الذكاء الاصطناعي بين المخاوف الوجودية والرهانات العلمية - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الذكاء الاصطناعي بين المخاوف الوجودية والرهانات العلمية - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 8 يونيو 2026 12:14 مساءً

منى صوان*

شهد النقاش حول الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة استقطاباً فكرياً متزايداً بين رؤيتين متعارضتين بشأن مستقبل هذه التكنولوجيا. ففي الوقت الذي ينظر فيه فريق من الباحثين والمطورين إلى الذكاء الاصطناعي بصفته أداةً قادرة على إحداث تحولاتٍ إيجابية واسعة في مجالات الصحة والإنتاجية والبحث العلمي، يحذّر فريق آخر من أنّ استمرار تطوير الأنظمة الذكية قد يقود في نهاية المطاف إلى ظهور قدراتٍ تتجاوز الإنسان نفسه، بما يفتح الباب أمام مخاطر وجودية غير مسبوقة.

 

ويمثل الباحثان إليعازر يودكوفسكي ونيت سواريس أحد أبرز الأصوات التي تتبنى هذا الاتجاه التحذيري. فهما ينطلقان من فرضيّةٍ مفادها أن التطوّر المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي قد يؤدّي في مرحلةٍ ما إلى ظهور ما يعرف بـ"الذكاء الفائق"، أي أنظمة تتجاوز القدرات البشرية في مجالات التفكير واتخاذ القرار. ومن وجهة نظرهما، فإن بلوغ هذه المرحلة قد يضع البشرية أمام تحدياتٍ لا يمكن السيطرة عليها، الأمر الذي يستدعي تدخلاً دولياً لتنظيم مسار التطوير التقني ووضع قيود على بعض مجالات البحث.

 

في المقابل، يرفض أنصار الاتجاه الآخر هذه الرؤية التشاؤمية، ويعتبرون أن التركيز المفرط على سيناريوات الكوارث المستقبلية يتجاهل المنافع الملموسة التي تحققها تطبيقات الذكاء الاصطناعي حالياً. ويؤكد هؤلاء أن تطوير أنظمة أكثر تقدّماً قد يساهم في معالجة مشكلاتٍ مزمنة تواجه المجتمعات البشرية، بينها الأمراض المستعصية وتحسين كفاءة الإنتاج والخدمات.

 

لكن جوهر الخلاف بين الطرفين لا يقتصر على تقييم المنافع والمخاطر فحسب، بل يمتدّ إلى طبيعة الذكاء الاصطناعي نفسه. فحتى الآن، لا يوجد دليل علمي حاسم يثبت أن النماذج اللغوية التوليدية تمتلك فهماً أو وعياً بالمعنى الإنساني للكلمة. ورغم قدرتها على إجراء حواراتٍ معقّدة وتلخيص النصوص وحلّ المشكلات، فإن كثيرين من الباحثين يرون أنها تعتمد أساساً على اكتشاف الأنماط الإحصائية في كمياتٍ هائلة من البيانات، لا على الإدراك أو الفهم الحقيقي.

 

ومن هنا يبرز ما يعرف في أدبيات هذا المجال بـ"مشكلة المواءمة"، وهي الإشكالية المتعلّقة بكيفية ضمان توافق أهداف الأنظمة الذكية المستقبلية مع المصالح والقيم الإنسانية. وتكتسب هذه المسألة أهميةً خاصة في ظلّ محدودية فهم الباحثين للآليات الداخلية التي تتشكل من خلالها بعض قدرات أنظمة التعلّم العميق الحديثة.

 

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ( شات جي بي تي)

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ( شات جي بي تي)

 

ومع أن النقاش العام كثيراً ما ينجذب إلى التصورات القصوى، سواء تلك التي تتنبأ بانهيار الحضارة أو تلك التي تعد بحلّ جميع المشكلات البشرية، فإن المعطيات العلمية المتاحة حتى الآن لا تسمح بالحسم في أيّ من الاتجاهين. ففكرة ظهور ذكاءٍ اصطناعي فائق يمتلك استقلاليةً كاملة لاتزال في إطار الفرضيات النظرية، بينما تشير استطلاعات الرأي بين المختصين إلى أن الغالبية من الباحثين لا ترى تحقق هذا السيناريو أمراً مرجّحاً في المستقبل المنظور.

 

لذلك يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين التفاؤل المطلق أو التشاؤم المطلق، بل في بناء مقاربةٍ علمية متوازنة تسمح بالاستفادة من الإمكانات الكبيرة للذكاء الاصطناعي، مع تطوير أطرٍ تنظيمية وأخلاقية تقلّل من المخاطر المحتملة، وتضمن بقاء الإنسان في مركز عملية اتخاذ القرار.

 

*باحثة في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق