العالمي، وعقوبات تُقدّم كأدوات أخلاقية، فيما نتيجتها تترجم نقصاً، تضخماً، وتآكلاً في حياة الناس. لم تعد المواجهة بين دولتين، بل بين نظامٍ اقتصادي كوني ودولة ريعية فقدت بدائلها الإنتاجية.
وبينما كانت السلطة في الداخل تتشدّد باسم الصمود، كانت البلاد تنكمش بإسم العقوبات. هكذا وجد الشعب نفسه عالقاً بين خطابين متقابلين، كلاهما لا يُشبه رائحة البُن الأولى: خطاب سياديّ يبرر الفشل، وخطاب دولي يعاقب الدولة عبر المجتمع. وفي هذه المسافة الرمادية تحوّلت فنزويلا إلى مثال معاصر عن كيف تُدار الدول من خارج حدودها من دون إسقاط أعلام أو تغيير خرائط. ولعل المفارقة الأشدّ قسوة أن الولايات المتحدة وهي تُحكم قبضتها على النفط، لم تكن معنية بإعادة الاعتبار للبُن، ولا بإحياء اقتصاد منتج، بل بإدارة المخاطر لا إصلاح الجذور: فالبُن يحتاج زمناً، دولة صبورة، وسياسة لا تقاس بدورة انتخابية. أما النفط، فيكفيه قرار. وهكذا بقيت المرارة مزدوجة مرارةُ فنجانٍ أُهمل، ومرارة بلدٍ أُمسك به من حيث ظنّ أنه أقوى.
ليست فنزويلا استثناءً في هذا المشهد، بل حالة تكشف آلية العصر، آلية تُمارس فيها القوة بلا دبابات وتُدار الهيمنة من خلف الأرقام، المصارف، والشرعية الدولية. الولايات المتحدة، في هذا السياق لا تحتاج إلى احتلال الدول كي تُخضعها، يكفي أن تتحكّم بإيقاعها الاقتصادي، وأن تحدد لها متى تتنفس ومتى تختنق. هذه ليست مؤامرة، بل نظام عالميٌّ مكتمل الأدوات، واضح القواعد لا يرحم من يدخل لعبته من دون بدائل.
والدرس لا يتعلق بأميركا وحدها، بل بالدول التي تظن أن الثروة تختصر الدولة، وأن المورد الواحد يكفي لبناء سيادة. جمهورية النفط، حين تفقد اقتصادها المنتج، تفقد قدرتها على المناورة. وحين تُهمِل البُن، تُهمِل الإنسان الذي يحمله. عندها تصبح البلاد قابلة للإمساك لا لأن الخارج أقوى فحسب، بل لان الداخل صار هّشاً معتمداً، وقابلاً للضغط.
ربما لهذا تبقى مرارة البُن أكثر صدقاً من كل الخطابات. فهي تذكيرٌ بأن القوة الحقيقية لا تستورد، وان السيادة لا تُستعار، وأن الدولة التي لا تزرع ما يكفي لتعيش، ستُجبر يوماً على شرب ما يُفرض عليها. في عالمٍ تُدار فيه الأمم كملفات، يبقى الدرس بسيطاً وقاسياً معاً: من لا يملك فنجانه، لن يختار طعم المرارة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق