العروبة التعددية المتجددة بعد الأيديولوجيا: الخليج العربي وإعادة تعريف الهوية العربية - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العروبة التعددية المتجددة بعد الأيديولوجيا: الخليج العربي وإعادة تعريف الهوية العربية - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 9 يونيو 2026 04:41 صباحاً

 

 نزيه الخياط*

 

لا تبدو العروبةاليوم فكرة قابلة للحكم عليها بمنطق النجاح أو الفشل، لأن هذا المنطق نفسه أصبح جزءاً من أزمة التفكير العربي لا من حلها. فالمجال العربي لا يتحرك كمسار تاريخي مستقيم، بل كحقل تتداخل فيه الأزمنة وتتعايش، إذ تتجاور أفكار لم تغادر تماماً، وأخرى لم تكتمل بعد، وثالثة تتشكل بسرعة تفوق أحياناً قدرة اللغة السياسية على استيعابها.

المشكلة لم تعد في العروبة كهوية، بل في طريقة قراءتها: هل هي مشروع اكتمل ثم تعثر؟ أم أنها بنية في حالة تشكل دائم، تتغير مع تغير أنماط الدولة والمجتمع والاقتصاد؟
إن الإصرار على المقاربة الخطية التي تختزل التحولات في سلسلة من البدائل المتعاقبة ـ مشروع قومي، ثم صعود التيارات الدينية، ثم مسارات تنموية ـ لم يعد قادراً على تفسير الواقع، بل يكشف حدود أدواته في فهمه.

فالعروبة اليوم ليست سؤال الماضي، بل اختبار الحاضر: كيف يمكن لهوية واحدة أن تتعايش داخلها سرعات مختلفة من التحول دون أن تنفجر أو تتجمد؟

أولًا: من التعاقب التاريخي إلى تراكب الأزمنة

لم يعد من الممكن فهم التحولات العربية بوصفها تعاقباً لمشاريع كبرى تحل محل بعضها بعضاَ. ما يحدث أقرب إلى تراكب طبقات زمنية متزامنة، تتعايش فيها بقايا المشروع القومي، مع امتدادات التيارات الدينية السياسية، مع صعود مسارات الدولة التنموية.

وهذه ليست مراحل منتهية، بل وجودات مستمرة لكن بدرجات تأثير مختلفة. فبعضها لا يزال فاعلاً في الوعي الرمزي، وبعضها يعمل في المجال الاجتماعي، وبعضها يتجذر في بنية الدولة والاقتصاد.

هذا التراكب يكشف أن الأزمة ليست في تبدل المشاريع، بل في اختلاف سرعاتها؛ فالمؤسسات تتغير بسرعة، بينما تتباطأ البنى الثقافية، وتتأخر إعادة تشكيل المعنى.

ثانياً: انتشار غير متكافئ للمعنى

لا تنتشر الأفكار في المجال العربي بوصفها قرارات فكرية واعية تُفرض من الأعلى، بل كعمليات بطيئة وغير متساوية من التفاعل الاجتماعي وإعادة إنتاج المعنى. بعض النماذج يترسخ سريعاً في بيئات معينة، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى زمن أطول، أو يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة.

 وهذا التفاوت في سرعة التلقي وإعادة إنتاج الرسائل الفكرية يخلق فجوة دائمة بين الواقع والمعنى، بين ما يحدث فعلاً وما يُقال عنه. ولذلك لا يمكن تفسير التحولات العربية بمنطق الاستبدال المباشر، بل بمنطق التفاوت في الاستجابة والتكيّف للتجديد.

ثالثاً: العروبة كحقل غير مكتمل لا كهوية مكتملة 

ضمن هذا السياق، لا يمكن التعامل مع العروبة كهوية مكتملة أو مشروع تاريخي مغلق. إنها أقرب إلى حقل مفتوح يعاد إنتاجه باستمرار تحت ضغط تحولات الدولة والمجتمع والاقتصاد والثورة التكنولوجية المتسارعة.

المشكلة ليست في وجود العروبة أو غيابها، بل في تحويلها إلى فكرة جامدة تُقاس بمعايير سياسية أو أيديولوجية، بينما هي في الواقع بنية مرنة تتشكل داخل التعدد، لا فوقه.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو العروبة نقيضاً للهويات المحلية أو الثقافية أو الدينية، بل إطاراً حضارياً تعددياً أوسع يسمح بتعايشها وتفاعلها ضمن فضاء تاريخي ولغوي وثقافي مشترك.

رابعاً: الخليج العربي وتسارع الزمن الاجتماعي

يمثل الخليج العربي حالة خاصة داخل هذا التراكب، ليس بوصفه استثناءً، بل بوصفه مجالاً تتسارع فيه بعض التحولات مقارنة بغيره من الفضاء العربي المتعدد.

فالتنمية الاقتصادية، وبناء الدولة المؤسسية، والانفتاح على المعرفة والتكنولوجيا، أعادت تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة، ودفعت نحو إعادة تعريف أولويات الانتماء.

لكن هذا التسارع لا يعني اكتمال النظرية، بل يكشف عن واقع يتحرك بسرعة، ومفهوم هوياتي لا يزال يبحث عن لغته المناسبة.

ولعل أهمية التجربة الخليجية لا تكمن فقط في ما حققته من إنجازات تنموية، بل في كونها تطرح على الفكر العربي سؤالاً جديداً: كيف يمكن تحويل النجاح التنموي إلى معنى حضاري أوسع يساهم في إعادة تعريف الهوية العربية خارج القوالب الأيديولوجية القديمة؟

خامساً: نحو عروبة تعددية خارج المنطق الإيديولوجي

في ضوء هذا التداخل، لا تمكن إعادة بناء العروبة كإيديولوجيا جديدة، ولا كاستعادة للماضي، بل كإعادة صياغة تنطلق من داخل الواقع نفسه، لا كاقتباس فكري جاهز من خارجه.
 
العروبة التعددية لا تقوم على وحدة صلبة، بل على قدرة على استيعاب التفاوت داخل المجال العربي: تفاوت السرعات، وتعدد المسارات، وتراكب الطبقات التاريخية.

هي ليست مشروعاً لإغلاق السؤال، بل لإبقائه مفتوحاً داخل إطار حضاري إنساني يسمح بالتعدد والتجديد  من دون تفكك، وبالاختلاف دون قطيعة.

غير أن بلورة هذا الأفق لا يمكن أن تتحقق عبر استعادة نماذج فكرية سابقة ولا عبر استنساخ نماذج جاهزة من خارج المجال العربي. فالتحدي الحقيقي أمام النخب العربية يكمن في الانتقال من منطق الاقتباس إلى منطق الإنتاج الفكري، أي في تطوير مفاهيم تنطلق من واقع المجتمعات العربية المتعددة وتحوّلاتها الفعلية، مع بقائها منفتحة على الخبرة الإنسانية الأوسع. كما أن ترسيخ هذا الفهم المتجدد للعروبة يقتضي حضوره في الفضاءين التربوي والثقافي، بوصفه إطاراً معرفياً يساعد الأجيال الجديدة على فهم التنوع العربي بوصفه مصدر غنى حضاري لا سبباً للانقسام. فالعروبة التعددية المتجددة لا تُبنى على استعادة الماضي ولا على استعارة المستقبل، بل على القدرة على إنتاج معنى جديد للهوية من داخل التجربة العربية نفسها.

استنتاج: عروبة تعددية متجددة تفكر زمنها لا ماضيها

لم تعد الإشكالية في سؤال: هل انتهت العروبة أم لم تنتهِ؟

بل في سؤال أعمق: هل تستطيع العروبة التعدديةأن تفكر في زمنها المركب، لا في صورتها الأيديولوجية السابقة؟

فبين تراكب الأزمنة، وتفاوت السرعات، وانتشار المعاني بشكل غير متساوٍ، تصبح العروبة التعددية ليست مشروعاً نظرياً، بل ضرورة لفهم واقع عربي لا يمكن اختزاله في سردية واحدة.

وفي هذا الإطار، لا يظهر الخليج العربي كبديل من العروبة، بل كجزء من عملية إعادة تعريفها، حيث تتحول الهوية من فكرة مغلقة إلى فضاء حضاري قادر على استيعاب التعدد والتجدد وصناعة المعنى في زمن عربي معقد ومفتوح على التحول.

*أكاديمي – باحث في الشؤون الجيوسياسية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق