يونيو 67.. كيف استطاع عند الناصر هزيمة الهزيمة؟ - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
يونيو 67.. كيف استطاع عند الناصر هزيمة الهزيمة؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 14 يونيو 2026 05:57 مساءً

- ناصر يؤكد: أبلغت قيادة الجيش بموعد العدوان قبلها بثلاثة إيام وعامر تمسك بـ صدقي محمود

- قرار الانسحاب السريع أحد أسباب النكسة، وعامر اتخذ القرار دون التشاور

- لماذا رفض المصريون تنحى عبد الناصر عن الحكم في 9 يونيو 1967؟

- لماذا طالب عبد الناصر بانسحاب إسرائيل من الضفة الغربية أولًا وقبل سيناء؟

تسع وخمسون عاما مرت على ذكرى النكسة في يونيو 1967، سنوات مضت وحقائق غائبه، لقد شكلت هذه النكسة واحدة من أهم وأخطر المحطات في التاريخ العربي المعاصر، ورغم مرارة الهزيمة إلا أن مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر استطاعت تجاوز النكسة وأثارها، والمضي قدما نحو الاعداد ليوم الانتصار الذى تحقق في أكتوبر 1973.

لقد كانت حرب الاستنزاف تجربة هامه عكست مقدرة المقاتل المصري وقدرته على المواجهة، حيث شكلت هذه الحرب نقطة انطلاق وتحدى توحدت منها جهود الدولة والشعب والقوات المسلحة لهزيمة الهزيمة وتحويل الانكسار الى انتصار.

إن الوثائق التي نشرت عن مرحلة النكسة والحوارات التي جرت بين عبد الناصر وقيادات الحيش والدولة تكشف النقاب عن كثير من الوقائع والأسرار عن تلك المرحلة الخطيرة من تاريخ مصر المعاصر.

لم تكن هزيمة 1967 حدثًا عابرًا في تاريخ الشعب المصري والمنطقة العربية، بل كانت لها تداعياتها وأسبابها الحقيقية التي تسببت في احتلال المزيد من الأراضي العربية وحدوث انهيارات خطيرة في العالم العربي.

كان عبد الناصر يدرك أن هناك أسبابًا جادة وراء الهزيمة التي ألمَّت بالبلاد في يونيو 1967، وكان يدرك أن أمريكا كانت شريكًا أساسيًا لإسرائيل في هذا العدوان، ووفقًا لمحاضر الاجتماعات السرية، فقد أوضح أن من أهم هذه الأسباب:

- الثقة بالذات أكثر من الحد، إلى الدرجة التي أقنعت الجميع بأن مصر بإمكانها التصدي لإسرائيل والأسطول السادس الأمريكي.

- الإصرار على الإبقاء على قيادات فاشلة فى القوات المسلحة، كان يتوجب إبعادها منذ فترة طويلة، وقد ضرب الرئيس عبد الناصر مثلًا بالفريق صدقى محمود قائد الطيران عندما قال: «صدقى محمود بالذات مكانش يقدر يدخل معركة، لأنه ثبت قبل كده إنه كان بينهار فى كل معركة من سنة 1956ولكن بالرغم من ذلك أبقينا صدقى محمود بعد كده 11 سنة، وسنة 1961 أيضًا انهار صدقى محمود فى أيام الانفصال، ورغم هذا أيضًا فضل فى محله».

لقد أكد عبد الناصر أنه علم بموعد العدوان، عندما أبلغه السوفيت أن العدوان سيحدث يوم الاثنين الخامس من يونيو، وقال إننى حذرته هو شخصيًا -يقصد صدقى محمود- وقلت له فى أثناء اجتماع هيئة أركان حرب: «إن الهجوم هيحصل يوم الاثنين، وإن الضربة الأولى هتكون للطيران، وعلى هذا الأساس، يوم الجمعة أنا اتكلمت معاه، يوم السبت طلَّع مظلة جوية، ويوم الأحد طلّع مظلة جوية، ويوم الاثنين ما طلع مظلة جوية، وجات الطائرات الإسرائيلية ووصلت إلى مطاراتنا بدون ما حد يحس بيها».

كان الجميع يعرف فى هذا الوقت أن المشير عبد الحكيم عامر ظل متمسكًا بالفريق صدقى محمود، بالرغم من كافة التحذيرات التى أبلغها إليه الرئيس جمال عبد الناصر فى أوقات عديدة ومتعددة.

لم يكتف عبد الناصر بالمعلومات السوفيتية التى ثبتت صحتها فيما بعد، وأبلغ بها عبد الحكيم عامر وقادة الجيش الآخرين، بل إنه كشف خلال محاضر الجلسات السرية أن الفريق عبد المنعم رياض الذى كان يزور الأردن فى هذا الوقت أبلغ القيادة فى الساعة الثامنة والنصف إلا خمس دقائق من صباح الخميس من يونيو «أن طائرات إسرائيل تتحرك باتجاه مصر» ولكن القيادة العسكرية المصرية لم تتخذ أى إجراء فى هذا الوقت.

لقد كان الأمر مفاجئًا لعبد الناصر، باعتبار أن عبد الحكيم عامر كان هو المسئول الأول والأخير عن القوات المسلحة وعن التعيينات والترقيات، وكان هذا الأمر سببًا فى أزمات متعددة بينه وبين عبد الناصر الذى حاول إبعاده عن قيادة الجيش منذ عام 1961، على أن يتولى منصب نائب رئيس الجمهورية، إلا أن عبد الحكيم عامر قدم استقالته فى هذا الوقت احتجاجًا، مما دعا عبد الناصر إلى التراجع فى قراره حرصًا على وحدة الصف.

وعندما بدأ الطيران الإسرائيلى يوجه ضربات إلى المطارات المصرية، قال عبد الناصر: لقد حدثت «لخبطة» فى القوات المصرية وانهيارًا فى القيادة العسكرية بكافة أنواعها، وقال: «أنا طلبت القيادة الجوية وعبد الحكيم عامر مكانش موجود هناك ساعة الغارات -علشان يطلعوا- فقالوا لى: إن جميع مطاراتنا بتنضرب فى وقت واحد، وكان باين إن فيه حالة هلع وحالة ذعر.. »

لقد تحدث عبد الناصر أكثر من مرة مع القيادة العسكرية ومع المشير ووزير الحربية شمس بدران وغيرهم ليؤكد لهم أنه واثق من حدوث هذا العدوان، إلا أنهم كانوا يرون أن «الروس بيهولوا فى الموضوع علشان يخوفونا، ويخلونا مانتهورش فى العملية.. »

لقد كرر عبد الناصر فى أحاديثه المدونة فى المحاضر السرية أكثر من مرة «أن الطائرات التى سلمها الروس لمصر، لا يمكن لها أن تصل إلى تل أبيب، أو أى من الأماكن التى تحتلها إسرائيل، وإنما هى بالكاد تصل إلى العريش أو غزة فقط، بينما الأمريكان منحوا لإسرائيل كل ما تريده وكل ما تطلبه»

.

وكشف عبد الناصر خلال لقاءات الأيام الأولى التى أعقبت النكسة أنه ابتداء من يوم الثلاثاء 6 يونيو 1967، طلب عبد الحكيم عامر انسحاب الجيش المصرى إلى غرب القنال، ولم يكن قد مضى أكثر من 24 ساعة على العدوان، رغم وجود أسلحة كثيرة فى حوزة المصريين.

ووجَّه عبد الناصر اللوم الشديد إلى القيادة العسكرية فى هذا الوقت، خاصة أنه كان يدرك أن الحرب لم تحدث بين الطرفين، ولكن ما حدث حسب قوله هو قتال، حيث قال: «حصل قتال عنيف جدًا فى مناطق متفرقة بين قواتنا والقوات الإسرائيلية، وحصل فيه بطولات، يعنى الحقيقة ناس ماتت، وناس ضحت».

وقال: «ما حدث إنه نتيجة هذه التعليمات، الجيش وقع كله، فيه 700 دبابة، رجع منها 150 دبابة أو 100 دبابة، والمدافع أيضًا 700 مدفع، رجع برضه عدد بهذا الشكل، ويوم الخميس كنا بدون جيش خالص».

لم يستسلم عبد الناصر عندما علم بهذه التطورات العسكرية الخطيرة، كان يقول: «سنقاتل فى الخط الثانى»، ولكن كما قال: «حدثت لخبطة، وأوامر متضاربة، هناك أمر صدر يقول «انسحبوا غرب القنال، وفيه ناس انسحبوا للخط الثانى، فاللى انسحبوا لخط القنال رجعوهم تانى علشان يقفوا فى الخط الثانى، وحصل فوضى فى عملية الانسحاب، ولذلك كان الجيش وهو بره الحفر غنيمة طيبة جدًا للطيران، بقوا يضربوا العربية والدبابة».

ويستكمل عبد الناصر فى شرحه لأحداث النكسة بالقول: «يوم الخميس كان تقريبًا الجيش خلص، وأصبح لا مفر أمامنا، يعنى يا نقبل إيقاف النار، يا اليهود يبقوا موجودين هنا فى القاهرة بعد ساعتين، لأنهم وصلوا يوم الخميس إلى القنطرة، وعلى هذا الأساس قبلنا وقف إطلاق النار».

وأمام من كانوا يسألونه عن أسباب القبول بوقف إطلاق النار، كان عبد الناصر يقول لهم: «طيب هنقاتل بإيه، ما هو مفيش قتال، وهنقاتل زى فيتنام إزاى؟ ما إحنا معندناش مقاومة شعبية، وبعدين بلد مفتوحة، اللى راح السويس، واللى راح الإسماعيلية، اللى راح بيمشى بالعربية من السويس للإسماعيلية بيوصل القاهرة بعد ساعتين، يعنى من قنال السويس بعد ساعتين بيكون فى القاهرة، على هذا ماكنش فيه مفر من إيقاف إطلاق النار».

وقال عبد الناصر مبررًا أسباب وقف إطلاق النار فى هذا الوقت: «يوم الجمعة 9 يونيو بلغونى أن اليهود عبروا القنال، وبدأوا يعبروا وينزلوا، وكان فيه ذعر كبير جدًا بالنسبة لكل الناس، والواقع كان اليهود لا بيعبروا القنال، ولا بيرموا مظلات، كانوا بيرموا تموين لقواتهم الموجودة فى القنطرة، ولكن وصل الانهيار إلى هذا الحد».

كان عبد الناصر قد طلب من الروس فى هذا الوقت أن يعوضوه عن الأسلحة التى فقدها فى القتال، وتحديدًا كان يطلب مائة طائرة ميراج 21، ولكن الروس اعتذروا عن تسليمها لمصر مباشرة وقالوا سنرسلها لكم عبر الجزائر.

ولكن عندما تنحى عبد الناصر عن الحكم فى التاسع من يونيو، أرسل الروس برسالة إلى عبد الناصر قالوا فيها «يجب العدول عن هذا القرار وسنرسل لكم كل شىء، وكافة أنواع الأسلحة بلا استثناء».

كان قرار التنحى فى هذا الوقت، يعنى استعداد عبد الناصر لتحمل المسئولية نيابة عن الآخرين، وتكشف المحاضر السرية عن تفسير عبد الناصر لهذا القرار الخطير فى هذا الوقت الصعب عندما قال: «الحقيقة موضوع التنحى كان موضوع مبنى على تفكير، كان الواحد الحقيقة شاف إن المعركة رايحة، وإن لوحدنا مش ممكن نقدر نقف فى العملية، الروس مش متحركين أبدًا، فكان السبيل الوحيد أن إحنا نحقق للأمريكان هدفهم»، وقال: الأمريكان هدفهم الأساس إنهم يخلصوا من النظام ويخلصوا منى، فأنا يعنى تصورت إنهم يمكن خلاصهم منى يمكن عملية أساسية وقلت: إن ولو زكريا محيى الدين جزء من النظام، ولكن همَّا بيعتبروا زكريا رجل معتدل، وبيعتبرونى أنا راجل متطرف، وإنهم يعنى ممكن زكريا يتفاهم معاهم ويتفق معاهم وتجنب البلد الحقيقة ويلات الحرب، لأنه كان ممكن يستمروا ويضربولنا، ويهدولنا البلد كلها، لأن عندهم تفوق جوى، وممكن يدخلوا يكسروا لنا المصانع والقناطر والكبارى والسكك الحديد، ويضربونا جامد، وإحنا النهاردة عندنا إيه، عندنا 60 طيارة 21، و100 طيارة 17، ما بيعملوا حاجة».

وحسم عبد الناصر رأيه بالقول: «بالنسبة للوضع عمومًا إحنا قدامنا حل من اتنين، يا نناضل يا نستسلم للأمريكان»، وأجاب على سؤاله بالقول: «الحقيقة إن نضالنا لوحدنا عملية عسيرة جدًا، لأنه إذا كان الأمريكان هيساندوا إسرائيل وهيضربونا بواسطة إسرائيل، يستطيع الأمريكان يخلوا الإسرائيليين ييجوا القاهرة ويحتلوا البلد كلها»، وقال: «بنقول نناضل وأنتم بتقولوا قاتلوا، زى ما قالوا فى الجزائر، إن عبد الناصر هيطلع على الجبهة وهيقاتل فى الجبهة».

وهنا تساءل عبد الناصر: «فين هى الجبهة اللى يطلع فيها عبد الناصر؟، مفيش، فين هى حرب العصابات اللى عبد الناصر ممكن يحارب فيها؟ إحنا محناش زى الجزائر، إحنا بلد عاملة زى البساط خالص، سينا مفيهاش ميه، ومفيهاش حد، يعنى حرب العصابات فى سيناء صعبة جدًا، فيها عدد من البدو، لكن مهياش الجزائر، وبعدين مكشوفة، يعنى لو هيطلع هو بالهليكوبتر بيقدر يعمل فيها اللى عايز يعمله».

وكشف عبد الناصر الكثير من المعلومات عن حقيقة العلاقة بينه وبين الروس، حيث تحدث عن مطالبه التى أبلغها لهم بعد العدوان، ووصل به الأمر إلى حد القول: «قلت لهم إذا عسكرى يهودى واحد دخل غرب قناة السويس، إحنا لن نستطيع كحكومة أن نبقى، ولن يكون أمامنا من حل إلا أن إحنا نسلم الحكومة لناس بتوع أمريكان، موالين للأمريكان علشان يطلبوا من أمريكا أنها توقف اليهود ويعملوا صلح مع أمريكا ويتفقوا مع أمريكا، ولكن دلوقتى إذا دخل اليهود غرب القنال، وفيه احتمال كبير إنهم يعدوا غرب القنال».

وقال عبد الناصر: «الروح المعنوية فى الجيش كانت تعبانة جدًا نتيجة اللى حصل، بعدين إحنا عندنا خسائر كتير، يعنى عندنا قتلى فى هذه الأيام حوالى 7000، وإحنا مطلعين المفقودين كذا، والأسرى كذا، ويبقى الباقى قتلى، الجرحى اللى جابوهم لنا من داخل إسرائيل واللى جم ماشيين مات منهم حوالى 500 قتيل هنا، ماتوا عندنا فى مصر».

وتحدث عبد الناصر خلال مباحثاته مع العديد من القادة العرب عن تردد الروس، خاصة فيما يتعلق بإمداد مصر بالسلاح القوى، وقال: «خايفين قوى، ياخدوا أى قرار فى الموضوع، بل بالعكس، بقى هم بيطالبونا دلوقتى بتنازلات فى الأمم المتحدة، يمكن أكثر من اللى بيطالبنا بها الأمريكان، والله يعنى «راسك» أحد كبار المسئولين الأمريكان، قابل محمود فوزى، وجروميكو )وزير الخارجية الروسى( قابله «راسك» مضغطش على «فوزى» بينما جروميكو ضغط جدًا على «فوزى».

وقال: «أنا قلت فى الآخر، اعملوا اللى أنتم عايزين تعملوه، وإحنا نعمل اللى عايزين نعمله، انتم تتقدموا باللى انتوا عايزين تتقدموا بيه، وإحنا نعمل اللى عايزين نعمله، وانتم بتقولوا لنا: إن اليهود هيعدوا غرب القناة، وتبعتوا لنا جواب الصبح، وتقولوا لنا: لازم تقبلوا نهاية حالة الحرب، ولازم تقبلوا، هما قالوا: إنهم بعتوا هذا الكلام لكم وبعتوه للحكومات العربية الأخرى».

واستكمل عبد الناصر حديثه: «نطلع من ده بإيه؟!»، وقال: أدى وضعنا وأنا شرحته، وإحنا عايزين نكسب وقت.. علشان نبنى قواتنا المسلحة، وفى نفس الوقت برضه وضعنا الاقتصادى تعبان جدًا».

وقال: «ولكن من الناحية العسكرية، ببنى جيش جديد خالص، يعنى الجيش اللى عندنا انتهى، وببنى جيش جديد، وعايزين ناخد فترة نقدر نقف فيها على رجلينا، بالنسبة لموضوع سيناء، بيقعدوا فى سيناء زى ما همَّا عاوزين يقعدوا، لكن بعد ما نبنى جيشنا ونبنى نفسنا تانى، إحنا حنعمل على تحرير سيناء».

وقال عبد الناصر محددًا خياراته بحسم: «أنا فى رأيى ليس أمامنا من حل إلا أن نناضل، يجب ألا نسلم لأمريكا أبدًا، إن شاء الله يحصل ما يحصل، نناضل ونحاول بكل الوسائل نضغط على الروس بحيث إن الروس يتحركوا معانا، ويخرجوا من حالة الجمود اللى همَّا فيها».

وحول جدوى القمة العربية فى هذا الوقت وتحديدًا قمة الخرطوم، قال عبد الناصر: «أنا رأيى فى مؤتمرات القمة معروف.. ولكن باقول إن إحنا نحاول أن نصل لشىء فى مؤتمرات القمة، لا نقاطع المحاولة، ولكن نحاول إرضاء الرأى العام العربى، والرأى العام العربى يقول لك: لم الشمل، فبنروح وبنحاول، وإذا نجحنا كان بها، وإذا لم ننجح نستطيع أن نكشف ونقول للناس «يا ناس إحنا مقصرناش، إحنا رحنا، ولكن هؤلاء الناس عايزينا نترك طريق الثورية، ونسير فى طريق الخيانة».

وقال ناصر: ولهذا أنا بعتبر النهاردة فى سبيل كسب الوقت، وفى سبيل إنقاذ الشرف العربى والسمعة العربية، نيجى على نفسنا، ويمكن أكثر واحد هييجى على نفسه من الناحية الشخصية أنا فى هذا..

وحول الموقف من سحب القوات المصرية من اليمن لمواجهة الحالة الجديدة، قال عبد الناصر: «هل أسيب اليمن علشان أدافع عن القنال، واللا برضه نحتفظ باليمن؟ أنا رأيى يعنى منسيبش اليمن أبدًا، نفضل فى اليمن ونساعد حركة تحرير الجنوب ونمشى فى السكة اللى كنا ماشيين فيها، وإلا إذا أخدوا نجاح النهاردة، إذا أخدوا نتيجة، وثمرة من الثمرات تنتهى، يبقوا نجحوا».

كان عبد الناصر يدرك أن جيش الاحتلال الإسرائيلى لن يبقى فى سيناء طويلًا، لظروفها القاسية وأراضيها الصحراوية، لكنه كان على يقين أن إسرائيل ستبقى فى الضفة الغربية طويلًا، وكان يقول فى مباحثاته وتحديدًا مع الرئيس الجزائرى هوارى بومدين: «كلما يطول وضع إسرائيل فى الضفة الغربية، كلما يكون من العسير على العرب أن يستردوها، وهذا من تتبعنا لسيرة اليهود».

ولذلك كان عبد الناصر يرى فى هذا الوقت أن على الملك حسين أن يذهب إلى أمريكا، وأن يطلب من الرئيس «جونسون» أن يساعده فى إعادة الضفة الغربية، لأنها حسب حديث عبد الناصر لن تعود إلى الأردن إلا بموافقة الأمريكيين.

لقد وصل الأمر بعبد الناصر إلى القول: «الحقيقة إحنا بنساعد الملك حسين بكل الوسائل لاستعادة الضفة الغربية، وأنا باقول: لو عمل حلف مشترك مع أمريكا علشان تديله الضفة الغربية، والله أنا باقول له: أهلًا».

وأضاف عبد الناصر: لو جاء إلىَّ الملك حسين وقال لى: إن الأمريكان طلبوا منى إن أنا أعمل معاهم دفاع مشترك، وعلى هذا الأساس أديهم قواعد فى الأردن، وعلى هذا الأساس بيخرج اليهود من الضفة الغربية، والله باقول له: أنا موافق!!، يعنى إلى هذا المدى.. ليه؟!، لأن كل يوم بيمر على إسرائيل فى الضفة الغربية، هو تمكين لإسرائيل وإضعاف لإمكانية عودة الضفة الغربية.

لقد كان عبد الناصر يدرك تمامًا حقيقة المرامى الصهيونية فى الضفة الغربية مبكرًا، وكان يعرف أن احتلالهم لأراضى سيناء لن يبقى طويلًا، وكان قد أوضح ذلك بشكل جلى خلال لقائه مع الرئيس الجزائرى هوارى بومدين فى 10 يوليو 1967 بقوله: «مأساة الضفة الغربية الحقيقية أكبر جدًا من مأساة غزة، سيناء مش مأساة ولا حاجة، اليهود قاعدين هناك، الشمس بتحرقهم، وإحنا مش خسرانين حاجة، يعنى خسرانين.. عندنا مناجم الفحم والبترول والمنجنيز.. فى داهية!!، بس معندناش ناس الحقيقة، أما ما يحدث النهاردة فى الضفة الغربية، فتحدث مآسى كبيرة جدًا، ماعندناش مآسى فى سيناء، عارفين سيناء فاضية خالص وزى الصحراء اللى عندكم، الضفة الغربية هى منطقة مكتظة بالسكان ومأساتها مأساة عنيفة جدًا، فواجب علينا إن إحنا نساعد الملك حسين الحقيقة، ولا نخلق له مصاعب، إذا كان فيه إمكانية إنه يحل هذه المشكلة».

