الطاقة المتجدّدة كمدخل لحلّ أزمة الكهرباء في لبنان... محطّة الطفيل نموذج يعيد السؤال حول استراتيجية الدولة الطاقوية؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الطاقة المتجدّدة كمدخل لحلّ أزمة الكهرباء في لبنان... محطّة الطفيل نموذج يعيد السؤال حول استراتيجية الدولة الطاقوية؟ - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 يناير 2026 11:33 صباحاً

محمد عالم- محامٍ والشريك الرئيس – عالم وشركاه

 

 

لا يخفى على أحد أن مشكلة الكهرباء في لبنان هي مشكلة المشاكل وأكثر الأزمات استعصاءً، لا لغياب الحلول بل لغياب الإرادة لتطبيقها. وقد تحوّلت إلى مرآة تعكس عمق العجز البنيوي في الدولة وتحكّم منطق المصالح الضيّقة والمحسوبية وضياع القرار السياسي الموحّد في قطاع حيوي يشكّل شريان الاقتصاد الوطني. 

 

 

فمنذ التسعينات، أنفقت الدولة اللبنانية مليارات الدولارات على قطاع الكهرباء من دون أن تتمكّن من تأمين التغذية المستمرّة. ومع الانهيار الاقتصادي وتراجع قدرتها على دعم هذا القطاع منذ عام 2019، ازدادت ساعات التقنين بصورة غير مسبوقة وباتت المدن والقرى اللبنانية تغرق في العتمة حتى نال لبنان لقب "دولة العتمة" بلا منازع، ما زاد من اعتماد اللبنانيين بصورة شبه كاملة على المولّدات الخاصة لتأمين الكهرباء، رغم ارتفاع تكلفتها، فضلاً عمّا تنتجه من مشاكل بيئية وآثار صحية خطيرة، إلى درجة تسجيل لبنان النسب الأعلى عربياً، ومن بين الأعلى عالمياً في معدّلات الإصابة بالأمراض السرطانية وفق العديد من الإحصاءات.

 

  

هذا الواقع بالأساس ليس وليد مشكلة تقنية ولا حتى مالية، بل هو انعكاس مباشر لحالة نظام المحاصصة، وبالتالي العجز عن تبني رؤية طاقوية متكاملة تتجاوز الحلول الموقّتة وتستند إلى مبادئ الكفاءة والاستدامة والسيادة الوطنية على الموارد.

 

 

Screenshot20260119112547_112606.jpg

 

 

 

وفي مقابل هذا الواقع القاتم، تبرز مشاريع الطاقة المتجدّدة، ولا سيّما منها محطّات الطاقة الشمسية، أحد أهمّ البدائل القادرة على تحويل التحدّيات إلى فرص حقيقية للتنمية، وهي تشكّل خياراً استراتيجياً لا مفرّ منه، ليس لتأمين الكهرباء بأسعار معقولة، أو لخفض فاتورة استيراد الفيول التي تستنزف الخزينة العامة، أو لاعتماد طرق نظيفة والتقليل من الانبعاثات السامّة المؤدّية إلى التلوّث والتغيّر المناخي فحسب، بل أيضاً لتعزيز الأمن الطاقوي وتقليل التبعية للخارج.

 

 

في هذا الإطار، تتقدّم مشاريع الطاقة الشمسية كمفتاح رئيسي لحلّ أزمة الكهرباء، يجمع بين الجدوى الاقتصادية والسرعة في التنفيذ، ويتيح للقطاع الخاص والبلديات والمجتمعات المحلّية أن تلعب دوراً مباشراً في الإنتاج. 

 

 

ويبرز على هذا الصعيد، مشروع محطّة الطفيل للطاقة الشمسية، كنموذجٍ  يتمتّع بآفاق تطبيقية واعدة، إذ أن من شأن هذا المشروع، في حال جرى تبنّيه  وتنفيذه، أن يشكّل نقطة تحوّل محورية في مسار تطوير الطاقة المتجدّدة واستثمارها في لبنان. 

 

 

يمتاز هذا المشروع بما تحظى به بلدة الطفيل من موقع جغرافي استراتيجي  في منطقة البقاع الشمالي على الحدود اللبنانية-السورية، حيث يبلغ ارتفاعها عن سطح البحر حوالى 860 متراً، ناهيك بمزاياها الإضافية خصوصاً لجهة ارتفاع معدّل الإشعاع الشمسي وتوافر مساحات شاسعة ملائمة لإقامة مزارع طاقة شمسية واسعة النطاق. وقد أكّدت ذلك الدراسات الصادرة عن جهات متعدّدة، بينها دراسة عن "البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية" (EBRD) وأخرى عن الجامعة الأميركية في بيروت.

 

 

ويبرز في هذا المجال التقرير الذي نشره البنك الأوروبي عام 2022 تحت عنوان "تقييم جدوى تطوير الطاقة الشمسية في منطقة الطفيل في لبنان"، والذي أتى ثمرة تعاون بين جهات عدة محلّية ودولية، بالتنسيق مع وزارة الطاقة والمياه ومؤسّسة كهرباء لبنان. وقد شكّل هذا التقرير مرجعاً أساسياً لبلورة رؤية متكاملة حول المشروع، مع مساهمتنا المباشرة في دراسة أبعاده القانونية وما يثيره من إشكاليات تشريعية وتنظيمية، فضلاً عن تقييم جوانب النزاعات التي تتعلّق بأراضي الطفيل والحلول المقترحة.

 

 

ووفق دراسة الجدوى التي لحظها التقرير، يتضمّن المشروع  المقترح إنشاء محطّة طاقة شمسية كهروضوئية وتشغيلها بقدرة 452 ميغاواط ذروة (MWp) تعتمد على أكثر من 830 ألف لوح شمسي، وتُقام في موقع يتمتّع بمتوسّط إشعاع شمسي يبلغ 1985 كيلوواط\ ساعة لكلّ متر مربع (kWh/m2)، ما يُتيح تحقيق إنتاج سنوي يُقدّر بحوالى 969 الف ميغاواط\ ساعة (MWh). وقد أظهرت دراسة الجدوى أن الموقع المقترح يوفّر الشروط البيئية والفنية المناسبة لدعم إنتاج طاقة شمسية قابلة للتمويل من المؤسّسات المالية، ممّا يعزّز من جدوى المشروع على المستوى الاستثماري. ووفقاً للتحليل التجاري، فإن الإطار الاستثماري والتشغيلي القائم على نموذج "منتج الطاقة المستقلّ" (IPP) يُمكّن من تحقيق إيرادات كافية لتغطية العائد على حقوق الملكية، وخدمة الدين، وأكلاف التشغيل والصيانة، ممّا يؤكّد جاذبية  المشروع من الناحية الاقتصادية.

 

 

وبالانتقال إلى الجانب القانوني، من المهمّ بداية الإشارة إلى أنه في حالة أراضي الطفيل، وهي من نوع الأراضي الأميرية المملوكة رقبتها من الدولة اللبنانية، ثمّة إشكاليات قانونية تطرح على مستوى حقّ الاستثمار، بحيث يتوزّع هذا الحقّ بنسبة 75% لمصرف لبنان و25% لإحدى الجهات الخاصة، ما فتح الباب أمام نزاعات قانونية قائمة من شأنها أن تعرقل التنفيذ. ولتجاوز هذه العقبة، يمكن اعتماد خيار إزالة الشيوع بما يؤدّي إلى توحيد حقّ الاستثمار، أو اللجوء إلى آلية الاستملاك لمصلحة الدولة، استناداً إلى مبدأ المنفعة العامة المتمثّل في إنتاج الكهرباء من مصادر متجدّدة. كلّ ذلك يوفّر حلّاً عملياً يوازن بين حماية الملكية الخاصّة وتحقيق المصلحة الوطنية العليا في مجال الأمن الطاقوي. أمّا بالنسبة الى حقوق مصرف لبنان، بصفته الجهة المالكة للحصّة الكبرى من حقّ الانتفاع، فبوسعه الاستفادة من المشروع، إمّا عبر تحصيل عوائد الترخيص أوعوائد الاستغلال، وإما من خلال إيرادات إيجار الأراضي المخصّصة لإنشائه.

