كيف النجاة من خطوط غزة الملونة - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كيف النجاة من خطوط غزة الملونة - تواصل نيوز, اليوم الأحد 30 نوفمبر 2025 10:09 صباحاً

ما الذي سيجبر الكيان على إيقاف حرب الإبادة التي يشنها على غزة منذ ما يزيد على العامين؟.. أمران فقط هما اللذان بمقدورهما إجباره.

الأول هو: أن يصدر له أمر أمريكي بالتوقف التام والكامل، وهذا لم يحدث حتى الساعة وأغلب ظني أنه لن يحدث، لأن الحرب هي أمريكية في المقام الأول.

الثاني والأخير: أن تلحق المقاومة بالعدو هزيمة ساحقة قاصمة، وهذا بعيد جدًا، نعم ستنتصر المقاومة في نهاية المطاف ولكن متى سيكون الانتصار؟ هذا في علم الغيب.

بغير وقوع أمر من الاثنين، فلن يتوقف كيان الاحتلال عن القتل والتدمير والتخريب، وسيتنكر لكل اتفاق وسينكر أي عهد أو وعد.

قالت صحة غزة في بيانها الصادر صباح السبت الثالث والعشرين من نوفمبر الجاري 2025: "إن إجمالي الشهداء بلغ 339 منذ وقف إطلاق النار (11 أكتوبر 2025)، فيما بلغ عدد إجمالي الإصابات: 871 وإجمالي الانتشال: 574، مضيفة أن حصيلة العدوان الإسرائيلي ارتفعت إلى 69,756 شهيدًا 170,946 إصابة منذ السابع من أكتوبر للعام 2023".

لا أعرف كم سيبلغ عدد الشهداء ساعة وصول سطوري إليك، صعوبة الموقف جعلتني أترك كل تحليل وقراءة سياسية للمشهد، وأهرب إلى دنيا الأدب، حيث الأشياء صادقة حد العري ومؤلمة حتى النزف.

في الأدب وجدت رواية "الأيام الوردية" لمؤلفها الراحل الكريم الأستاذ علاء الديب، وجدتني مثل بطل الرواية" عامر الألفي، ووجدتني قد كتبت ما سأنقل بعضه الآن قبل ثلاث وعشرين سنة، عامر الألفي رجل التعليم الذي خلع نفسه من السياسة، أو هي التي خلعته ولكن بقيت فلسطين السليبة معنى يسافر وراءه واسماً يبحث عنه في دواوين الشعراء، وكلمات الصادقين، كوى بها جراح يونيو، فلا طاب جرح ولا نفع دواء سمع أحد المدرسين يشير إليه ساخرًا "بتاع فلسطين".

ما الذي بقي للألفي؟ تقريباً لا شيء، ينهار عامر تحت وطأة ضربات عامة وخاصة، ويدخل مصحة نفسية، ولكن إلى أين يمضي هارب من دمه؟ في المصحة، يسمع التليفزيون ولا يراه، تستوقفه مصطلحات الـ 13% والـ 11% لا يدرك علاقة هذه النسب المئوية بالوطن، يرى بعين خياله فلسطين تمزق بسكين باردة.

الرواية كتبت بعد اتفاقية أسلو وكانت تلك النسب الملعونة تسيطر علينا ليل نهار، الآن النسب تحولت إلى خطوط ملونة، أسمعهم يصرخون على مدار الساعة باسم الخط الأصفر والخط الأخضر والخط الأزرق، فأصرخ أنا بدوري باحثًا عن غزة، ما علاقة مبتوري الأطراف بكل تلك الخطوط، ما الذي سيعود على الجوعى من تلك الخطوط، هل سيرتاح شهيد وهو يرى من مرقده غزة ود تحولت إلى خطوط زرقاء وصفراء وخضراء؟

أعود إلى عامر الألفي الذي انفردت به وهو راقد في المصحة أهوال قضية فلسطين. ماذا يفهم؟ وماذا يصدق؟ وما كل هذه الكركبة والقدرة على اختراع الأكاذيب؟ الناس تركوه وحده مع ملايين الأحلام والأوهام والأشعار الميتة. هل يتذكر الأحياء أم الشهداء، أم يكتفي بتأمل حطام ذاته؟ هل هي قضية عامة، سياسية قومية أم هي قد صارت بالنسبة له قضية شخصية، وهو متورط فيها منذ الأزل؟

ولكي تزيد الأيام طين الألفي بلة فقد ألتقي عامر في مصحته وجهاً لوجه مع فلسطين واسمها هذه المرة "عفاف" فتاة فلسطينية اغتصبوها أثناء الحرب الأهلية في لبنان، ولأنها فلسطين فقد تمنى الألفي "أن يجمع لها كل لحظات السعادة والوجود المتكامل التي عرفها في حياته وأن ينثرها تحت قدميها قرباناً وهدية خالصة، علها تداوي التعاسة والشقاء الذي عاشته".

وعندما تتمالك عفاف نفسها قليلاً تطلب من الألفي أن يأخذها إلى حيث الكتاب والفنانين والمثقفين الذين عاشت عمراً تقرأ لهم وعنهم. وعندما يأخذها إلى واحد من تلك التجمعات يقابلهما النجم الثقافي اللامع "ف. ف" وما أن يجلس بجوار عفاف حتى تنتفض محمرة الوجه متوترة، يغادر بها الألفي المكان فتقول عفاف: "كم هو بارع ابن الـ.. لم أدرك عندما حدثني عن العقد، وعن رقبتي ثم عن صدري، بلهاء ما زلت كنت ابتسم، ثم مد يده لفخذي. في أقل من ربع ساعة صنع بي كل هذا".

مجدداً تغتصب فلسطين من صهيوني مسلح أو كتائبي ملثم أو قاهري مثقف لا فرق.

لا أرقد على سرير المصحة مثل عامر الألفي، ولكني مثله هو وقع بين أنياب النسب المئوية، وأنا وقعت بين فخاخ الخطوط الملونة، والعدو من وفوقنا ينظر ساخرًا ويطلق دفعة رصاص جديدة، لتبعثر المبعثر، وتعيد قتل المقتول.