كان عبد الناصر يدرك حقيقة الأهداف والمرامى الأمريكية من وراء هذا العدوان، ولذلك تحدث خلال لقائه مع الرئيس السوفيتى «نيكولاى بادجورنى» خلال زيارة الأخير إلى مصر فى الفترة من الحادى والعشرين إلى الثالث والعشرين من يونيو 1967، تحدثا عن سياسة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز بالقول: «كيف أكون محايدًا مع اللى ماسكنى من رقبتى وعايز يقطعنى؟!!»، وحسم الأمر بقوله: «إذن الكلام عن عدم الانحياز والحياد الإيجابى كلام فارغ مما يدفعنا إلى أن نكون أمام أحد حلين:

- الأول: أن نتفق مع الأمريكان، ونخضع مثلما خضعت تايلاند.

- والثانى: أن نتفق مع الاتحاد السوفيتى.

وقال عبد الناصر: نحن لا يمكن أن نخضع للأمريكان أو نكون مثل تايلاند، نحن شعب مناضل، ولذلك أخذنا بالحل الثانى، أى الاتفاق مع الاتحاد السوفيتى.

وفى هذا اللقاء قال عبد الناصر للرئيس السوفيتى: «نحن نعتقد أن اللى حصل هو عملية أمريكية مبيتة من سنتين، وهناك تصميم من أمريكا للقضاء على نظام الحكم فى مصر، وبدأ هذا الموضوع بقطع مساعدات القمح، والتهديد الصريح إذا استمرينا فى سياستنا التقدمية».

لقد كشف عبد الناصر للرئيس السوفيتى فى هذا الوقت أن معلومات كانت قد وصلت إلى مصر تفيد بأن هناك عدوانًا إسرائيليًا متوقعًا ضد سوريا، وأن مصر لن تسكت على هذا العدوان، لأنه لن يتوقف عند حدود سوريا، ولذلك كان لابد من إبعاد قوات الطوارئ الدولية وإغلاق خليج العقبة والعودة إلى ما كنا عليه فى عام 1956.

قال عبد الناصر: : «فى يوم 5 يونيو بدأ العدوان علينا، وقبل كده جالنا جواب من جونسون، يحذرنا فيه من أى هجوم على إسرائيل، قال فيه: إنه يقف ضد أى عدوان فى المنطقة، ويحافظ على الوضع الحالى. وكان من الواضح أن هذه الخطوة هى طبعًا للتضليل».

وقال: «جالنا أيضًا رسالة من مستر كوسيجين )رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى فى هذا الوقت(، وجالى السفير الساعة 4 بعد نص الليل، وقال لى فى هذه الرسالة: «إن أى هجوم على إسرائيل سيجر أوضاعًا خطيرة جدًا. وإحنا ردينا إن إحنا معندناش نية هجوم».

وفى الجلسة الثانية التى عُقدت فى قصر القبة صباح 22 يونيو 1967 بين الزعيمين عبد الناصر وبادجورنى، قال عبد الناصر متحدثًا عن الحل السياسى وإمكاناته: «الحقيقة إحنا يائسين من الحل السياسى، لأن إسرائيل لن تفعل أى شىء، إلا إذا أمرتها أمريكا، والنهاردة الفرصة موجودة، لازم يعملوا صلح بين العرب وإسرائيل، وإذا ما عملوش صلح دلوقتى، هيعملوه إمتى؟!، وعلى هذا الأساس، نحن نعتقد أن أمريكا لن توافق على انسحاب القوات الإسرائيلية، إلا بعمل صلح، لهذا إحنا يائسين من الحل السياسى، والنهاردة الفرصة موجودة لتصفية القضية الفلسطينية كلها، لأن هو ده هدف أمريكا وإسرائيل، لهذا نحن معندناش أمل فى الحلول السياسية، موقف أمريكا النهاردة بيختلف عن موقفها فى1956».

وعندما تحدث بادجورنى مع عبد الناصر عن شعار «القضاء على إسرائيل»، وقال له: «إن اعتقادى أنا وزملائى أن هذا يساعد إسرائيل، ويعطى حجة للاستعماريين واليهود»، قال عبد الناصر فى رده على ذلك: «إحنا خطنا بالنسبة لهذا الموضوع كان واضح، إحنا لم نقل القضاء على إسرائيل، ولكن شعارنا كان عودة حقوق شعب فلسطين، ولم نقل إننا سنقضى على إسرائيل، ولكن أنا قلت مرة: إن إسرائيل إذا هاجمتنا سندمر إسرائيل».

وعندما طالبه بادجورنى بأن يتخلص من هذه الحجة، حتى لا يعطى الحجة لإسرائيل، وأن يوضح ذلك فى أحد خطبه، رد عبد الناصر بالقول: «صعب جدًا فى هذا الوقت، أن أى واحد عربى يقول: أقر بقاء إسرائيل، هذا الكلام، معلش العرب بالنسبة لإسرائيل فى حالة هيستريا».

لقد استمر الجدل بين الزعيمين حول هذه القضية فترة طويلة من جلسة المباحثات، وحاول «بادجورنى» ممارسة كافة الضغوط لإثناء عبد الناصر عن رأيه، إلا أن عبد الناصر ظل متمسكًا بثوابته المعلنة والمعروفة.

