في جزيرة لامبيدوزا فردوسٌ نادر يستحقّ الحجّ والزيارة - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
في جزيرة لامبيدوزا فردوسٌ نادر يستحقّ الحجّ والزيارة - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 12 يونيو 2026 03:30 مساءً

ها قد وصلنا إلى لامبيدوزا، وهي جزيرة صغيرة في أقصى الجنوب الإيطالي، مساحتها 20 كيلومتراً مربعاً وعدد سكانها نحو 7 آلاف نسمة، تقع في قلب المتوسط بالقرب من السواحل التونسية التي تبعد عنها نحو 133 كيلومتراً. وقد أتينا إلينا مع وفد إعلامي جاء خصيصاً من باريس للتعرف عن قرب إلى أحوالها، وخصوصاً ما يتعلق بالشأن السياحي.

يتصدّر اسم لامبيدوزا نشرات الأخبار والإعلام العالمي بعدما تحولت منذ نهاية القرن العشرين إلى محطة وهدف للمهاجرين غير الشرعيين القادمين من أفريقيا الى أوروبا عبر المتوسط.

لكن لامبيدوزا تبقى، على الرغم من ارتباطها في الذاكرة الجماعية بمأساة الهجرة والغرق في البحر، وجهة سياحية للباحثين عن الطبيعة المتوسطية الأصلية قبل التلوث البيئي وزحف الباطون، إذ تشكل السياحة الدعامة الأساسية للاقتصاد المحلي ويبلغ عدد السياح في فصل الصيف 200 ألف شخص.

 

نصب “باب أوروبا“.

نصب “باب أوروبا“.

 

لا طيران مباشراً بين باريس ولامبيدوزا، لذا كان لا بدّ من التوقف في باليرمو عاصمة جزيرة صقلية، لنستقل طائرة صغيرة تتسع لمئة شخص مع مسافرين غالبيتهم من السياح الايطاليين والأوروبيين، جاؤوا لتمضية عطلتهم بالقرب من البحر الفيروزي الرائع.

توجّهنا إلى المركز المخصص لاستقبال المهاجرين الآتين من أفريقيا بعد أن ينتشلهم خفر السواحل على متن قوارب وينقلوهم إلى البر. وهو يواجه صعوبة في استيعاب عدد الوافدين وإنقاذ الكثيرين من الموت، إذ تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 700 شخص توفوا منذ بداية هذا العام في البحر بينهم أطفال ونساء. أما المنظمة العالمية للهجرة فتتحدث عن 26734 حالة وفاة منذ عام 2014. وبحسب وزارة الداخلية الإيطالية تجاوز عدد المهاجرين 66 ألف شخص العام الماضي. ولا يبدو أن هناك حلّاً حقيقياً لقضية الهجرة غير الشرعية ولوقف هذا النزيف على الرغم من الاتفاقيات بين إيطاليا وليبيا وتونس.

نتتبّع أثر المهاجرين فنقصد النصب المعروف باسم "باب أوروبا": منحوتة تجريدية عملاقة أنجزها الإيطالي ميمو بالادينو وهو نحات معروف له حضوره في المشهد الفني الإيطالي والعالمي. استقرّ النصب في الجزيرة عام 2008 ويمثل باباً مفتوحاً على البحر، في إشارة رمزية إلى بوابة الدخول إلى أوروبا من أفريقيا. ارتفاعه خمسة أمتار وعرضه ثلاثة، مصنوع من السيراميك المقاوم للحرارة والحديد. نقرأ على واجهته فصولاً من مأساة آلاف المهاجرين الساعين بدون جدوى إلى مستقبل أفضل في أوروبا. النصب، بحسب الفنان، هو تخليد لذكرى هؤلاء ودعوة إلى التأمّل وعدم نسيان الدراما الإنسانية التي تحدث يومياً أمام أنظار الجميع.

 

مزار سيدة بوتو سالفو.

مزار سيدة بوتو سالفو.

 

في الموازاة، تسعى بلدية الجزيرة إلى استقطاب المزيد من السياح وتعريفهم بجمالها الطبيعي وما يميزها عن بقية جزر المتوسط. تقع على هضبة كلسية ويسيطر عليها المناخ الجاف، ويزنرها بحر بلون أزرق مذهل، وبأعماق رائعة تحتضن وفرة من النباتات والحيوانات البحرية، ممّا يجعل الجزيرة وجهة مفضلة لعشاق الغوص تحت الماء.

تعشق السلاحف البحرية الجزيرة وهي من رموزها، نتعرّف إليها عن قرب في مركز مخصص لها يضمّ التجهيزات والصور والوثائق العلمية التي تحكي لنا عن توزعها في المتوسط كما في لبنان وليبيا وكيف تُعالج من الأمراض للحفاظ عليها من الانقراض. يعي المسؤولون عن المركز المخاطر المحدقة بها بسبب تلوث البحار وتدمير البيئة. نشاهد كيف يعالجها أطباء بيطريون متطوعون بعد خروجها إلى الأرض لتضع بيضها على الرمال.

من أجواء البحر الساحرة الى التاريخ والمعتقدات الدينية التي تشهد للتنوع الثقافي في جزيرة تعاقب عليها البحارة الفينيقيون والعرب والأوروبيون بحثاً عن المأوى عند اشتداد العواصف أو لتزود الماء والطعام. تشكّلت لامبيدوزا بوصفها فضاء محايداً ونشأت فيها كنائس ومزارات صغيرة يقصدها المؤمنون. زرنا مغارة تقع فوق خليج صغير حُوّلت مزاراً للسيدة العذراء، فيه كنسية ذات خصوصية مميزة لأنها تضمّ قبراً لوليّ مسلم. يشهد هذا المزار المعروف باسم سيدة بورتو سالفو لتعايش الأديان في الجزيرة وهناك العديد من المراجع التاريخية ومنها نصوص رحلات السفر المكتوبة بلغات مختلفة منذ قرون، وتشير إلى هذا التعايش وتجعل من لامبيدوزا رمزاً من رموز التسامح في المتوسط.

 

شاطئ الأرانب في الجزيرة.

شاطئ الأرانب في الجزيرة.

 

توجهنا إلى الأماكن الثقافية ومنها مسرح الدمى الصقلي ويديره المغني والفنان المتعدد المواهب جياكومو سفيرلازو. شاهدنا عرضاً مميزاً في قاعته الصغيرة الملاصقة لصالة فنية مخصصة لمآسي الهجرة غير الشرعية، مفتوحة على مقهى مطل على البحر، على أحد جدرانه صورة بالأبيض والأسود للشاعر محمود درويش، ممهورة بتاريخ ولادته ووفاته وعبارة "شمعة في الظلام". أمام دهشتنا، قال لنا الفنان الإيطالي إنه عاشق لقصائد درويش ويعتبره من أعظم شعراء القرن العشرين.

توجّهنا إلى متحف الجزيرة الأثري، مبنى حديث وجميل مطل على البحر، لا تنحصر معروضاته بمنحوتات وقطع أثرية تروي التاريخ القديم للجزيرة منذ عصور ما قبل التاريخ، إذ يضم قسماً للفنون التشكيلية الحديثة وقسماً للتعريف بالهجرة غير الشرعية ومآسيها، فنشاهد مقتنيات شخصية وأغراضاً من الحياة اليومية عُثر عليها في حطام قوارب المهاجرين.

 

بيت تيريزا الأثري.

بيت تيريزا الأثري.

 

تكتمل الزيارة برحلة بحرية أتاحت لنا الاستمتاع بصفاء المياه الزرقاء وروعة الشواطئ والخلجان، كما أتاحت لمحبي الغطس والغوص التعرف إلى وفرة النباتات والحيوانات البحرية التي تجعل من لامبيدوسا من أروع الأماكن في العالم لمحبي الغوص.

تطمح الجزيرة إلى جذب المزيد من السياح من فرنسا وغيرها من الدول المجاورة، لكن ثمة عوائق عديدة أولها ندرة المواصلات العامة والحاجة الدائمة إلى السيارة للتنقل. من جانب آخر، هناك هيمنة كاملة للغة الإيطالية، أما الذين يتقنون الفرنسية أو الإنكليزية فقلّة قليلة مما يدفع بالأجانب إلى اللجوء إلى تطبيقات الترجمة على الهاتف النقال.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق