نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جيلٌ وُلد بعد روما، وكبر في التروما - تواصل نيوز, اليوم الخميس 11 يونيو 2026 09:22 صباحاً
باسكال جروج
كان يقال إن كل الطرق تؤدي إلى روما. ذلك كان عندما كان الإنسان يسعى إلى تحقيق آماله وتطلعاته بشتّى الطرق إلى أن يصل إلى روما التي تخصّه. لم تكن روما مجرد مدينة، بل كانت رمزًا. رمزًا للحضارة، للنظام، للمجد، ولحلم الإنسان في أن يصل إلى شيء أكبر من نفسه.
أما اليوم، فيبدو أن الخرائط قد تغيّرت إذ أصبحت كل الطرق تؤدي إلى تروما.
ليست تروما واحدة، بل هي جروح متراكمة، وصدمة تلو الصدمة. تروما الحروب، تروما الخيبات، تروما الفقد، وتروما الانتظار الطويل. حتى الحب، الذي كان ملاذًا، صار يحمل خوفًا، فإن قسناه على مقياس الأحلام والآمال، فالحب وحده اليوم لم يعد قادرًا على بناء المستقبل. حتى الأحلام، التي كانت تدفعنا إلى الأمام، أصبحت تُقاس بقدرتها على النجاة لا بقدرتها على التحليق، وأصبح أهم شغلنا أن يبقى باستطاعتنا أن نحلم أقله لا أن نحقق.
صرنا أبناء زمن لا يتحدث عن الآمال بقدر ما يتحدث عن الصدمات. نعرّف أنفسنا بجرح قديم، أو بعلاقة فاشلة، أو بحرب عشناها، أو بوطن خذلنا، أو بأشخاص غادروا من دون وداع.
حتى اللغة تغيّرت. لم نعد نسأل: ماذا تريد أن تصبح؟ بل: ماذا حدث لك؟ وكأن الإنسان المعاصر لم يعد يُبنى بما يحلم فيه، بل بما نجا منه.
كل الطرق تؤدي إلى تروما، لأن العالم أصبح سريعًا في كسر الإنسان وبطيئًا جدًا في شفائه. لأننا نعيش في زمن يراكم مادة دسمة للاستثمار، ولا يترك للنفس فرصة كي تتنفس. ننتقل من مأساة إلى أخرى، ومن خوف إلى آخر، حتى بتنا نعتبر التعب حالة طبيعية، والحزن المزمن جزءًا من الشخصية.
روما أصبحت بعيدة. روما تنهار.
بعيدة ليست كمدينة، بل كفكرة. بعيدة كرمز لحياة مستقرة، لهدوء داخلي، لبيت لا تهدده الأخبار، ولأحلام لا تحتاج إلى علاج نفسي كي تبقى على قيد الحياة.
ومع ذلك، ربما لا تنتهي القصة هنا. فليست كل الطرق مكتوبة مسبقًا.
ولكن هل هذا ما تغيّر، هل العالم تبدّل؟ أم أننا نحن فقط غيرنا رؤيتنا للموضوع. هل تعبنا لسنين طوال أحالنا إلى لعب دور الضحية كي لا نضطر لنكون أقوياء؟ هل هربنا؟
بنظري للموضوع من جهتيه حق، فالعالم تبدّل جدّا، وأصبح عالم عصرنا مجتمعاً سريعاً استهلاكياً مقنعاً خلف الشاشات والذبذبات.
ربما يستطيع الإنسان، وسط هذا الركام كله، أن يشق طريقًا جديدة. طريقًا لا تؤدي إلى روما القديمة، ولا إلى تروما جديدة، بل إلى نفسه.
إلى تلك المساحة الصغيرة التي لم تستطع الحروب أن تدمّرها، ولا الخيبات أن تطفئها.
فربما لا يكون الخلاص في الوصول إلى روما.
وربما تكمن المعجزة في ألا نسمح للتروما بأن تكون وجهتنا الأخيرة.













0 تعليق