 

 

وفي ما يتعلّق بمسارات التلزيم، فإن القوانين ذات الصلة، على غرار قانون تنظيم قطاع الكهرباء الرقم 462/2002 وقانون تنظيم الشراكة بين القطاعين العام والخاصّ الرقم 48/2017، تشكّل الأرضية القانونية التي يمكن من خلالها إطلاق هذا المشروع. غير أن التحدّي الأساسي يكمن في ما تفرضه هذه القوانين من آليات إجرائية معقّدة ومتعدّدة المراحل، تتطلّب وقتاً طويلاً نسبياً لإنجاز دورة التلزيم الكاملة، الأمر الذي قد يبطئ وتيرة تنفيذ المشاريع، خصوصاً في القطاعات التي تتطلّب استجابات سريعة كما الحال بالنسبة الى قطاع الكهرباء. فالبلد لا يمتلك رفاهية الوقت في ظلّ الأزمات المتعدّدة التي تواجهه، خصوصاً في قطاع حيوي كقطاع الطاقة، ناهيك بأن بطء الإجراءات القانونية قد يؤدّي إلى تآكل الجدوى التقنية للمشروع، حيث أن التكنولوجيا تتطوّر بوتيرة متسارعة، وإن أيّ تأخير إضافي سيفقد لبنان فرصة الإلتحاق بالتطوّر التكنولوجي في هذا المجال.

 

 

على هذا الأساس، وفي إطار إطلاق عملية التلزيم والإسراع في مسارات التنفيذ، قد يكون من المناسب إقرار قانون خاصّ، أو منح امتيازٍ بهذا الصدد وفقاً للمادة 89 من الدستور، بما فيه تكريس المرونة والرشاقة في آليات الترخيص والتنفيذ مع الحفاظ في الوقت عينه على المصلحة العامة وضمان معايير الشفافية والحوكمة الرشيدة، بشكل يتيح المجال لمقاربة قانونية مختلفة عن تلك التي تعتمدها النصوص العامة والتي غالباً ما تكرّس البيروقراطية والبطء في مسار التلزيم.

 

 

أمّا بالنسبة إلى فوائد المشروع، فيبرز الأثر الإيجابي المتوقّع على صعيد دعم جهود الدولة اللبنانية لتحقيق أهدافها، في مجال توليد الكهرباء والطاقة المتجدّدة والتقليل من الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية والوقود الأحفوري  ومولّدات الديزل ذات التكلفة العالية والأثر البيئي السلبي، والمساهمة بالتالي في خفض فاتورة استيراد الفيول وتقليص الانبعاثات الضارة. كما تكشف الدراسات أنّ تكلفة إنتاج الكيلواط/ساعة من المحطّة ستكون أدنى بكثير من تكلفة معامل الطاقة الحرارية الحالية، ما يمنح المشروع قدرة تنافسية على المستويين المحلي والإقليمي. وإلى جانب هذا الأمر، يحمل المشروع بعداً تنموياً واضحاً من خلال خلق فرص عمل مباشرة في قطاع الطاقة النظيفة خلال مراحل التنفيذ والتشغيل والصيانة، خصوصاً لأبناء المنطقة، ممّا يعزّز استقرار المجتمعات الريفية في البقاع، وأخرى غير مباشرة نتيجة تحسين موثوقية نموذج إمداد الكهرباء عبر محطّات الطاقة الشمسية، وتالياً العمل على تطبيقه في مناطق أخرى مع ما يوفّره الأمر من خلق فرص إضافية. ويُضاف إلى ذلك تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية من خلال توفير الكهرباء المنتجة  من مصادر متجدّدة بأسعار مقبولة، بما يدعم تطوير القطاعين الصناعي والزراعي في المنطقة. وبذلك يؤسّس المشروع لنموذج طاقوي وتنموي مستدام في منطقة البقاع، يمكن البناء عليه وتعميمه على مساحة الوطن كاملة.

 

 

كما أن البعد الإقليمي يضيف أفقاً آخر للمشروع. فالطفيل بوقوعها على الحدود مع سوريا قادرة على أن تتحوّل إلى جسر للتعاون الطاقوي العابر للحدود مستقبلاً. هذا الجانب يعزّز أيضاً فرص إدخال لبنان ضمن منظومة إقليمية للطاقة المتجدّدة تدعم استقراره الاقتصادي وتقلّل اعتماده على الواردات الباهظة، وهو يؤدّي بدوره إلى زيادة الفائدة الاقتصادية للمشروع وتوسيع إمكاناته التسويقية.

 

 

لا بل أكثر من ذلك. إنّ أهمّية مصادر الطاقة المتجدّدة لا تقتصر على بعدها المحلي أو الاقتصادي فحسب، بل تمتدّ لتأخذ طابعاً استراتيجياً على المستوى العالمي. فمع اقتراب العالم من الذروة النفطية وتزايد التحدّيات المرتبطة بالتغيّر المناخي والالتزامات الدولية للحدّ من الانبعاثات، أصبحت الطاقة المتجدّدة ركناً أساسياً في السياسات الطاقوية للبلدان المتقدّمة وللاقتصادات النامية على حدّ سواء. 

 

وتشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إلى أنّ الإستثمار في  مجال الطاقة الشمسية والرياح والكتلة الحيوية لم يعد مجرّد خيارٍ بيئي، بل تحوّل إلى مكوّن من مكوّنات الأمن القومي للدول، بالنظر لما يوفّره من استقلالية في القرار الطاقوي وتقليل التبعية للأسواق العالمية المتقلّبة. كما أنّ هذه المصادر تساهم في تعزيز الإستقرار الجيوسياسي عبر تقليص الصراعات على موارد النفط والغاز، وتفتح مجالات تعاون إقليمي ودولي من خلال مشاريع الربط العابر للحدود، بما يعكس تحوّلاً جوهرياً في مفهوم الطاقة من سلعة ناضبة ومسبّبة للنزاعات إلى مورد متجدّد داعم للتنمية والسلام.

 

إن محطّة الطفيل ليست مشروعاً معزولاً عن السياسات الوطنية، بل تأتي في سياق التصوّرات العديدة التي قدّمت لتطوير قطاع الكهرباء وتعزيز حصّة الطاقة المتجدّدة ضمن مزيج الطاقة الوطني (Energy Mix) . غير أن التطبيق العملي لهذه الخطط والتوجّهات لا يزال يعاني من بطء شديد في التنفيذ وضعف في التمويل، ما حال دون تحقيق نتائج ملموسة لغاية اليوم.

 

في هذا الإطار، تكتسب محطة الطفيل أهمّية مضاعفة، نظراً لكونها تمثّل أحد النماذج التطبيقية الأكثر نضجاً من ناحية الدراسات التي أنجزت بشأنها ما يعكس مستوى متقدّماً من الجاهزية، ويُظهر استعداداً فعلياً للانتقال إلى مراحل التنفيذ. وتشير التقديرات التقنية إلى أنّ تنفيذ المشروع، في حال تأمين التمويل المطلوب ورفع المعوقات الإدارية، قد يتمّ خلال مدة لا تتجاوز 12 إلى 18 شهراً، ما يجعله من المشاريع القابلة للتنفيذ السريع ضمن قطاع الطاقة المتجدّدة في لبنان. 

 

وانطلاقاً من جاهزية الدراسات المرتبطة بالمشروع، فإن ما تبقّى لتنفيذه فعلياً يتمثّل في الإرادة السياسية. وفي ظلّ التطوّر التكنولوجي المتسارع الذي يشهده العالم اليوم، يصبح من غير المقبول أن تبقى دولة بكاملها غارقة في العتمة وعاجزة عن تأمين التيار الكهربائي بشكل مستدام وعلى مدار الساعة، وأن تستمر في الارتهان لحلول ظرفية وغير عادلة وملوّثة، كشبكات المولّدات الخاصة التي أثبتت محدوديتها وعبء تكلفتها على المواطنين والاقتصاد والبيئة.

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق