نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"طبيب يداوي الناس وهو عليل".. الوجه الخفي للاكتئاب بين الأطباء النفسيين - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 16 يناير 2026 10:56 مساءً
يكشف متخصصون في الصحة النفسية أن الاكتئاب لا يستثني المعالجين النفسيين أنفسهم، رغم كونهم مدرَّبين على مساعدة الآخرين في تجاوز الأزمات. فعلى السطح، يبدو هؤلاء الأخصائيون متماسكين؛ يحضرون جلساتهم في الوقت المحدد، يفكرون بوضوح، ويقدّمون الدعم لمرضاهم بكفاءة. غير أن الواقع خلف الأبواب المغلقة قد يكون مختلفًا تمامًا.
ولا يظهر اكتئاب المعالجين غالبًا في صورة حزن صارخ أو انهيار واضح، بل يتسلل بهدوء على هيئة خدر عاطفي، انسحاب تدريجي من العلاقات، أو فقدان الاهتمام بأشياء كانت يومًا مصدر شغف. تتراجع المتعة، يخفت الفضول، ويستمر العمل، لكن بثقل نفسي متزايد وإحساس داخلي بالفراغ.
ويشير خبراء إلى أن تدريب المعالجين على رصد الاضطرابات النفسية قد يزيد من شعورهم بالخجل حين يواجهونها بأنفسهم، إذ تراودهم أفكار مثل: "من المفترض أن أعرف كيف أتعامل مع هذا"، "طالما أؤدي عملي بشكل طبيعي فلا بد أن الأمر ليس خطيرًا"، "مرضاَي يعتمدون عليّ، ولا يمكنني إظهار ضعفي".
اقرأ أيضاً:6 أبراج تعاني من الاكتئاب في فصل الشتاء.. تعرف على السبب
هذه القناعات، بحسب المختصين، تدفع كثيرين إلى الصمت، ليس فقط أمام زملائهم، بل حتى أمام أنفسهم.
وتوضح الدراسات أن المشكلة لا تتعلق بالفشل المهني أو ضعف الأداء، بل بطبيعة العمل ذاته، الذي يتطلب احتواء مشاعر الآخرين، وتحمل مسؤوليات ثقيلة، والظهور الدائم بمظهر القادر والمتماسك. ومع الوقت، قد تؤدي هذه الظروف إلى نوع خاص من الاكتئاب عالي الأداء.
لماذا المعالجون أكثر عرضة للاكتئاب؟
يؤكد الباحثون أن هناك عدة أسباب تجعل المعالجين أكثر عرضة للاكتئاب مما يُعتقد. في مقدمتها الجهد العاطفي المستمر الذي يبذلونه في دعم الآخرين خلال معاناتهم، ما يؤدي تدريجيًا إلى استنزاف طاقتهم النفسية.
كما يعتقد كثيرون منهم أن خبرتهم المهنية يجب أن تحميهم من الوقوع في الاضطرابات النفسية، لكن حين يكتشفون عكس ذلك، يبدأ جلد الذات: "كيف أعاني وأنا المختص في فهم المشاعر؟".
إلى جانب ذلك، تفرض بيئة العمل معايير عالية من الكفاءة والإنتاجية، سواء في العيادات الخاصة أو المؤسسات، ما يجعل الاعتراف بالمعاناة النفسية يبدو مخاطرة مهنية. ثقافة "الاحتراف المطلق" قد تمنع حتى مشاركة الضعف مع الزملاء.
اقرأ أيضاً:مكوّن غذائي شائع يرفع احتمالات الإصابة بالاكتئاب.. تعرف عليه
وتروي إحدى المعالجات سبب تأجيلها المتكرر للعلاج النفسي قائلة: "أؤجل الأمر دائمًا، ربما لأني أخشى مواجهة ما أشعر به. من المفترض أن أتعامل مع كل شيء وحدي. وإذا لم أستطع، فهل أكون معالجة سيئة؟".
ويؤكد متخصصون أن مثل هذه المشاعر مألوفة في الوسط المهني، إذ يعاني كثيرون من اكتئاب "صامت" لا يُلاحظ بسهولة. ومن أبرز علاماته:
الانسحاب الهادئ من المناسبات الاجتماعية والفرص المهنية.
فقدان الشعور بالمعنى أو المتعة رغم الاستمرار في أداء العمل بكفاءة.
الإفراط في العمل والتحكم الزائد لإخفاء الشعور الداخلي بالتعب.
التهيج الخفيف أو التسطح العاطفي أثناء الجلسات.
وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 40% من العاملين في مجال الصحة النفسية يعانون من إنهاك عاطفي، رغم حفاظهم على صورة خارجية من الكفاءة.
عبء الصمت المهني
يخشى كثير من المعالجين الحديث عن معاناتهم بسبب القلق على السمعة المهنية أو الترخيص أو بدافع الخجل الداخلي. وغالبًا ما تختزل أحاديثهم مع الزملاء في عبارات عامة مثل "الإرهاق"، دون تسمية الاكتئاب بشكل مباشر.
ويحذر الخبراء من أن هذا الصمت قد يؤثر على جودة العمل العلاجي دون وعي، إذ قد يقل التركيز أو الفضول المهني. الاعتراف بالمشكلة، وفق المختصين، خطوة أساسية لإدارتها بشكل صحي.
الاكتئاب لا يعني عدم الكفاءة
يشدد متخصصون على أن معاناة المعالج من الاكتئاب لا تعني بالضرورة ضعف الأداء أو مخالفة أخلاقية. فطلب الدعم المهني أو الإشراف أو العلاج النفسي يعكس وعيًا أخلاقيًا، لا ضعفًا.
ويؤكدون أن المعالجين يستحقون التعاطف والرعاية مثل غيرهم، وأن الاعتراف بالهشاشة الإنسانية لا يقلل من كفاءتهم المهنية، بل يعزز صدقهم الإنساني.
ويخلص التقرير إلى أن الاكتئاب الأكثر هدوءًا هو الأصعب في التشخيص، لكن تسميته والاعتراف به يمثلان الخطوة الأولى نحو مسيرة مهنية صحية وطويلة في مجال العلاج النفسي.
اقرأ أيضاً:












0 تعليق