وحتى فى الجلسة الثانية التى عُقدت بينهما فى الفترة المسائية من نفس اليوم الثانى والعشرين من يونيو، قال عبد الناصر: «طبيعى إن البلد أصيبت بصدمة كبيرة جدًا، ولكن إحنا شعب صلب.. شعب قديم، وجرَّب الحاجات دى كتير، ولكن إحنا فى نفس الوقت فى مرحلة التحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية، فالمجتمع فيه تفاوت طبعًا، فيه أعداء للنظام موجودين، كانوا ساكتين، دلوقتى طبعًا كل واحد بيتكلم».

وفى الجلسة الأخيرة التى عقدت صباح الثالث والعشرين من يونيو بين الزعيمين، كان رأى عبد الناصر أن الحديث عن الحل السياسى «وهم» لا يصدق وأن «إسرائيل قد تبدأ القتال مرة أخرى يوم 27 يونيو الجارى بهدف إسقاط النظام المصرى والأنظمة التقدمية الأخرى».

كان عبد الناصر يدرك جيدًا حقيقة الأهداف الاستعمارية وأبعادها، وكان يعرف أن العدوان الإسرائيلى فى يونيو 1967 هو بداية وليس نهاية، ولذلك عندما التقى الرئيس السورى نور الدين الأتاسى فى 16 يونيو 1967 أى بعد العدوان بأيام قليلة، أبلغه بكافة هذه التفاصيل.

إن القراءة الدقيقة لهذه اللقاءات والمباحثات التى شهدتها هذه الفترة مع كبار القادة العرب والسوفيت على وجه التحديد، تعطى مؤشرًا على أبعاد المؤامرة وآليات التعامل معها طيلة هذه الفترة.

وبالرغم من أن الرئيس جمال عبد الناصر أكد على ثوابت مواقفه من الصراع رغم النكسة وتداعياتها، إلا أنه أبدى قدرًا كبيرًا من المرونة فى بعض المواقف الأخرى التى تستوجب وقف تداعيات العدوان، والسعى إلى انسحاب إسرائيل من الضفة الغربية تحديدًا فى هذا الوقت.

وتكشف مواقف عبد الناصر التى تتضح من سياق أقواله فى محاضر المباحثات والجلسات المختلفة عن وعى حقيقى بأبعاد الأزمة وتماسك قوى فى مواجهة كافة الضغوط التى استهدفت تحقيق اعتراف عربى شامل بالكيان الصهيونى فى هذا الوقت.

لقد قال: «أنا شايف إن مافيش حل سياسى للموضوع، لا فى الأمم المتحدة، ولا فى مجلس الأمن.. ولهذا لازم نضغط على الدول العربية، وإحنا قدامنا حلين: يا نتفق مع الأمريكان، يا يضربونا ويخلصوا علينا نهائيًا، بالنسبة لىّ أنا شخصيًا العملية مريرة جدًا».

وكان عبد الناصر فى الوقت نفسه يدرك حقائق الموقف الروسى، وقد عبر عن ذلك فى حديثه خلال اجتماع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى، بقوله: «الروس عايزين حل سلمى، وعايزين نصل إلى حل وسط، وطبعًا همَّا فى هذا بيحاولوا بكل وسيلة من الوسائل أنهم يوصلونا إلى قبول الحل الوسط».

وخلال لقائه مع الملك حسين فى قصر القبة فى 17 أكتوبر 1967، أعاد عبد الناصر طرح الحديث عن الحل السلمى، وقال: «إحنا ماشيين على نفس الرؤيا، وهو أن نعيد بناء قواتنا المسلحة، وفى نفس الوقت نتجه إلى حل الموضوع حل سياسى، إحنا ماشيين فى الموضوعين جنبًا إلى جنب».

وفى فقرة أخرى تضمنها محضر الاجتماع السرى، يقول عبد الناصر: «إحنا بيهمنا نقطتين أساسيتين: النقطة الأولى: أن يكون الانسحاب إلى خط 5 يونيو، والنقطة الثانية: أن موضوع قنال السويس -بصرف النظر عن القرار- لا يمكن إلا أن نحله، إلا إذا نفذت قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالحقوق الإنسانية، عودة اللاجئين أو التعويضات».

وقال عبد الناصر: «الحقيقة النهاردة، مين يقدر يقول إن إحنا هندمر إسرائيل، إحنا كل اللى بنقوله النهاردة هو إزالة آثار العدوان، حتى الواحد لو طلع النهاردة وكلم الناس وقال لهم: هندمر إسرائيل، بيتهيألى الناس هتضحك على هذا الكلام، إن إحنا مقدرناش ندافع عن أراضينا -بصرف النظر عن كل الظروف- فكيف نتكلم عن هذا الموضوع، أنا باعتبرها حتى من السياسة، يجب أن الواحد فى تعامله مع العالم مهم ميكونش أبلة يعنى!!».

هذه هى رؤية عبد الناصر الحقيقية، كان يقرأ الواقع جيدًا ويتعامل فى ضوء مقتضياته، لكن الدعاية الغربية كانت دومًا تحمل الرجل مسئولية مواقف لم يعلنها، لم يكن عبد الناصر مستعدًا للاعتراف بإسرائيل، لكن رؤيته فى هذا الموقف كانت تهدف إلى إزالة آثار العدوان.

لقد فسر عبد الناصر حقيقة موقفه فى هذه الفترة خلال مباحثاته مع رئيس الوزراء السورى يوسف زعين والوفد المرافق له فى اجتماعه به فى 24 أكتوبر 1967، عندما قال: «دلوقتى بيقول علىَّ معتدل، مع إنى متطرف أكثر منكم!! وبيقولوا للغرب.. ده بيضحك عليكم، أنا الحقيقة مش معتدل.. ده الواحد مزنوق»!! وقال: «فيه فارق بين إن الواحد يكون معتدل، وفارق بين إنك تتزنق وتحاول تفلفص»! وأضاف: «إحنا متكتفين، وعايزين يرموك البحر.. فبنحاول نؤجل عملية رمى البحر، وتفلفص وتحل التكتيفة علشان تنفذ».

وقال عبد الناصر واصفًا الواقع فى هذه المرحلة: «إحنا الحقيقة مربوطين من رجلينا وممسوكين من رقبتنا»!، وقال: «ده طبعًا يخلى الواحد يستنفذ كل قدرته فى كل الميادين، الواحد ميقدرش يقول لا.. ينسحبوا بدون قيد ولا شرط»!، وأضاف: يبقى السؤال: إمتى هنقدر نحارب؟ وأضاف مجيبًا على السؤال: «لما أقول أحارب.. معناه إنى أستطيع أن أحرر الأراضى المحتلة، وخصوصًا بعد ما حصل فى يونيو بيدينا درس كبير جدًا فى أن نكون حذرين هو 5 يونيو، فات عليه 5 أشهر، إيه اللى اتغير؟!

لقد أجاب عبد الناصر عن كل هذه التساؤلات المطروحة حول حقائق الوضع العسكرى وعلاقته بالحلول السياسية فى محضر الاجتماع مع رئيس الوزراء السورى بالقول: «إذا كان وضعنا العسكرى كما شرحت، إذن فلنحاول أيضًا بالسياسة، ما هى التنازلات التى نعطيها؟»، وهنا أجاب على ذلك بالقول: «بالنسبة لنا حاسبين الحسبة.. جينا نقفل خليج العقبة ماقدرناش، لم نستطع، وإحنا فى هذا أدينا واجبنا ولم ننجح فيه، إذا خليج العقبة يبقى».

وقال: «بعد كده إذا كان فيه خليج دولى، فليكن على جانبى الحدود.. مش هنرفض، ولكن بنقول: على الجانبين، وإذا إسرائيل رفضت إحنا بنرفض، ولو إن فى 56 هم رفضوا».

وقال: «بس بعد كده أى كلام آخر هو موجود فى اتفاقية الهدنة.. اتفاقيات الهدنة موجود فيها كلام عن السلام وعدم العدوان، لا فى البر ولا البحر ولا فى الجو، وهذا الكلام موجود رغم إن إحنا عملنا سنة 49 لما كنا برضه مهزومين!!».

وقال عبد الناصر: «رأيى إن عملية الحرب، وإنهاء حالة الحرب لا قيمة لها إلا فى حالة واحدة، إنهاء حالة الحرب يسمح لإسرائيل أوتوماتيكيًا باستخدام قناة السويس، لو مفيش قناة السويس يبقى الموضوع محصل بعضه».

وقال: «طبعًا عملية نزع السلاح والكلام ده.. كلام فارغ. أما قضية فلسطين، ستبقى قضية فلسطين، ولا يمكن أن ينتهى ولا بعد كذا سنة، ولما نرجع للتاريخ صلاح الدين قعد ينهزم 30 سنة.. ولكنه كسب فى الأخر».

وقال: «العملية هى أن نبنى نفسنا ذاتيًا وتكنولوجيا ونبنى قواتنا المسلحة، وبرضه نشتغل سياسة صح، قضية فلسطين ستبقى، رغم أن أمريكا عايزة تصفيها».

وفى اجتماع مجلس الوزراء المصرى الذى عقد فى 17 فبراير 1968 برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر خصص الاجتماع بجمله عن التطورات السياسية والأمور المتعلقة بمهمة المبعوث الدولى «ياربخ» والتى حددها وزير الخارجية محمود رياض فى هذا الوقت فى أجندة حملها المبعوث الدولى تضمنت أربع نقاط وهى:

- عقد اتفاقية صلح.

- تحديد الحدود.

- الملاحة.

- عقد اتفاقيات اقتصادية.

وقال: كانت هناك محاولات للحصول على إجابة واضحة من مصر بالاستعداد للجلوس للتفاوض مع إسرائيل حول قرار مجلس الأمن رقم 242، وحول هذه النقاط، إلا أن مصر حسب قوله غير مستعدة إطلاقًا للجلوس والتفاوض مع إسرائيل، وقال: «أنا أبلغتهم أننى غير مستعد أن أناقش أى موضوع قبل ما أسمع من ياربخ أن إسرائيل هتنفذ قرار مجلس الأمن، وأوضحنا أن مهمته هى فقط مختصرة فى تنفيذ القرار».

وفى هذا الاجتماع أكد عبد الناصر رفضه لكل الجهود التى استهدفت إعادة العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، خاصة وأن الأمريكان لم يغيروا موقفهم من دعم ومساندة إسرائيل واشتكى عبد الناصر فى هذا الاجتماع من أن التلكؤ الروسى فى إمداد مصر بما تحتاجه من الغذاء -القمح تحديدًا- والأسلحة بالشكل المطلوب وإن لم ينكر دور الاتحاد السوفيتى فى مساعدة مصر للخروج من أزمتها.

وأكد عبد الناصر فى هذا اللقاء أنه غير متفائل إطلاقًا بالحديث عن الحلول السياسية وتنفيذ قرار مجلس الأمن، وقال: أنا باعتبر إسرائيل تنسحب فى حالة واحدة، فقط عندما تشعر أن لدى العرب قوة حقيقية تجبرها على الانسحاب.

وقال عبد الناصر: إن مصر تساعد المقاومة الفلسطينية وحركة فتح فى هذا الوقت للقيام بعمليات عسكرية ضد إسرائيل إنطلاقًا من الأردن لإجبار إسرائيل على حل القضية والانسحاب من الأراضى المحتلة.

وخلال الاجتماع عرض الفريق أول محمد فوزى وزير الدفاع خطة المواجهة والحشد لتحقيق الانتصار على إسرائيل، وضمن ما قاله فى هذا الاجتماع: «مافيش حد فى بلدنا النهاردة هيقدر يقبل بنصر منقوص 1٪، يعنى احتمال معركة خاسرة أخرى بالنسبة لبلدنا، محدش هيقدر يقبلها أبدًا، لا فى الإعداد ولا فى مرحلة التخطيط، ولا فى مرحلة التصديق لحركة القوات المسلحة لدخول المعركة».

وقال: «لسوء حظ القوات المسلحة أن معركتها القادمة تشمل عبور وتشمل قتال فى أوحش منطقة موجودة فى سيناء، وهى المنطقة اللى شرق قناة السويس إلى المعابر، إلى المضايق».

وقال: «خط المضايق ده بنقول عليه: هو خط الدفاع الوطنى عن الجمهورية العربية المتحدة».

وبعد محاكمات قضية «الطيران» وصدور الأحكام التى اعتبرها البعض «مخففة» كانت هناك ردود فعل متباينة تم مناقشتها داخل اجتماع مجلس الوزراء فى 25 فبراير 1968، حيث استعرض الفريق أول محمد فوزى وزير الحربية ما حدث خلال هذه المحاكمات والتأكيد على عدم وجود دليل على الخيانة، وأن الأمر انحسر فقط فى الإهمال وفق شهود المحاكمة.

وتحدث عبد الناصر مطولًا عن أزمته مع الفريق صدقى محمود قائد الطيران منذ عام 1956، وقال: «يعنى أنا صدقى بالذات، كنت عايز أشيله من سنة 56 ورأيى أنه مسئول عن العملية»، وقال: «ماقدرش يعنى أنا شفت المحكمة، ما أقدرش أرجع الحكم للمحكمة تانى، ما أقدرش أحوله لمحكمة ثورة، وإلا لوديته محكمة الثورة يعنى لازم هيحكموا عليه بالإعدام».

وقال: «أنا متابع القضية، ومتابع الادعاءات، وبعدين برضه موضوع الجيش موضوع أيضًا حساس بصرف النظر عن صدقى محمود ومش فاهم إيه، ولكن برضه القضاء العسكرى، وأن كفاية اللى اتعمل فينا».

وعندما تحدث السيد على صبرى فى هذا الاجتماع، وقال: «إن الجماهير تتفق وتختلف حول الكثير من القضايا وهناك انقسام فى الرأى، مع أو ضد، ولكن هناك اتفاق حول موضوع الأحكام، والناس بتربط ما بين قضية صدقى محمود، وما بين يوم 5 يونيو، صورة 5 يونيو عالقة فى ذهنهم وفى تصورهم أن هذا هو السبب، خطأ أو صواب من كلمة صوروها من كلام الريس، إنما تصوروا إن لما الريس قال: إن الطيران هو خسرنا المعركة.. من أول ساعتين لما دمر الطيران بتاعنا فى تصورهم إن النكبة والأزمة النفسية بالكامل اللى هما موجودين فيها النهاردة هى بسببهم».. هنا رد عبد الناصر: وأنا أؤيدهم.

ولم يختلف عبد المحسن أبو النور مع ما هو مطروح، حيث قال: «سيادة الريس واضح من الكلام -زى ما قال فايق دلوقتى- إن الاحتجاج بتاع الشعب كله فى الواقع وأن التنفيس اللى حصل مجاش نتيجة إن 30 أو 40 شخص حرضوا الناس على الخروج فى مظاهرات».. واستكمل بالقول: «يبقى واضح أمامنا أن الشعب بأكمله غير راضى عن هذا الحكم، وبيطالب بتحويره».

وقال: «هل إحنا لو تجاوبنا مع مطالب الناس، ممكن أن يفسر هذا يقال: إن دا خضوع للشارع أو إن الشارع ابتدى يسيطر، وحتى ابتدى يسيطر على المحاكم»، وأضاف: أنا باعتقد أن الكلام ده مش صحيح، لأن الواقع مش اللى طالب بتحوير الحكم هو الشارع، إنما اللى بيطالب بتحوير الحكم هى كل الناس بلا استثناء، وأضاف: وأنا باعتقد أن إحنا جميعًا هنا بنحس إن الحكم دا لا يتلاءم مع الجريمة وإحنا مش فى الشارع، يبقى الناس على مختلف مستوياتها تطالب فعلًا، إذًا الطلب ده جاى من الشعب ماهواش جاى من الشارع».

وقال: «إذا استجبنا، إحنا هنسحب السجادة من تحت الناس دول، وهنفرغ الشعارات الفارغة اللى همَّا بيقولوها، وهنخلى كل الناس اللى قاموا تلقائيًا علشان يشاركوا فى هذه المظاهرات، هيرجعوا لوضعهم الطبيعى، ويعرفوا إن الثورة واقفة جنبهم».

لقد كان عبد الناصر حكيمًا فى التعامل مع هذه الأزمة التى أدت إلى خروج مظاهرات 68 الشهيرة، ولكنه كان يدرك أن الجرح أكبر من هذه الشعارات التى تم رفعها، ولذلك بدأ عبد الناصر فى إعادة صياغة كثير من الأمور، وراح يطرح الأمر على كافة المسئولين التنفيذيين والسياسيين للبحث عن سبل الخروج من الأزمة وفتح باب الحوار مع الطلاب وكافة الفئات الاجتماعية الأخرى، للوصول إلى موقف مشترك فى مواجهة التحديات التى كانت تواجه البلاد فى هذا الوقت».

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق