الهشاشة - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الهشاشة - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 12 يونيو 2026 05:37 صباحاً

ليس قرار المملكة العربية السعودية رفع الحظر عن الصادرات اللبنانية حدثاً اقتصادياً عادياً. صحيح أن حاجة لبنان الاقتصادية إلى هذا القرار ماسّة، وأن القطاعات الإنتاجية ستستفيد منه كثيرًا، لكن أهمية القرار تتجاوز الأرقام وحركة التصدير. ما يكتسبه لبنان اليوم هو إشارة سياسية يجب البناء عليها، ومكسب معنوي شعر به كل لبناني، تتجاوز قيمته أي مردود مالي، وهو أن هذا البلد ليس متروكاً لمصيره.

 

وسط عواصف المرحلة التي تضرب المنطقة، يأتي القرار السعودي ليمنح اللبنانيين جرعة أمل هم بأمسّ الحاجة إليها. فالدولة التي تعمل على استعادة دورها تحتاج إلى ما يؤكد أن لبنان لا يزال يحظى بالاهتمام العربي والدعم الآتي من مركز الوزن في المملكة العربية السعودية، والمجتمع الذي يدفع أثماناً باهظة للحروب والأزمات، يحتاج إلى رؤية النور في نهاية النفق.

 

في المقابل، لا يمكن تجاهل التوقيت الذي جاء فيه تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن ارتباط أمن بلاده بأمن بيروت، ودمشق بطبيعة الحال. قد لا يكون هناك رابط مباشر بين هذا التصريح المقلق والنبأ السارّ الآتي من السعودية، لكن التزامن يفرض قراءة عميقة للمشهد في المنطقة التي تشهد إعادة رسم لموازين النفوذ والسعي إلى تثبيت مواقع النفوذ في مرحلة ما بعد التحولات الكبرى التي أصابت سوريا ولبنان وسائر المشرق.

 

تدرك أنقرة أن الفراغات الجيوسياسية لا تبقى فارغة طويلاً. كما تدرك أن لبنان، بحكم تركيبته السياسية وتعقيداته الداخلية، كان دائماً ساحة سهلة للاختراق الخارجي، ولهذا تستسهل الحديث عن بيروت دون أن تقيم الاعتبار لردّ فعل يمكن أن تلقاه نظريًا لو كانت طبيعة التكوين السياسي اللبناني مختلفة عمّا هي عليه. فالهشاشة اللبنانية ليست مشكلة مستجدة، بل هي سمة لازمت الدولة اللبنانية منذ عقود. ولطالما ضعفت المؤسسات بفعل ضعف المجتمع وتقدمت بذلك المشاريع الخارجية. ولطالما تراجع حضور الدولة وازداد حضور الوكلاء المحليين وتفوّقهم على الدولة بالدعم الخارجي.

 

يقف لبنان اليوم أمام خيارين متناقضين. الأول هو استكمال مسار استعادة الدولة لقرارها وسيادتها واحتكارها الشرعي للسلاح. والثاني هو العودة إلى منطق الساحة المفتوحة، حيث يتحول البلد مجدداً إلى منصة تستخدمها القوى الإقليمية في صراعاتها وحساباتها.

 

لا يحتاج اللبنانيون إلى كثير من الخيال لمعرفة نتائج الخيار الثاني. لقد عاشوا تلك التجربة مراراً وما يزالون. من اتفاق القاهرة عام 1969 إلى الحرب الأهلية، ومن الوصاية السورية إلى النفوذ الإيراني. النتيجة كانت على الدوام ضعف الدولة وهشاشة المؤسسات وبالتالي مآسٍ متنوّعة وخسارات هائلة للفرص الاقتصادية بالإضافة إلى قوافل من آلاف ضحايا الحروب المستمرة.
تبقى المقاربة السعودية مختلفة في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين.

 

فالمملكة لم تطرح يوماً مشروع نفوذ داخل لبنان بل ركزت على دعم الدولة ومؤسساتها واحترام الدستور واتفاق الطائف. وهذا الفارق هو ما يمنح الخطوة السعودية الأخيرة أهميتها السياسية إلى جانب أهميتها الاقتصادية.
ليس مسموحًا أن يدخل لبنان في محاور جديدة أو أن يستبدل وصاية بأخرى. المطلوب ببساطة أن يتعلم من تجربته الطويلة والمكلفة وأن يقوم ببناء دولة لا تحتاج إلى من يحميها من الخارج، ولا تسمح لأحد بأن يدير صراعاته على أرضها.

 

لذا إن الحفاظ على أفضل العلاقات مع تركيا مصلحة أكيدة دون استحضارها إلى المشهد الداخلي وعبره إلى الصراع الإقليمي. كما أن تعزيز العلاقات مع السعودية والعالم العربي ضرورة وطنية أثبتت التجربة أنها تزيد لبنان قوّة ومناعة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق