نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قلْ يا زورقَ المسيح إنّكَ تستطيع - تواصل نيوز, اليوم الأحد 30 نوفمبر 2025 04:08 مساءً
نحن سعداء بكَ، يا شقيقنا وصديقنا الكبير، لاوون الرابع عشر، وكم متأثّرون بالزيارة السمحاء المبلسِمة، ومبتهجون ببارقة السلام اليتيمة التي هي بارقةٌ ويتيمةٌ، ومتعمشقون بغيمتكَ التي هي غيمةٌ ولطفٌ وعابرةُ سبيل، وكم ممتنّون لمجيئكَ الذي يَعِد بسلامٍ، لا أحد هنا، وعلى مقربة، أو مبعدة، يليق به، ويحرسه، ويباركه، وينجزه.
ها هو هذا السلام، عندما تغادرنا بعد يومٍ، بعد قليلٍ، ها هو سييأس، سيهرب، سيفرّ، آن يرانا نعود إلى رؤسائنا وأمراء سياساتنا وأحزابنا وطوائفنا ومذاهبنا وميليشاتنا وعصاباتنا وقبائلنا وعصبيّاتنا، إلى عقولنا المنتنة، إلى خيالاتنا المجهضة، إلى حروبنا، إلى مآسينا، إلى صغائرنا، إلى حساباتنا، إلى أمراضنا المستحيلة، إلى أيّامنا الدمويّة المعتادة، إلى السينما البغيضة، إلى المسرح الشرّير، حيث نبقى هنا موصومين بالأرض الخراب، مقيّدين بالعقم، منذورين للنحر والتناحر، وحيدين وعزّلًا، أمام الحائط، أمام الجدار، وليس من سماءٍ، وليس من أخٍ، مثلكَ، مترفّعٍ حياديٍّ ومحيَّدٍ وثابتٍ على الحقّ، أو شقيقٍ، أو صديقٍ، مثلكَ، ولن يلتفت أيٌّ إلى مصائرنا المدلهمّة، وسنُساق إليها تحت الفرجة الجهنّميّة، كثيرانٍ، وكشياهٍ معدّةٍ للذبح، وسنكون الدائرةَ المقفلة على الكره، على البغضاء، على الموت، حيث، في الداخل، وفي الإقليم المحيط، وفي العالم الوسيع، يتبارى الوحوش، والقتلة، والمسوخ، والدمى، وشغّيلة البورصة، في التعامي عن الفرصة، في تمريغ الفرصة، في وأدها، وفي ابتداع الجولات غير المسبوقة من فنون الدمار والخراب وإهدار الدماء.
أنتَ عارفٌ، كما أسلافكَ، أنّنا بلد الشقاق والنفاق، يا لاوون 14، لا بلد العقل معًا، ولا العيش معًا، ولا التعايش، ولا العيش المشترك. لكنْ، إذا وضعتَ ذهبكَ النادر في الميزان الأمميّ، فآنذاك - قد - يتحوّل المشهد، - قد - تنقلب الآية، فيصير العبور إلى "تحييد" لبنان، وإلى تحقيق وعد "الوطن الرسالة"... ممكنًا، ولا يعود مستيحلًا.
قلْ إنّك تستطيع، يا أخي لاوون 14، لأنّ ميزان لبنان- اذا لم تستطعْ- سيصبح زؤانًا كلّه، وزغلًا ممهورًا بالهباء والدم. ولأنّ – آنذاك – فكرة "البلد الرسالة" ستؤول إلى قبرٍ، إلى زوالٍ عميم.
وكان الصباح صباحَ يوم السبت، قلتُ أمشي إلى ساحة الشهداء، فأجلس في مقهى، وأعاين عبور الـCondition Libanaise هناك، ومن هناك، بعدما شاهدتُ في طريقي إلى المكان الاستعدادات الحثيثة لاستقبالكَ، يا أسقف روما، في خيمةٍ أقيمت لتحتضن لقاءً مسكونيًّا يحضره ممثّلون عن الطوائف والأديان، وتوجّه أنتَ فيه رسالة سلامٍ ورجاء، ودعوةً إلى الحوار.
لستُ أدري يا لاوون، لماذا أحسستُ أنّ صباح يوم السبت هذا، مُقبِضٌ للقلب ومُكئِبٌ للروح والعقل، وقد تراءى لي وجهُ النفاق اللبنانيّ (الدينيّ والمجتمعيّ والسياسيّ وغيره) باهرًا، وأنيقًا، ومنقشعًا، وساطعًا، وخصوصًا عندما تستقبلكَ هذه الطغمة الاستنقاعيّة الرهيبة. علمًا أنّ الحياةَ ضامرةٌ جميعها، والشمس ضامرةٌ، ومريضةٌ، وتكاد تظلم. وذاك خيرُ بيانٍ وتعبير.
لبنان يفرغ بسرعةٍ هائلةٍ من جوهره، يا صديقي، من معناه، من فكرته، من روحه، من جسمه، من شبابه، ومن قواه الحرّة والحيّة. وما دمتُ قد أشرتُ أعلاه إلى الـCondition Libanaise التي هي شغلي الشاغل، فإنّها ليست بمنفصلة عن الـHumaine Condition برمّتها، وهي كلّها قائمةٌ على الغشّ والمال والكيتش والظلم والقهر والقتل. فأيّ سلامٍ أنتَ تبتغي فيه وبينه، وحكّامُه والمتحكّمون فيه، والمنطقة، والعالم، هم بغاةٌ، وليس سوى البغي يبتغون!
لبنان يغرق، يا لاوون، وغريقٌ لا محالة.
قلْ، يا زورقَ المسيح، إنّكَ تستطيع أنْ تعثر له على موضعٍ في المركب.
بل يجب أنْ تستطيع!