نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ناداف لابيد ليس نتنياهو! - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 12 يونيو 2026 07:28 مساءً
تعود قضية مقاطعة الأعمال السينمائية إلى الواجهة مع انسحاب المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد من لجنة تحكيم مهرجان "فيد مارسيليا" (7 - 12 تموز)، الذي يعرض أفلاماً من العالم العربي، إلى جانب فيلمه الطويل الأول، "الشرطي"، وتنظيم لقاء حواري معه.
جاء الانسحاب إثر ضغوط ومطالبات بمقاطعة المهرجان. لوّح بعض السينمائيين والناشطين المناهضين لإسرائيل بالانسحاب منه. وقاد إيال سيفان، المخرج الإسرائيلي المقيم في مرسيليا والأشد عداءً لفكرة الدولة الصهيونية، حملة ضد مواطنه وزميله. أمام هذا الابتزاز، رضخ المهرجان، في خطوة مؤسفة تعمّق سوء الفهم وتظهر إلى أي حد يمكن أن يقع الفنّ في فخّ التطرف، شأنه شأن الأحوال السياسية التي نعيشها.
مخرج في ثوب الضحية
تُوجَّه إلى لابيد اتهامات شتى، أبرزها أنه أداة لتلميع صورة إسرائيل وتقديمها كديموقراطية تحتمل النقد، من خلال أفلام لا تمسّ جوهر المشروع الصهيوني. غير أن الرجل نفسه كان عرضة للهجوم في بلاده، ولم يتردّد في وصف ما يجري في غزة بالإبادة. فأي "مفوض" للحكومة هذا يطالب بالعقوبات ضد بلاده؟ مع "عميل مزدوج" كهذا، قد لا تحتاج إسرائيل إلى خصوم!
”الشرطي“، أول أفلام لابيد الطويلة.
لكن، الدعوات إلى استبعاد لابيد ارتدّت على أصحابها، وأثارت استياء كثيرين رأوا فيها إفلاساً فكرياً يذكّر بمناخات الثلاثينات في ألمانيا. وسرعان ما تحوّل المخرج إلى محل تضامن واسع، تُرجِم ببيانات مضادة وقّعها عدد من أبرز السينمائيين. حتى بمنطق أصحاب الحملة أنفسهم، جاءت النتيجة كارثية، اذ أُلبس لابيد ثوب الضحية.
المخرج الاسرائيلي ناداف لابيد (رويترز)
اللافت أن الاعتراض على استبعاده لم يقتصر على جهة سياسية بعينها، اذ ندّد به أيضاً مثقّفون ويساريون معروفون بدعمهم للقضية الفلسطينية، من بينهم الكاتب إلياس صنبر. أما المخرج الفرنسي روبير غيديغيان، الذي سبق أن طالب بوقف اطلاق النار، فوصف ما جرى بأنه "قمّة الغباء". كما انضم إلى حملة التضامن عدد من الأسماء البارزة، من أبيشاتبونغ ويراسيتاكول إلى جوستين ترييه، مروراً بدومينيك مول ورادو جوده وأرنو دبلشان، وصولاً إلى لوي غاريل وناتالي بورتمان.
"بصرف النظر عن المحتوى…“
لابيد من أبرز منتقدي إسرائيل، وهذا منذ فيلمه الأول "الشرطي" الذي أشار بالاصبع إلى صعود النزعات القومية والعسكرية في المجتمع الإسرائيلي. في أحدث أفلامه، "نعم"، الذي شاهدناه في كانّ العام الماضي، قدّم تشريحاً قاسياً للمجتمع الإسرائيلي ما بعد السابع من تشرين الأول، مصوّراً مواطنيه الغارقين في الإنكار الجماعي ومنفصلين عن واقع الحرب والعنف الذي يتلقّون أخباره العاجلة على هواتفهم المحمولة.
الكاتب الفلسطيني إلياس صنبر، أحد الموقّعين على بيان يستنكر استبعاد لابيد.
دعاة المقاطعة لا يهمّهم الفيلم كفيلم. لا بل يتباهون بأن مضمونه لا يعنيهم من قريب أو بعيد، سواء كان مؤيداً للمقتلة المتواصلة أم مناهضاً لها. في تصريحاتهم، يردّدون عبارة "بصرف النظر عن المحتوى…"، وهذه في لغة الفنّ إعلان صريح لمقاربةٍ، كلّ شيء فيها يبدأ وينتهي عند هوية صاحب العمل، مع صفر اعتبار لما يقوله أو يدافع عنه. فالمعيار الوحيد لديهم هو مصدر التمويل: وبما أن ”نعم“ حظي بنسبة محدودة من الدعم من "صندوق السينما الإسرائيلي" (ناله قبل 2023)، فإنه يُدرَج تلقائياً في خانة الممنوع، بغض النظر عن موقف صاحبه.
وقد لخّص المخرج سيلفان جورج هذا المنطق الاشكالي حين كتب أن المقاطعة الثقافية، كما تتصوّرها حركة BDS، لا تقوم على تقييم الأشخاص أو مواقفهم، بل على تحليل العلاقة بالمؤسسات المرتبطة بالدولة الإسرائيلية. وبذلك يصبح السؤال المطروح ليس ما إذا كان المخرج ناقداً أو معارضاً أو متضامناً أو ”آخر همّه“، بل ما إذا كان عمله قد أُنتِج أو عُرض أو انتُشِر بدعم مؤسسة إسرائيلية.
لا صوت يعلو فوق صوت السياسة
اذاً، لا قيمة، في نظر هؤلاء، لكون لابيد غادر بلاده واستقر في فرنسا منذ سنوات، ولا لكونه من أكثر السينمائيين الإسرائيليين جرأةً في نقد إسرائيل ومساءلة إفلاتها المستمر من العقاب. كلّ ذلك يسقط أمام اعتبار واحد: صلة، مباشرة أو غير مباشرة، بمؤسسة تمويل إسرائيلية. والأدهى أن لابيد حاول الحصول على تمويل من أجل إنجاز "نعم"، من مصادر أوروبية، غير أن جهات مانحة امتنعت عن دعم الفيلم، معتبرةً إياه قاسياً في نقده لإسرائيل ومتعاطفاً إلى حدّ بعيد مع الفلسطينيين.
أمام هذا المأزق، يطرح السؤال نفسه: هل يبقى لأنصار المقاطعة أي اعتبار للفنّ خارج حيز السياسة والصراع، الذي يختزلون فيه كلّ شيء؟ فهم الذين يتحدثّون عن معاينة التعقيد البشري في أفلامهم، تراهم يبنون في المقابل منظومة صارمة من التصنيفات التي لا تقبل أي طعن: مَن يُعرَض ومَن يُستبعَد، وفق منطق أقرب إلى "المحاسبجي"، أي بتجاهل تام لتعقيدات التجربة الإنسانية التي يدّعون تمثيلها.
شكل آخر من الرقابة
وهكذا ينزلق الخطاب، باسم العدالة ونصرة المظلومين وإدانة جرائم إسرائيل في حق المدنيين، إلى شكل آخر من الرقابة والاحراج والعسف. أي فنّ هذا الذي يتحوّل إلى جهاز تفتيش في مصادر التمويل ومسارات انتقال المال؟
ثم ان تاريخ السينما نفسه يكشف أن العديد من الأعمال الكبرى خرجت من أقنية تمويل ملتبسة أو مثيرة للجدال، من دون أن يمنع ذلك تحولها إلى أعمال فارقة. حتى جان لوك غودار تعاون مع المنتج الإسرائيلي مناحيم غولان، ولم يكن التمويل يوماً معياراً نهائياً ووحيداً للحكم. العبرة هي في قدرة المخرج(ة) على تحويل الدعم المادي إلى سينما، لا في نقاء مصدره. والتاريخ، في المقابل، حافل بأعمال مموّلة من مؤسّسات "نظيفة" انتهت إلى فراغ جمالي.
فهل سيقاطع دعاة المقاطعة مخرجاً إيرانياً أو هنغارياً أو صينياً أو تايلاندياً لأن دولته تقوم بأعمال مستنكرة؟
الفنّ ليس برتقال يافا
أيضاً: ماذا عن الفنّان نفسه؟ هذا الكائن الذي لا يملك جيشاً ولا وزارة خارجية ولا مصرفاً مركزياً، ولا قراراً في سياسات الدولة التي وُلد فيها أو في الحروب التي تُشنّ باسمها. في الكثير من الحالات، لا يملك سوى ما ينتجه، محاولاً انتزاع هامش ضيق من الحرية داخل واقع يفوقه حجماً.
مع ذلك، يُحشَر لابيد اليوم بين سندان السلطة ومطرقة المقاطعة: إن صمت اتُّهم بالتواطؤ، وإن تكلّم لم يُصدَّق، وإن انتقد دولته عُدّ ذلك غير كافٍ، وإن غادرها ظلّت تلاحقه جرائم حكومته.
”نعم“: تشريح للمجتمع الإسرائيلي في ظلّ غزة.
في أي حال، الفنّ، في جوهره، نشاط تصعب مقاطعته، كما أن الفنّان في طبيعته، يستحيل اختزاله في جواز السفر الذي يحمله. الفيلم السينمائي، لا سيما سينما المؤلف، ليس برتقال يافا يُباع في سوق الخضر والفاكهة، ولا هو منتج محض تجاري أو تسويقي، منفصل عن ذات المؤلّف. إنه، في أساسه، دعوة الى حوار متواصل مع الآخر، حتى حين يكون هذا الآخر خصماً أو عدواً أو مصدر نفور. يمكن العمل الفنّي أن يُواجَه بالنقد أو السخرية أو السجال أو حتى التجاهل (الزمن غالباً ينصفه). أما المقاطعة فهي إقفال للباب، في زمن تتكاثر فيه أدوات التواصل بينما تتقلّص الرغبة في استخدامه.
المقاطعة يقين مغلق!
اللافت أيضاً أن المتحمّسين للمقاطعة يمارسونها منذ عقود من دون أي مراجعة نقدية حقيقية: لا مساءلة لجدواها، ولا تقييم لنتائجها الثقافية والاجتماعية أو حتى الرمزية. ثمة يقين مغلق يعفي نفسه من امتحان الواقع. والأسوأ أن بعض هذه المبادرات تنطلق، في جانب منها، من وهم نرجسي يضخّم أثر أصحابه، فيعتقدون أنهم يمارسون ضغطاً مباشراً على بوتين أو ترامب أو نتنياهو (قرأتُ بعض التعليقات التي تذهب في هذا الاتجاه)، فيما هؤلاء، على الأرجح، لا يعلمون بوجودهم أصلاً.
في المحصّلة، لا يقع العبء على صنّاع القرار أو على مَن يشنّون الحروب، بل على الفنّان الذي يُترَك وحيداً في مواجهة العاصفة. الناس، في غضبهم وعجزهم (المفهوم في بعض الأحيان)، يصبّون جام غضبهم على الطرف الأضعف؛ وهو المؤلّف في حالتنا هذه.
السينمائي شريكاً تلقائياً؟
وربما آن الأوان لتفكيك مسلّمة تُقدَّم كحقيقة بديهية: "الحصول على تمويل يرتبط بالدولة يعني بالضرورة التواطؤ مع سياساتها وجرائمها". فأي منطق يجعل المواطن، الذي يدفع الضرائب طوال حياته، شريكاً تلقائياً في أفعال دولته لمجرد أنه يسترد جزءاً من هذه الأموال في شكل منحة أو دعم لمشروع فنّي؟ وإذا كان المال العام "ملوّثاً" إلى هذا الحد بأفعال دولة استعمارية، فلماذا الفنّان هو الوحيد الذي يحاسَب عليه؟ ولماذا لا يُطبَّق هذا المبدأ على الجامعات والمستشفيات والباحثين وموظّفي القطاع العام، بل على كلّ مَن يتلقى رواتب أو خدمات أو منحاً مصدرها الخزينة نفسها؟
”مرادفات“، فيلم لابيد الفائز بـ“دبّ“ برلين عام 2019.
ثم يأتي الاعتراض الأكثر غرابة: "أن الفيلم، حتى عندما يكون نقدياً أو شديد القسوة تجاه السياسات الإسرائيلية، فإنه يساهم بمجرد وجوده في تطبيع صورة إسرائيل أو منحها شرعية ثقافية".
في أي عالم يعيش مَن يظن أن طمس الرؤوس في الرمال يمكن أن ينتج حلاً لأي صراع؟ إسرائيل حاضرة يومياً في الأخبار والصور والنقاشات والتحليلات، وذلك منذ أكثر من عامين، عبر الإعلام العالمي وبكلّ لغاته. لا أحد يعتبر أن نقل أخبارها من الناطقين باسمها هو تزكية لها أو اعتراف بشرعيتها. لكن حين يتعلّق الأمر بفنّان إسرائيلي يحاول تفكيك مجتمعه من الداخل أو مساءلة أشياء كثيرة فيه، يتحوّل الفعل نفسه إلى شبهة!
موقع شبيه بالعبد المأمور
بدلاً من التعامل مع كلّ حالة على حدة، يُستعَاد خطاب فضفاض مفاده أن السينما لا يمكن فصلها عن الشروط السياسية والاقتصادية والمؤسساتية التي تنتجها وتحدّد انتشارها. أوكي، هذه مسلّمة لا جديد فيها، يعرفها حتى المبتدئ في النظريات الثقافية. لكن، الحقيقة ان المُشاهد، في المحصّلة، لا يرى من هذا كلّه سوى الصورة المعروضة أمامه، وهي جوهر التجربة السينمائية. لا أحد ينجز الأفلام كي تبقى نقاشاً بين "مهنيي المهنة“.
هناك أيضاً هذه النزعة المؤامراتية التي تختزل الفنّان في كونه مجرد أداة داخل منظومة لا يعيها، كما ورد في بيان وقّعه سينمائيون عرب، تؤول به إلى موقع شبيه بالعبد المأمور على هامش أنظمة تستغلّه من دون وعي منه، وتستخدم عمله في مشاريع لا يدركها. وهي صورة لا تقل اختزالاً عن تلك التي تنتقدها.
بسبب هذا كله، أصبحت إسرائيل والمقاطعون يلتقون، في معسكر واحد ومنطق واحد. حتى إن وزير الثقافة الإسرائيلي عبّر عن ارتياحه لمقاطعة لابيد، مستغلاً الفرصة للغمز في اتجاه معاداة السامية. قال متوجّهاً إلى لابيد ما معناه: "يا إبني مهما خرجتَ عن الطاعة، ستبقى يهودياً في نظر أعدائنا".
المضمون هو نقطة البداية والنهاية
صحيح أن المأساة تضرب في عمق المنطقة، وأن الألم حقيقي والجرح عتيق، لكن اعتماد معيار المقاطعة على هذا النحو الشامل أفضى ويفضي إلى نتيجة معاكسة. لنتخيل للحظة إذا طُبِّقت القاعدة ذاتها على نطاق أوسع، فلن يبقى كثير ممّا يمكن مشاهدته أو مناقشته. حتى أعمال سينمائية فلسطينية مؤسِّسة، مثل أفلام إيليا سليمان الأولى، قد تجد نفسها بدورها خارج العرض إذا ما فُرض منطق الإقصاء نفسه بلا استثناءات أو تمييز، أو مراعاة لمضمون العمل، وهو نقطة البداية والنهاية. فبعد سنوات، حين تخفت السجالات، لن يبقى من الفيلم (أي فيلم)، سوى ما يظهر منه على الشاشة، بعيداً من الظروف التي رافقت عرضه ولا المعارك التي دارت حوله، أو المال الذي سمح بوجوده.












0 تعليق